عن «الحرّاقة» الذين يبتلعهم البحر / حسن شامي

في بعض بلدان أفريقيا الشمالية، خصوصاً في الجزائر وتونس، شاعت تسمية يطلقها الناس على المتنقلين تسللاً من بلد إلى بلد آخر. إنهم «الحرّاقة» أي حارقو الحدود. يستحسن أن نضع ثلاث نقاط فوق حرف القاف كي يلفظ باللهجة البدوية القريبة من لفظ الجيم بالمصرية، وفق اجتهاد لغوي وكتابي ما زال ينتظر سريان مفعوله. رطانة الكلمة، أي «الحرّاقة» تذكّر بتسمية مشابهة صوتياً ذاع صيتها في أيام حرب التحرير الجزائرية وهي كلمة «فلاّقة» بالقاف البدوية أيضاً.

هناك بالطبع تسمية محايدة ولائقة لما بات، منذ أكثر من عقد من السنين في أقل تقدير، ظاهرة حقيقية تربك بلدان الوجهة والمقصد، أي أوروبا، وهي الهجرة غير الشرعية. جاءت الكارثة البحرية، بالأحرى المجزرة البحرية الناجمة عن غرق مركب يعجّ بمئات المهاجرين «الحرّاقة» قبالة السواحل الليبية والإيطالية لتسلط الضوء على الظاهرة. مات غرقاً أكثر من ألف إنسان من مختلف الأعمار. مراقبو الظاهرة لم ينتظروا كارثة بهذا الحجم كي يعلموا أن البحر المتوسط، والأبيض حتى إشعار آخر، تحول منذ سنوات، وإن بطريقة متقطعة، إلى مقبرة بحرية. حصول مثل هذه المقتلة دورياً يكاد ينمّ بطريقة لا شعورية عن طقوسية بدائية في تقديم قرابين بشرية لآلهة البحر وكائناته. لكنها ليست طقوسية مختارة ومندرجة في ثقافة اجتماعية، بل هي من نوازل القدر القاسي وفقدان الخيارات واللهفة إلى الخلاص من أوضاع وظروف حياتية خانقة.

حرق الحدود يذكّر، من جهة أخرى، بعبارة «حرق المراحل» التي ذاع صيتها هي الأخرى في أدبيات الخمسينات والستينات من القرن الفائت للتدليل على إمكانية الانتقال الإرادوي من زمن تاريخي، اجتماعي وثقافي، إلى زمن آخر أكثر حداثة ومعاصرة، من دون الاستسلام لوصفات التدرّج والتروّي وتأهيل المجتمع تربوياً وأخلاقياً لقبول فكرة الانتقال والتقدّم. قد يكون مفهوماً أن يطغى البعد الأمني، في المعنى العريض للكلمة، في مقاربة معظم الدول الأوروبية لظاهرة «الحراقة». حتى أن بعض المسؤولين الأوروبيين أخذوا يدعون لتدخل عسكري في بلدان تعمّها الفوضى بحيث تحولت إلى أرض سائبة تزدهر فيها شبكات ذات طابع مافيوي لتهريب الراغبين في الهجرة بأي ثمن مقابل مبالغ مالية لا يستهان بها وبطريقة فظيعة تذكّر بفيلم عربي رائع حول مأساة فلسطينيين متنقلين في صهريج شاحنة تلهب الشمس غلافه المعدني عبر الحدود العربية، وهو فيلم «المخدوعون» المقتبس من رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس». وبالفعل خرج الاجتماع الاستثنائي لدول الاتحاد الأوروبي الذي عقد قبل بضعة أيام في بروكسيل، والمخصص لمعالجة المسألة، بقرار ينص على زيادة موازنة عمليات الإنقاذ والمراقبة في عرض البحر ثلاثة أضعاف. بل حتى أن معظم القرارات الصادرة عن المؤتمر الأوروبي جاءت ذات طابع أمني.

من الواضح أن هذه القرارات المثيرة للجدل تعكس حال الارتباك والتخبط حيال ظاهرة تطاول، بدرجات متفاوتة جداً، دول الاتحاد الأوروبي. وغني عن القول إن المشكلة تضع على محك الاختبار منظومة القيم والحقوق الإنسانية المعترف بها أوروبـــياً ودولــياً ومنها حق اللجوء والتنقل. ويأتي هذا في ظل أوضاع اقتصادية صعبة بسبب سياسات التقشف وارتفاع نسبة البطالة وازدياد المخاوف من تراجع الأمن المهني والاجتماعي مما يولد ظروفاً مواتية لصعود التيارات الشعبوية واليمينية المتطرفة ذات التوجه القومي والشوفيني.

في هذا السياق ينبغي أن نضع دعوة الحكومة الإيطالية إلى ضرورة القيام بتحرك أوروبي موحد لمواجهة الهجرة غير الشرعية. وقد توقع وزير الداخلية الإيطالي قدوم أكثر من مئتي ألف مهاجر هذا العام إلى سواحل أوروبا. ويمكن أن يتحول عدد منهم إلى قرابين بحرية في حال جرت عمليات الانتقال وفق الترسيمة المعهودة لدى مهرّبين قساة لا يميزون بين تهريب الأسلحة والمخدرات وتهريب البشر في قوارب بدائية أو قوارب شحن ذات حمولة معينة بحيث ينبغي ألا تحمل أعداداً كبيرة من المهاجرين كما هي الحال في هذه الأيام. وتحسن الطقس يزيد من أخطار الإقدام على ركوب البحر. فقد تحدثت تقارير إعلامية عن تقديرات واقعية لمعدل للهجرة انطلاقاً من ليبيا يبلغ في هذه الأيام ما بين ثلاثمئة وسبعمئة يومياً. وغني عن القول إن معالجة الهجرة غير الشرعية بطريقة أمنية ستكون ضعيفة النتائج. والاقتراح الفرنسي بتدمير قوارب المهربين أو ضبطها واحتجازها بواسطة عمليات بوليسية تحتاج إلى قرار من مجلس الأمن هو أقرب إلى التهديد وعرض العضلات منه إلى حل المشكلة.

والحال أن ظاهرة «الحراقة»، أو الهجرة غير الشرعية، باتت بؤرة تتكثف فيها وتتقاطع دلالات مختلفة لا تقع بالضرورة على مستوى واحد من الدلالة. هناك بالطبع ظروف البؤس والفقر والبطالة والحروب والنزاعات الأهلية والاضطهاد، واستبداد النخب الحاكمة في بعض الحالات، مما يدفع بشبان كثيرين إلى الهجرة إلى أوروبا. ومن مفارقات الأمور ربما أن يكون معظم المهاجرين قادمين من بلدان ومناطق ليست في عداد مناطق النزاع المعهودة في الشرق الأوسط. فهناك نسبة كبيرة من بلدان ما بعد الصحراء والقرن الأقريقي ومن إريتريا وأثيوبيا والسنغال. هناك بالطبع أعداد من السوريين الهاربين من عسف النظام ومن سطوة التنظيمات الجهادية مثل داعش والنصرة وأشباههما. على أن ارتسام أوروبا كوجهة للخلاص يظل وثيق الصلة بتاريخ معقد من العلاقات بين المجتمعات الأفريقية وأوروبا وهو تاريخ يرقى في بعض وجوهه إلى الحقبة الكولونيالية. والأهم من ذلك هو أن حرق الحدود وفق الترسيمة الجارية على نحو مأسوي إنما هو من مفاعيل عولمة تستعرضها يومياً تنقلات رؤوس الأموال وتقنيات التواصل الاجتماعي وشبكات الإنترنت واتصالاتها التي جعلت بعضهم يتفاءل بتحول العالم إلى قرية كونية. لنقل إنها عولمة من تحت. وليس مصادفة أن تنصب الأنظار على ليبيا كمحطة أساسية للهجرة غير الشرعية بالنظر إلى الفوضى العارمة فيها فيما يتزايد وزن التنظيمات الجهادية ذات الطابع العولمي ومنها داعش. أصبحت ليبيا ما بعد القذافي منصة لإطلاق صواريخ أو قذائف بشرية على أوروبا. وهنا تتخذ المسألة بعداً أمنياً في المعنى الضيق والحصري. وهذا ما يخشاه غير مسؤول اوروبي خصوصاً بعد تصريحات لداعش عن إرسال نصف مليون مهاجر إلى أوروبا.

عن جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق