فيلم (الرابعة بتوقيت الفردوس) قصيدة سينمائية عن الموت السوري

يستهل المخرج محمد عبد العزيز فيلمه الجديد ( الرابعة بتوقيت الفردوس- إنتاج المؤسسة العامة للسينما والذي افتتح عرضه منذ يومين ) بلقطات عامة متنوعة لدمشق وشوارعها المترعة بالدشم والحواجز، مع فرش لشخصيات الفيلم وخطوطه التي تبدو متناثرة لا رابط بينها، حيث تنتقل الكاميرا (لقطات عامة وكلوزات) انتقالات سريعة بين الوجوه والأمكنة وصوت الانفجارات ومشاهد العلم السوري الرسمي، لتوحي لنا بأننا في زمن الحرب السورية (الزمن الحالي). للوهلة الأولى يضيع مُشاهد الفيلم بين حكاياته وقصصه المشتتة والكثيرة حتى يبدو وكأننا حيال فيلم سوريالي يتضمن حكايات متراكبة ومتداخلة بلا خط درامي عام يجمعها في تماسك بصري – درامي أي أفلام قصيرة متعددة ضمن فيلم روائي واحد …
ومع انتهاء المشاهد الاستهلالية الطويلة نسبيا، يعود المخرج ليجمع خيوط فيلمه المتعددة في سياق واحد، لينحو الفيلم نحو واقعية مؤلمة مغلفة بغطاء شفاف ينز منه تفاصيل قسوة الحرب التي أرخت بثقلها على الناس، فيفلت مصير الأفراد من سيطرتهم حيث تقود الحرب مسارات ومآلات الشخصيات إلى نهايات مأساوية هي بالضرورة النهايات التي ترسمها الحروب وخاصة الأهلية منها …
بشير الكردي (محمد آل رشي) المعدم ينقل زوجته المريضة (رنا ريشة) في الطنبر (الحنتور) إلى المستشفى بمرافقة والده العجوز وابنه الصغير مع أثاث بيت فقير مكدس على الطنبر وكأنه بيته المتنقل كدلالة على فقدانه بيته… في الطريق يتعب (الحصان) ولا يستطيع متابعة المسير.. فيفكه من الطنبر، وبعد لحظات نرى الحصان يستلقي على الأرض ببطء ويموت في مشهد تراجيدي مؤلم، حيث تتابع الكاميرا موت الحصان، فيما صاحبه يحاول إنهاضه مع توقف الكاميرا لثواني على جسده الأسود الممدد ..
(يكدن) بشير نفسه مكان الحصان ويتابع بجهد بالغ قيادة الطنبر، فيما الألم يتابع غزوه لجسد الزوجة.. ثم نتابع المشهد التالي الزوج يحمل زوجته على ظهره ويسرع إلى المشفى، وابنه وراءه مهر ولا للحاق بهما فيما والد بشير يمكث بانكسار قرب الطنبر..
ترافق مشاهد هذا الخط موسيقى كردية حزينة مؤثرة مع حوار باللغة الكردية بين الشخصيات، فيما التعب يهد جسد الزوج البائس.. في المستشفى تواجه بشير مشكلة تأمين المصاريف الأمر الذي يجعله يبحث عمن يشتري كليته، فيقع ضحية عصابة كلى تعرض عليه مبلغ خمسين ألف ليرة (مائتي دولار) كثمن لكليته، لكن حين يأخذ سلفة ويشتري الدواء للزوجة يحاول التملص من الاتفاق مع مشتري الكلية بعرض بيع الطنبر وإرجاع ثمن الدواء للعصابة، هنا يقوم الشخص المرافق له بطعنه عدة طعنات في نفق للمشاة قرب المشفى…يتخيل بشير وهو في سياق موته حصانه يأتي إليه في النفق فينهض قليلا ويزحف مخرجا الدواء من جيبه …في مشهد متقن مليء بتفاصيل إنسانية مدهشة ..
في مسار آخر نرى مريضة السرطان مع عاشقها السابق قبل زواجها الموسيقي (سامر عمران) الذي اعتقل لعدة سنوات في مشهد شاعري، حيث يتألق العشق السابق عبر عناق حار أقرب لممارسة الجنس، يفاجئ والد المريضة (أسعد فضة) ابنته وهي في هذا المشهد فيشتمها بعبارات بذيئة ويضرب الموسيقي فيلقيه أرضا ويخرج هائجا من المشفى، بينما تنتقل الكاميرا لتنقل لنا دماء الموسيقي على فهمة وهو يقطع الشارع باتجاه بيته ..
نتابع في مسار ثالث قصة الصبية فنانة الباليه (يارا عيد) وملامح عشقها مع ضابط الحاجز (جوان خضر) قرب بيتها والتحضيرات لعرضها (الأفعى والرمان).. بعد لقاء عابر مع الضابط تركب سيارتها وما إن يدور المفتاح حتى تنفجر السيارة، فيركض الضابط صارخا بحالة هياج بحثا عن إسعاف ..في المشفى تحلق روح يارا فنراها في لباس الباليه ترقص فيما الرمان يغطي الأرض حيث تنقل الكاميرا ببطء التحليق الروحاني للفنانة في فضاء مفتوح يناقض الموت الكارثي في الحرب العبثية
بالتوازي نحن أما مسار عميق للموسيقي (سامر عمران) المعارض السابق الذي وشى به صديقه للمخابرات في اعتراف له في بيته بعد أن يعرض عليه العمل معه في تيار سياسي، هنا ينتفض الموسيقي فيتعرى تماما ويضرب الماء بهستيريا بقشاط بنطاله ويدور حول نفسه بشتى الاتجاهات، فيتبعه الصديق الواشي بتعري مماثل ..في مشهد يدل على ذاكرة الموسيقي المتخمة بمشاهد التعذيب أثناء اعتقاله يجسدها بضربه ماء البحر وتعريه التام.. يتصاعد المشهد بصب الوسيكي على البيانو وإشعاله، فنرى وجه الموسيقي يتلامح بين ألسنة اللهب ..في الوقت الذي تصل فيه العاشقة من المستشفى وتقف في الباب تتابع النار وهي تلتهم (البيانو) ويُختم المشهد بجسد الاثنين يطفوان على سطح ماء البحرة بسكون وكأنه موت تراجيدي خارج للتو من نصوص (شكسبير)، مشهد من أجرأ ما قدمته السينما السورية بدلالاته الفكرية والسياسية والجمالية، هذا غير جرأة الممثل (سامر عمران) المتعري بدون حتى ورقة توت… بينما تتابع أفعى كبيرة سيرها في بيت الموسيقي باتجاه (الكبادة) قرب زاوية الحائط، الأفعى تظهر كثيرا في الفيلم، فيما تُلقى (كبادة) ..في البحرة بين العاشقين ..هنا يستخدم المخرج أسطورة كيوبيد (ابن الإلهة فينوس وقد اشتهر دائما بحمله للسهم وبكونه طفل، كان كيوبيد شديد الجمال، وكان سهمه يصيب البشر فيسبب وقوعهم في الحب….) وكان الموسيقي قد علق لوحة طفل مجنح تمثل كيوبيد في غرفة حبيبته في المشفى وحكى لها عنها ورمز الأفعى للدلالة على متاهات المستقبل والأحلام الخائبة الهشة في (ربيع لم يزهر).
وفي مشهد مستوحى من اعتقال بعض الناشطات (عام 2012) في سوق مدحت باشا، نرى أربعة صبايا يلبسن الأبيض كثياب الزفاف) يلتقين في شارع مدحت باشا يخرجن لافتات مكتوب عليها (بيكفي من أجل الإنسان السوري) ..
وبعد قليل نرى الناشطات الأربعة محشورات في المقعد الخلفي لسيارة توحي بأنها سيارة أمن في إشارة غير واضحة تماما على اعتقالهن ..بينما يقوم شاب عاشق لإحدى أولئك الفتيات أو خطيبها بإلقاء الكتب بغضب من رفوف مكتبته مع صراخ (شو بدها تفيد هالكتب ) في إيحاء إلى عدم تأثير الفكر اليساري بالأحداث حيث تركز الكاميرا في بيت الشاب على صورة كبيرة لماركس كخلفية للمشهد مع صور أخرى لكاسترو ..
الفيلم محتشد بخطوط كثيرة تبدو أحيانا حشوا أو استغراقا في التفاصيل لا يخدم الفيلم، بل هي نزعة استطرادية من قبل المخرج لزج كل هواجسه وأفكاره فيه..، فما فائدة خط الرجل مع زوجته الحامل مثلا وهي تطلق في السيارة التي تتعطل وهما في طريقهما إلى المشفى ولقائهم مع والد المريضة المصابة في السرطان وهو يحاول الانتحار قرب سيارته المرسيدس حيث يبدو مسؤول مهم والذي يتراجع عند سماعه صراخ الرجل ويحاول نقلهما بسيارته بعد تردد إلى المشفى؟؟؟ مع تفاصيل عن بقاءه تسع سنوات بلا إنجاب والعلاج والحيوانات المنوية الضعيفة (حوار كوميدي في السيارة)، إضافة لمشاهد الشاب المهاجر مع زوجته وأولاده هربا من الاشتباكات والموت إلى لبنان مع والده العامل على رافعة بناء الرافض للهجرة، حيث يتذكر قرب الحدود أنه نسي جوازه في البيت كإشارة لرغبته بالبقاء في البلد، عكس رغبة الابن الذي لا يرى إلا الخراب والموت.
ولا بد من التوقف عند مشهد الجنس في المشفى بين الموسيقي والمريضة التي يرفض زوجها (السعودي) تطليقها (نرى ذلك عبر حواره مع زوجته من خلال السكايب) فلا يعقل أن يجري المشهد في مشفى عام يمكن لأي شخص دخول الغرفة بشكل مفاجئ؟!!
كما أن محاولة انتحار والدها (أسعد فضة ) والذي تبدو عليه علامات الرفاه غير مقنعه بالمرة والشخصية غير واضحة المعالم أصلا رغم الاشارة المهمة لملف بيده مكتوب عليه اللجنة القضائية العليا …وهناك مشهد لا ندري مدى أهميته في سياق الفيلم وهو مشهد أم راقصة الباليه (انطوانيت نجيب) وهي تذهب لحضور حفل عبد الحليم حافظ في معرض دمشق الدولي، حيث ينبهها الموظف أن عبد الحليم مات والبطاقة التي معها عمرها أكثر من اربعين عاما؟! اللهم إلا الحنين لزمن حافظ الرومانسي كنوع من نوستالجيا ترفض الحاضر ومشهد الموت المعمم.
الفيلم مشغول بصريا بعناية حائك ماهر يطلق العنان لخياله ليصنع ثوبا مزركشا متناغم الألوان ومطرزا بأنامل عاشقة لكن (عجقة) الأفكار تشتت الفيلم دراميا وتجعل أحيانا خطوطه متفرقة وكأنها قصص متراصفة لا يربط بينها سوى المكان (المشفى حيث تصب فيه كل الخطوط) والزمان (زمن الحدث السوري) …

بطاقة الفيلم

إخراج وسيناريو : محمد عبد العزيز- مدير التصوير: وائل عز الدين- الإنتاج: المؤسسة العامة للسينما 2013
الممثلون:
سعد فضة -غفران خضور – محمد آل رشي – نوار يوسف – رنا ريشة – سعيد عبد السلام -سامر عمران – يارا عيد – انطوانيت نجيب – جوان خضر – كنان حميدان -ربا الحلبي – زياد رمضان – مجد فضة – نغم نعيسة – علي القاسم – زهير العمر – ريم عبد العزيز – حسام الشاه – عبد الكريم غميض – مؤيد رومية – محمود الويسي – هلا بدير – مي سليم – علي الماغوط – مصطفى قمر – محمد فاضل وفائي – كريستين شحود – قيس خليل – ريمي سرميني – مغيث صقر – حسن دوبا – نانسي خوري – عوض القدور – كندا حميدان .الطفل سامر عبد الرحمن – الطفلة سالي السيد أحمد – الطفل تيم عبد العزيز

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق