وَرَقَةٌ بَيْضَاءُ

 
/1/
في وَقْتٍ لاحِقٍ، قَبْلَ إيلاجِ الاسم إلى حَانَةِ المَرَاسِم، كَانَ هُنَاكَ مَا لا يُمْكِنُ أن يَتَوقَّعَهُ أصْحَابُ الإرادةِ، وَحينَمَا كَانَت الخُرَافَةُ هيَ الأقْرَبَ إلى الحَقيقَة، كَانَ الأسلوبَ النبيلَ المُفَضَّلَ لَدَى العَامَّة ولكنَّ الأدبَ اقْتَصَرَ عَلى مَا لَا أريدهُ.
غَالِبَاً مَا تُروى القصَصُ داخِلَ سَريرِ الَّليل ودَائماً مَا كانَ حَضيضُ البحر غَايةَ المُسَافر الذي كانَ يَمرُّ بِجانبِ حَجَرٍ مَوجودٍ على قَارعَةِ طَريق، هَكَذا أفْتَرِشُ البِسَاطَ، لا أمضي فَوقهُ مُنْتَعِلاً الحِذاءَ الغَريب وَلا أمضي حَافيَ القَدمين!! إنَّني فَقَط أُبْعِدُهَا عَن دربيَ حينَمَا أَحِنُّ إلى قَارِبٍ أَمضي إليه، وَكُلَّمَا أَمْطَرَتِ السَّمَاءُ وَتَبَلَّلَ مِئزَري ينقلبُ الأمرُ لكي تَسْنَحَ ليَ الفُرصةُ للتعبيرِ عمَّا أكنَّهُ مِنْ أَسَفٍ للنَّائمينَ، تَطوفُ حَولَهم مياهٌ سَوداءُ لا تَشبَهُ شَيئَاً، لا بُدَّ أنَّني أخْطَأتُ في تَعيينِ الجهةِ، لا بُدَّ مِن تَفسيرٍ للأيَّامِ المَريضَةِ ولا بُدَّ أنَّ التِكرارَ كانَ مَثَلَهُ الأعْلَى هوَ الضَّجَرُ!! لِذَلِكَ كُلَّما ذَهبتُ إلى الصَّحراءِ لا أَصْطَحِبُ مَعي سِوى قَارورةَ مَاءٍ تَحَسُّبَاً لِلعَطَش ولذلكَ أيضاً كُنتُ أستقرُّ في مكانٍ غيرِ مناسب، وإذا ما أردتُ الاستمتاع كنتُ أدرسُ أمام ضياء الفانوس لكي يظهرَ لي خيال يديّ في هيئةٍ مفترسةٍ بريئة وإذا ما أصبحتُ لا أستوعبُ قيامي بمثل هذه الأمور كنت أجلبُ باقةَ وردٍ كي أضعها أمامَ نافذتي لأنني لا أحبُّ الأشياء كما هيَ ولا أحبُّ الأضواءَ عندما تشعُّ من بين قدمين، لا أريدُ أن أصبحَ مرهَقَاً من التقبُّل في الصباح كما أنني لا أودُّ أنْ أرى البعض مثل إطارِ لوحَةٍ أو كغصنِ شجرة برتقال، هكذا كانَ الأمرُ، حينما كانَ ملاذنا العبرةُ من المواقف أمَّا الآن:
فلا تَقُم بإزعاجِ القَدَر بأفعالِكَ.. اتركهُ سَعيداً، دَعهُ وشأنَهْ فليسَ للكتابِ إلَّا أسرارهُ إن ابتسمتَ لهُ بقيَ كَما هوَ، إن تكلَّمتَ معه كَذَلِكَ، اتركهُ وشَأنه.. لَقَد تغيَّرتَ.


/2/
حينَما كانت الأسرارُ مُلكَ المرأة كانَ كلُّ شيءٍ ذا قيمة، كانَ لكلِّ شيءٍ قيمتهُ حينما كانَ البحَّارُ يصطادُ السمَكَ من البحرِ، كانَ للعملِ هيبته، وحينما كانَ الكاتب يروي القصَّةَ بأسلوبهِ كانَ الوضعُ متوتِّرَاً ولكنَّ الأفضلَ كان يستيقظُ صباحاً بفعلِ الرياحِ الباردة، النَّسمَاتُ التي كانت تنبعثُ من الشاطئ يجعلُ الجسدَ يرتعشُ من البرد، أجَل، إنَّهُ كذلَك، أنا الشخصُ الذي يفتقدُ ما يحتاج ليسَ قبل اجتيازي للاختبار القديم حينما كانَ الأملُ متواجداً، كنتُ أبادرُ بالابتعاد عن الفرص، لا تبدو الجملةُ مكتملَةً قبل أن أعلَمَ بأنَّ الليل يطاردُ الضوء، لا توجدُ حقيقةٌ فوق الدقَّة ولا توجَدُ الصورة التي تحوي على التراب والماء، ولا بدَّ أن الشخص الذي كان يملكُ الأجوبة كانَ نائماً في فراشِ غيره أو لربما كانت للقوانين عيوبٌ توارَت بين أوراقِ الكتب المقدَّسَة.
حينما كانت التفاصيلُ تحتوي على العقدة كان الخوفُ يغلب اللصّ الذي يسرقُ والدَه، لذلكَ لا يظهر الصمتُ في الأدوار المسرحية ولا أدري لمَ كنت أتفادى الحادثَ وكأنني قطعةُ نردٍ!! مَن سبقني هو الحاكمُ أمَّا المتمرِّدُ فقد ضحَّى بنفسهِ لقاء الحصولِ على القليلِ من الإحترام. نسيانُ المواقفِ ليسَ سهلاً بعضَ الشيء ولكن العذراء كانت تبدأُ دائماً التحرُّكَ بخطواتٍ وئيدةٍ نحو جميع الجهات، كانَ الأمرُ مُحالَاً لأنَّها تواجدت في مكانٍ دائريّ ولذلكَ كنتُ أتطوَّعُ في بناء المكاتبِ فقط، لا يهمُّني كم استغرقتُ ولكنني أذكرُ أنني أصبحتُ شابَّاً يافعاً أو بالكادِ ورقَةً بيضاء . 


/3/
المشكلةُ البسيطة هيَ أنّ الآخرَ لا ينظَرُ إلى الأمر كما أنظرُ، إنَّه يتفرَّجُ من الجهةِ الخاطئة حَتْمَاً، البعضُ أغبى من البعض الآخر وهذا ما يجعلني أرتعِبُ كوني لا أرى الأشياءَ كما هيَ، لا أسمعُ بوضوحٍ الصوتَ، الصواب هو أنني لا أثِقُ بحدسي ولا يهمُّني ما يحدثُ حولي، كلُّ شيءٍ سَوَاءْ، ليسَ مهمَّاً من يولَد أو من يموت، من أرى، مع من أتحدَّث، من يعمل في المقهى أو من ينادي صاحبَه أو حتّى من يصنعُ معجزةً ، كلّها أخبارٌ زائفة غيرَ أنَّها تأخذُ اهتماماً أكثرَ مِمَّا ينبغي لأنّ أفكارهم ليسَت لهم، ولا يتكلَّفونَ عَنَاءَ إعادَةِ النَّظَرِ في الأشياء.


/4/
كلُّ شيءٍ موجود له ثمنهُ ويأتي ثمنهُ خلف هدفِ وجوده والمساعدُ الآخرُ لهذا هو السببُ الذي يبرِّرُ وضعهُ وأنا أمضي قُدُمَاً أعيشُ في منزلٍ من طابقين، أقومُ بواجباتٍ منزليَّة ورغَماً عني أختلطُ مع أشخاصٍ لا أثَرَ لهم، لربَّما أحتاجُ إلى بعضِ الوقت لأتفهَّمَ الأمر وربما أحتاجُ إلى فرصةٍ، فأنا لا أعلم السبب وراء بقائي بينَ من هم أدنى مني؟ ولربمَّا حلمتُ بأن أصنعَ نُخبَةً من الأفراد.
لا أدري أني أعاني من حالاتٍ غريبة لديّ، ألمٌ متواصلٌ في معدتي، أقرأُ العناوينَ عِوضَاً عن ذهابي إلى المتجر وأحاولُ أن أُبقيَ نفسي تحتَ سيطرةِ غيري لأنَّ هذا هوَ الأفضل لمصلحتي ولأنَّ هذا ما يبعدني عن ارتداءِ ثوب المجرم أو الضحيَّة وفي الحالات الاستثنائية فقط أتيقَّنُ أنني ضائع وأعلمُ أنني لن أُبصِرَ في الحديقَةِ أملاً مختفياً بين أشجارٍ تتغذَّى عليها الجراد والديدان المريضة، هذا ما أنا عليه، لستُ جزءاً من الحقيقَةِ لأنني بدأتُ الشكَّ تجاهَ قضيَّةٍ (نحنُ نرى الغير بهذا الشكل ) أن أنقذ نفسي من نفسي، أن أتراسلَ في شتاءٍ مبلَّل مع امرأةٍ تبلغُ الحكمةَ في عمرها ولكن الشيء الوحيد الذي يَفتكُ بكلّ ما حولي هو الوقتْ.
أحياناً أتمرَّدُ على كل شيء إلا الوقت لستُ ندَّاً له وليس هو كذلك، هذا ما أتصوَّرُهُ بعدَ عامٍ آخَرَ حينما لا يكونُ لي ملاذٌ آخر سوى البقاء على قيد الحياة وكلّ ما كتبته أو تكلَّمتُ عنه هو هدرٌ لقيمة العمل، هو هدرٌ لقيمة العجز الذي يكونُ منفَذَاً لغيري لانبلاجٍ جديد في مكانٍ آخَر، هناكَ حالتان بعدُ يجيب حينها الرحيل على الحالة الأولى وهو فقدان التعبير أو ما أدعوهُ الصبر والحالة الثانية هو المجهول، إنَّهُ الخطرُ، يجب توخّي الحذر من ما هو لك ومن ما هوَ ليسَ لك، هذا يزرعُ انطباعاً بداخلك فيستهويك، ولكن في جميع الأحوال يجب أن يكونَ الثمن جيداً جدَّاً في حال أن أردتَ البقاء على نقطة ارتكازِ قَدميك .


/5/
حينما تفقدُ لغتي الأحرفَ الأبجديَّةَ أتضوَّرُ جوعاً لتعلُّم المزيد مع أنني أعلَمُ امتلاكي بعضاً من التأثير الإيجابيّ في أرواح الموتى أكثرَ من غيرهِم، ما تبقَّى من انطباعاتٍ سلبيَّة تتعدَّى الذوقَ الرفيع وليسَ من الغريب أنني أتفقّد الكتبَ التي مزّقتها أملاً في الحصولِ على فرصةٍ تتداولُ طبيعةً غائمة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. reem

    كيف بغضر التقي بالشخص يلي كاتب النص

أضف تعليق