الفكر والشعر والذاكرة، أو الانتماء الأصيل إلى الكينونة

الذاكرة التي هي الذكرى المجمعة والموجهة صوب ما ينبغي التفكير فيه،
هي الأرض التي ينبع منها الشعر فماهية الشعر، إذن، تستقر في الفكر

-هيدغر-


الذاكرة هي الفكر ذاته، من حيث هو يحيا ويدوم”
-برغسون-


يكشف التساؤل عن الشعر ’بما هو ذكر، أي باعتبار ماهيته القائمة في صلب الذاكرة بما هي منبع الشعر’ عن علاقة تتعدى الاستضافة والجوار، إلى ما يخص الانتماء إلى ما هو جوهري، وما هو جوهري ينكشف في الإقامة داخل مَسْكن الكينونة بما هي ضرب من السكن في العالم على نحو شعري، أي بما هي ابتكار فن الوجود، ابتكار نمط خاص من البناء الذي ينكشف كتأسيس لما هو جوهري، ومن ثمة “فالشعر على هذا النحو هو قوة أساسية للسكن الإنساني”.
يتحدد الشعر هنا بما هو نمط من الإقامة، كانكشاف يؤسس لانفتاح الكينونة على وضعيتها في الوجود، كما تتحدد الذاكرة كأرض للشعر ومنبع له. ثمة إذن ضرب من الانتماء الأصيل للغة’ بما هي “بيت الكينونة” حيث “الذاكرة” كتجمع للفكر تولد الشعر وتمنحه ماهيته الأصيلة. بهذا المعنى ليست الذاكرة وسيلة للتذكر، بقدر ما هي تحفيز على الذكر، أي على استجلاب اللغة إلى ما يخص الكينونة، وإلى ما ينبغي التفكير فيه وإلى ما ينكشف كنمط للإقامة الشعرية في العالم، وبهذا المعنى تدل الذاكرة على معنى الإيواء والرعاية والصيانة والمنح والعطاء، فماهيتها تستقر في اللغة، بما هي تأويل جذري للإقامة داخل العالم. فاللغة ليست فقط “منطقة” للتعبير، كما ليست فقط وسيلة تعبير، ولا هي أيضا هما معا. فالشعر والفكر كما يقول هيدغر
“لا ينحصران فقط في استعمال اللغة، ولا يطلبان الاستعانة بها من أجل الإبلاغ، غير أن الفكر والشعر هما في ذاتهما، الكلام المبادر الجوهري، وبالتالي فهما الكلام الذي تتحدثه اللغة عبر الإنسان”.
يرى هيدغر أن “اللغة هي التي تتحدث وليس الإنسان، والإنسان يتحدث فقط عندما يلبي قدرية اللغة. وهذه التلبية هي طريقة أصيلة ينتمي فيها الإنسان لنور الوجود، لأنه ينشئ الوجود الأصيل للشيء باللغة من حيث هي إظهار له. ولا تكون اللغة بيتا للوجود إلا لأنها تعبير عن هذا الامتلاك المتبادل بين الوجود والإنسان، والذي يمتلك فيه كل منهما الآخر، وعلى أساس هذا الامتلاك أو سكن الوجود فينا وإقامتنا في الوجود يتسنى للموجود الإنساني أن يظهر وأن يوجد عبر اللغة”.
تتأول اللغة كبيت للكينونة انطلاقا من “اللوغوس” بمعنى الإفصاح، والقول، والفعل الذي يعود إليه اسم “لوغوس” يعني “يجمع” ويصنع مع بعضه أي بمعنى أنه “شيء مجموع ومحفوظ، ومحروس ومصون، ويضع شيئا ما معروضا ويستحضره ليظهر أمامنا”، وهذا يعني أن اللغة هي تأسيس لكل ما هو جوهري وبذلك يتضح الطريق إلى اللغة من خلال الفكر والشعر، ولذلك فإن علاقة الانتماء التي تجمع الفكر والشعر هي التي تنير الطريق نحو المسكن، أي نحو كينونة أنفسنا بما هي استذكار واستجابة للنداء. وبذلك تصير اللغة قواما لكينونة ما يتكلم من خلال الإنسان، ويصير الإنسان بذاته كلاما، فماهية الإنسان الأصيلة تتحدد بما هو كلام وبما هو منبع كل دلالة. واللغة بهذا المعنى هي التي تتملك الإنسان. وليس الإنسان سوى معلول اللغة بما هي علة الكينونة. يفرق “هيدغر” بين ما يسميه التحدث باللغة عن استعمال لغة ما. فالتحدث باللغة إمكانية جوهرية للتأسيس، بينما استعمال اللغة هو شأن اعتيادي، “يمتلك على الخصوص هذه السلطة الرهيبة في انتشال تعودنا على الإقامة فيما هو جوهري، ويتركنا بكيفية قطعية عاجزين عن التمكن من الإقامة فيه”. غير أن الفكر أو الشعر بكيفية مختلفة لا يستعملان المصطلحات (worter)، بل يقولان الكلمات (die worte)، “نكون نحن، بمجرد ما نتتبع طريق الفكر، ونولي اهتماما خاصا بقول الكلام”. ذلك لأن الكلمات ليست مصطلحات termes مليئة بالمضامين، بل هي المنابع التي يحفرها القول. وهي منابع يجب البحث والتنقيب عنها مجددا، وهي تنمحي بسهولة، لكنها من حين لآخر تتفجر فجأة. من غير عودة مثابرة للمنابع تظل المفردات فارغة، ومضامينها فاسدة.
يقتضي الأمر بالنسبة ل“هيدغر” الانفتاح على سؤال العلاقة بالفيلولوجيا. فالنتائج التي تكشف عنها هذه الأخيرة، بإمكانها أن تكون في كل مرة بمثابة فرصة لتلقي إشارة (Signe) ما. ولأجل ذلك لابد أن يحصل لدينا سلفا فهم – قبلي (pré-compréhension) للمجال الذي صدرت عنه. فتلقي إشارة ما، هو أمر صعب ونادر، بالأحرى فهو نادر جدا بقدر ما ليس لدينا أية معرفة بها، وهو صعب جدا بقدر ما نقتصر فقط على إرادة بعض المعارف. غير أن ثمة تباشير للإشارات. تقودنا إلى طريقها، أي إلى طريق الفكر وإلى الشعر كما تقودنا نحو الذاكرة منبع الفكر بصفة عامة.


يطرح “هيدغر” بعض التساؤلات بصدد الإشارات التي تتعين في كلمات بعينها من أجل التنقيب في المنبع. فما الذي يتعين تحت كلمات كالفكر. والُمفكّر le pensé، وفكر (ما)؟ أين هو الفكر، أين يقيم؟ يلزمه وجود الذاكرة (Gedachttniss) ما الذي يعنيه هنا الفكر؟ هل الذاكرة هي مجرد خزان لأجل ما يفكر فيه الفكر، أو بالأحرى أن الفكر يقيم في الذاكرة؟ ما هي الصلة ما بين الاعتراف والذاكرة؟ بطرح هذه الأسئلة فإننا نتحرك في فضاء لعبة ما يقود إلى الكلام في فعل “فَكَّر” ويبرز فيه.
إن العلاقة القائمة بين هذه الكلمات: الفكر، المفكّر، فكر ما، الاعتراف، الذاكرة تُحيل إلى كلمة (Gedanc). غير أن “Gedanc” لا تدل على المعنى الجاري، في التداول الحالي، لكلمة “Gedanke” (فكر ما). يعني “فكر ما” عادة: فكرة ما، تمثلا ما، رأيا ما، فكرة مفاجئة. أما الكلمة الأصل “Gedanc” فتعني: الاحتفاظ بذكرى مجمعة يتجمع فيها الكل. فتغدو “Gédanc” معادلة شيئا ما لـ “نفس” (Gemut)، و “muot” القلب. ففي “Gédanc” تقيم الذاكرة والاعتراف. في البدء لا تدل “الذاكرة” قط على “ملكة التذكر”. فهي تدل على النفس كلها بمعنى التجمع الجواني الدائم بالقرب مما يتوجه أساسا إلى كل الإحساس. فالذاكرة في الأصل معادل للتجمع بالقرب… (An-dacht)، أي الإقامة المستمرة كمُجَمّع بالقرب من… ليس فقط بالقرب من الماضي بل بالقرب أيضا من الحاضر، وبالقرب مما يمكنه أن يأتي. 
فما هو ماض، وما هو حاضر (das Gegenwairtige)، وما هو آت، يظهرون داخل وَحْدَة الحضور (An wesen)، والتي لها في كل مرة طبيعتها الخاصة. فالأثر الذي يهيمن في الذاكرة، ليس هو فقط الفكر الأساس الوفي Pensée fidèle، بل هو بالمثل “الحفظ” الذي لا يتداعى ولا يتراخى. ومن ثمة فالنفس، في صُلْب الذاكرة، تنشر ذخيرة الصور، أي الرؤى التي تكون فيها هي أيضا مرئية. ومن هنا يبرز، بداخل كينونة الذاكرة بالمعنى الواسع والعميق، هذا “القيام الثابت” المضاد للانزلاق، والذي يسميه اللاتينيون “mémoriatener”. القيام بثبات هو ارتباط بالماضي كما بالحاضر والمستقبل إذن يسمى هيدغر «تَجَمُّع الفِكر الوفي بالقرب مما يمنح التفكير بالذاكرة» وبذلك فهي لا تعني كما يشير هيدغر في موضع آخر “القدرة على تذكر الماضي ، وإنما تجميع الفكر ليظل متمحورا حول ما سبق التفكير فيه باعتباره ما تجب مسبقا العناية به قبل أي شيء آخر. الذاكرة هنا لم شتات الذكرى المفكرة باتجاه ما ينبغي اعتباره قبل كل شيء. هذا التجميع يُقرِي بالقرب منه، ويخفي بداخله، ما يتعين مسبقا أن يحظى بأولوية التفكير فيه بوصفه كل ما هو كائن ويعلن عن نفسه باعتباره قد كان ولا يزال. فالذاكرة هي الذكرى المُجمِّعة والموجهة صوب ما ينبغي التفكير فيه، هي الأرض التي ينبع منها الشعر. فماهية الشعر إذن تستقر في الفكر.”
يستند هذا التصور إلى أسطورة يونانية تحمل منيموزين، وهو الاسم الذي يطلق على الذاكرة. وهو “اسم لحورية أنجبتها السماء عند اقترانها بالأرض، وقد تزوج بها (Zeus) زيوس، فأصبحت أما للفنون في ظرف تسع ليال، وصارت حبلى باللعب والغناء والرقص والشعر. كل هذا حملته منيموزين الذاكرة في ثديها”. تغدو الذاكرة بهذا المعنى شرطا لكل تجربة شعرية ممكنة، وبما أنها منبع الشعر، فإنها لا تهدف إلى تذكر “الموجود”، وتمثل الأحداث التي تقبع في الماضي، بل إلى جعل الكائن “في اتصال مباشر مع الكينونة الأصلية التي لا يكشف الزمان في مسيرته للبشر، سوى عن جزء يسير منها ليحجبه على التو.” أي أنها تروم “هذا الذي يبقى علينا في الكينونة، من حيث أنه يجد بالقرب منا، في نفس الوقت، عناية به. والعناية معناها أن”نهبه تذكرنا، ونقدم له تفكيرنا، لأننا نحبه باعتباره الكلام الذي توجهه إلينا كينونتنا“أي أن”القدرة الكلية والأصيلة على الكينونة، إنما تصبح في الوقت نفسه منظورة من حيث هي ضرب من العناية“.
معنى ذلك أن العناية بما هي اقتدار على الكينونة الأصيلة هي كيفية ينكشف عبرها التذكر والتفكير والكلام في الذكرى المجمعة التي ينبع منها الشعر باعتباره”ذكرا“، والذكر والذكرى بالكسر كما جاء في لسان العرب نقيض النسيان. غير أن الأمر هنا لا يتعلق بالذكر باعتباره تذكرا أو بما هو استرجاع لذكريات الموجود ولماضيه الحافل بالأحداث، بل باعتباره ذِكرًا للوجود، وتفكيرا في ماهية الفكر والكينونة. أي بما هو تجاوز فعال لنسيان الوجود. وهذا بالضبط”ما يشكل ماهية الذاكرة من حيث هي فكر لتذكر نسيان الوجود، ولهذا السبب فهي ذاكرة، لأن ما هو محفوظ فيها أصلا هو “الزمان” ككينونة أصيلة للوجود. بحيث أنها عندما تتذكر، فإنما يكون تذكرها في حقيقة الأمر تفكيرا في الوجود، وفي النسيان الذي يهيمن على قدر ماهيته… والحال أن هذا النسيان الذي يسكن ماهية الحقيقة هو “الفيزيس” نفسه كانفتاح للوجود الذي يتجلى الموجود في نوره.“


وبعبارة أخرى يمكننا تأويل الذاكرة بمعنى”الذكر“أي بالمعنى الذي يفيد”التذكر والقول“في الآن ذاته، تذكر الوجود وقوله باعتباره الكلام الذي توجهه إليه كينونتنا. وبذلك فالذكر هو حمل الوجود على الانكشاف، وإقدار الكائن على قول ما ينكشف، وجلبه إلى ما يخصه أي نحو ما يجب التفكير فيه. فالذكر هو بهذا المعنى ما يجعل الشعر ممكنا بصفة خاصة والإبداع بصفة عامة. ما دام أن حركته تتوجه نحو المستقبل، نحو إبداع ما ليس بعد ناجزا في المقول. فالذكر هو اختبار لإمكانيتنا، في استذكار المستقبل، وليس في استذكار الماضي، وهي الإمكانية التي تنكشف كإبداع للعالم.
وهذه الإمكانية إنما تنكشف للشاعر والمفكر ككيفية لتذكر الوجود، من خلال ما تستطيعه كينونتهما المنفتحة على اللغة بما هي مسكن الكينونة. ذلك لأن تذكر الوجود هو طريق نحو اللغة أي نحو المسكن الذي تتأصل فيه تجربة الشاعر والمفكر كإبداع، ومعنى ذلك أن التذكر على نحو أصيل هو نسيان لما هو جارٍ واعتيادي أي لما ينخر بنية الموجود الذي ينغمس في الابتذال’ وفي ذات الآن استعادة للذكر بما هو كيفية مغايرة للقول. وبعبارة أخرى تنكشف اللغة في ماهيتها الأصيلة بمجرد ما تضع إرادتها في الفكر أو في الشعر لتنكشف على نحو ما يجب التفكير فيه وما يجب ذكره. أي ما يحفز كينونتنا على التفكير، أي أن تقف في المنفتح، في اللاتحجب في نور الوجود أن تستجيب للإبداع، بما هو نداء الكينونة. وذلك بأن”التفكير“كما يشرح هيدغر يعني أن نبتكر، أن نخطط، أن نفكر في هذا أو ذاك، وهو فوق ذلك: أن نقصد… أن نفكر في شيء يعني ألا ننساه. إن التفكير يعني هنا التذكر Andenken، الذكر Gedenken.”
ومن ثمة تنكشف القرابة ما بين الإبداع الفني عموما والإبداع الشعري خاصة، فإذا كانت ماهية الشعر تتأسس في الفكر، فإن “كل تفكير تأملي يكون شعريا، وكل شعر بدوره يكون نوعا من التفكير.” وإذا كان التفكير بوصفه نثرا وغير قابل للنظم فإنه مع ذلك قول أصيل وتلفظ باللغة، لذلك “يجب أن يبقى قريبا من الشعر” ومعنى ذلك فإن قربه من الشعر لا يعني سوى انتمائه إلى الذاكرة التي يَنبع منها الشعر، والانتماء إلى الذاكرة هو ضرب من إبداع العالم، وإنقاذه من الابتذال والرداءة. 
في التجربة الشعرية كما في تجربة الفكر تنكشف كيفية مغايرة لا تقودنا نحو التماثل بقدر ما تقودنا إلى اختبار إمكانياتنا في إبداع العالم وإعادة خلقه، وهذه الإمكانية لا تنكشف سوى للشاعر والمفكر. فالشاعر كما المفكر يضع إرادته في اللغة. وبذلك تكون التّجْربة الشعرية أو الفلسفية _ بانتمائها إلى الذاكرة_ ممكنة. وعندها تنفتح اللغة على الإنسان، وتمنحه ذاتها على نحو يصير فيه الشعر والفكر تحريرا للكلام من الرأي ومن كل معرفة جاهزة، في الشعر يغترب الكلام عن ذاته، وفي الفكر تغدو الحقيقة ليست هي ما يطابق المعرفة، وإنما ما يقض مضجع اليقين، في تجربة الشعر نعثر على التيه، وفي تجربة الفكر نعثر على المجهول. وكلا التجربتين تظلان مفتوحتين على العدم.
يعتقد “هيدغر” أن الشعر وحده ينتمي لنفس نظام الفلسفة والفكر الفلسفي. غير أن الإبداع الشعري والفكر الفلسفي ليسا متماثلين بالرغم من ذلك. أما العلم فلا ينتمي إلى هذا النظام، ذلك لأن الحديث عن العدم le neant يظل دوما عبثيا ومحالا. بالمقابل فالفيلسوف والشاعر بإمكانهما القيام بذلك. وهذا ليس راجعا إلى ضعف صرامة، بمعنى عام، يتسم بها الشعر’ بل إلى روح جوهرية سامية تسود في الشعر (الأصيل والعظيم) بالعلاقة مع كل ما هو علم.
بفضل هذا السمو يتحدث الشاعر دوما كما لو كان الموجود L’Etant لأول مرة معبرا عنه أو منادى عليه. في إبداع الشاعر كما في فكر المفكر ثمة فضاءات شاسعة مهيأة، بحيث يكون فيها كل شيء خاص كالشجرة والجبل والبيت وصوت الطائر، فاقدا بصفة كلية لطبعه اللامبالي والاعتيادي. يظل الكلام الحقيقي الموسوم بالعدم دوما غير اعتيادي، متمردا على كل نزعة مبتذلة “Vulgarisation”،بل إنه سيتلاشى إذا ما أخضعناه لصلابة عقل منطقي فحسب. وبالتالي فالقول الموسوم بالعدم لا يمكن قط أن يبدأ بشكلٍ مُباشرٍ كما هو الشأن بالنسبة لوصْفِ لَوْحةٍ ما.
إذن فالشعر والفكر معا يفتحان أفقا مغايرا للتجربة الإنسانية بما هي تجربة جوانية تكشف عن ذاكرة وجود منخور بالفقدان. لكن ما هي التجربة الجوانية؟
وتعني التجربة الجوانية “L’expérience intérieur” حسب “جورج باطاي” ما يمكن تسميته عادة: التجربة الصوفية expérience Mystique أي حالة من حالات النشوة القصوى Les états d’extase’والافتتان والأحاسيس المتأمل فيها، غير أن باطاي يتحفظ من كلمة صوفية، لأنه يفكر في التجربة الجوانية باعتبارها تجربة عري، متحررة من الروابط ومن الأصل الذي يقيدها بالعقائد. ولهذا فهو لا يحب التحديدات الضيقة. ويرى بأن التجربة الجوانية تجيب عن الضرورة التي يوجد فيها الإنسان والوجود الإنساني والتي تقتضي مساءلة أي شيء من غير هدنة، باطاي يرغب في أن تقود التجربة إلى حيث تمضي وليس إلى غايات معطاة سلفا. والأكثر من ذلك فهي لا تقود إلى ملجإ أمين (بل إلى موضع للتيه للامعنى). أما مبدأ التجربة فهو اللامعرفة le non –savoir الذي يظل قائما. ليست التجربة فائقة الوصف، غير أنها فيما يتعلق بأسئلة المعرفة تخفي عن الروح الأجوبة التي ما تزال تحفتظ بها. فهي لا تكشف شيئا ولا يمكنها أن تؤسس لأية عقيدة قط لا يمكن للتجربة الجوانية أن يكون لها مبدأ في الدوغما (الموقف الأخلاقي)، ولا في العلم (ليس للمعرفة غاية أو مبدأ) ولا في البحث عن حالات إغناء (الموقف الجمالي التجريبي)، ولا يمكن أن يكون لها هم souci أو غاية fin سوى ذاتها. ومن ثمة فهي بمثابة سفر يبلغ أقصى حدود إمكانيات الإنسان. ويَفترض هذا السفر إنكار السلط والقيم الوجودية التي تحد الممكن le possible. بمجرد ما تسلب التجربة القيم والسلط الأخرى، فإنها تغدو هي ذاتها القيمة والسلطة بكيفية موضوعية. 


يعني الذهاب إلى أقصى حد، بأن الحد الذي هو المعرفة بوصفه غاية قد غدا مخترقا. لقد قاد تطور العقل إلى جفاف الحياة، وبالمقابل إلى ضيق العقل. فقط حين أؤكد هذا المبدأ: “الحياة الجوانية هي ذاتها السلطة”، فإني أتخلص من هذا العجز. فقد قوض العقل السلطة الضرورية للتجربة: من خلال هذا الفصل، يضع الإنسان من جديد إمكانه الخاص، وهو ليس قط ذلك الممكن المحدود، بل هو الممكن الأقصى. ومعنى ذلك أن التجربة الجوانية تؤدي إلى انصهارها الداخل والخارج، الذات والموضوع، فالمجهول L’inconnu باعتباره “موضوعا” يتواصل داخل التجربة مع “ذات” مجردة عن المعرفة.
يمكننا القول مع باطاي بأن القيمة، والسلطة هي النشوة القصوى، فالتجربة الجوانية هي نشوة. وهي تشبه التواصل القائم ضد تقوقع الذات. تبلغ التجربة الشعرية ذروة الإنشاء من خلال اختراق بنية الكلام من جهة، ومن خلال انصهار الذات والموضوع. وتعتبر تجربة محمد المَيموني تجربة جوانية بامتياز لانفتاحها على إمكانيات العدم. في مقطع من قصيدة: “صحيفة يغشاها الظل” يقول محمد الميموني:

“الكلمات مَعْبَر
محفوف بالفِخاخ والكمائن
عَلَيَّ أن أشَيِّد الجسور
بالكلمات وحدها
فليس لي عداها لبنات أو صخورْ
أعي أني أكلم الكلام
أمد جسرًا واصلا
مِني إليَّ ومِني إليكْ
لعلني ألقاك في منتصف الجسر
الذي نبني معا
لبنة فصخرة وطينا متخيرا
مِنْ طمْي المنبع الزلالِ الهامسْ
أعي أني أنا الكلام والصدى
والذات والموضوعْ
والشبحُ الذي يحوسُ، دون جِسم، بيننا
في أم الكلمات
وتوالد التأويلْ.
(العلم الثقافي 12/7/2012 ص5)


في التجربة الجوانية لا ينتصب الكلام كأثر لليقين، أو كسلطة للمعرفة، وإنما معبرا للمجهول، وما بين الذات والموضوع ثمة مسافة مسكونة بالسر، وهو سر يظل متعذرا على المعرفة، لا يقبل الاختزال في معنى قائم ومن ثمة فتجربة الكلام شعريا هي تجربة محفوفة بالفخاخ والكمائن. فقط ثمة وعي بما هو جوهري في هذه التجربة، هو وعي الشاعر بكونه يُكلم الكلام، ووعيه بأنه هو الكلام ذاته والصدى والذات والموضوع والشبح الذي يخترق الكلام.
ماذا يعني أن يكلم الشاعر الكلام؟ ومن هو الشاعر؟ ومَن / ما هو الكلام؟
أن يكلم الشاعر الكلام معناه أن يختبر وعيه في التجربة الجوانية بوصفها تجربة حوارية لا يكون فيها المحَاورُ سوى الكلام ذاته، فيخوض الشاعر تجربة تواصل ضد ذاته، فيخرجها من عزلتها أو من أنويتها ويصيرها منفتحة على الذاكرة التي ينبع منها الكلام، ثمة شيء آخر في هذه التجربة هو كونها تضع رغبتها في الكلام، فهي من تكلم الكلام، والكلام يتكلم من خلال هذه الرغبة، فيغدو منقادا للذات الراغبة.
إذن يكون جوابنا عن سؤال من هو الشاعر؟ على الكيفية التالية: الشاعر هو من يضع رغبته في الكلام. هو من يخوض تجربة يبتكر من خلالها الكلام ذاته، وبذلك ينفلت الشاعر عن سلطة الكلام بما هو كلام، أي بما هو معطى تداولي يخضع الكائن إلى شرطه النسقي، فتصيرتجربته الجوانية بحد ذاتها سلطة، وهي السلطة التي تصير الكَلامَ متماهيا بذات الشاعر. وهنا لا تصير سلطة الكلام مانحة المعنى، وإنما تصيره معبرا منفتحا على إمكانيات قصوى يتلاشى فيها أي معنى. 
”لأن اللامعنى هو هدف كل معنى ممكن“في هذه التجربة ينصهر المعنى في اللامعنى، فتصير الذات والكلام نفس الشيء. لا وجود لوجود محدود. والإنسان في التجربة لا يتميز عن الآخرين: ففي ذاته يفتقد ما يكون عند الآخرين بمثابة حدود. الأمر بسيط:”أن تكون هذا المحيط“”Soit cet ocèn”، مشدودا بالأقصى وهذا الأمر يصير الإنسان تعددية، يصره صحراء désert.
أن تصير الذات كلاما معناه أن تغدو في التجربة الجوانية متشظية فتبلغ التعددية القصوى، وهي تعددية مولدة للتأويل. أليس التأويل في نهاية الأمر هو فقدان المعنى الأصل؟ أليس هو التشظي الذي يقوض كل تطابق وتماثل مسنود ببداهة المعرفة؟ أليس التأويل هو هروب دائم في مجرى الصيرورة؟ أليس التأويل هو إبداع الذاكرة المعطية للفكر والشعر؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق