حريق بالتيمور: العنصرية والعدمية / حسن منيمنة

قد يكون متوقعاً، اثر اندلاع أعمال الشغب في مدينة بالتيمور الأميركية، على خلفية حالة جديدة من حالات القتل تعرّض لها شاب أسود على يد الشرطة، أن يجري التعاطي مع القضية من منظور استمرار حضور العنصرية في الولايات المتحدة. فالشعور بالغبن في الأوساط السوداء، وهو المتأصل ابتداءً، تفاقم في الأشهر والسنوات الماضية بعد تكرر قتل رجال الشرطة لشبان من السود، من دون أن يكون المقتولون متلبسين بحمل سلاح أو بتهجم على القوى الأمنية.

إلا أن ما شهدته بالتيمور بعيد كل البعد عن تراث التصدي للتمييز والتفرقة والعنصرية بالوسائل السلمية، وهو النهج الذي أرساه مارتن لوثر كينغ قبل زهاء تصف قرن، وأكثر تطابقاً مع حالات الفوضى والنهب والتدمير التي تشهدها الدول الهزيلة في ساعات أزماتها وانهيار الحكم فيها.

إذا كانت طبيعة المجتمع البشري تقتضي العصبيات الفئوية، الطائفية والقومية وغيرها، فإن التمييز العنصري ترسّخ بوصفه الشكل السائد للعصبية الفئوية في الولايات المتحدة. وعلى رغم انجازات تاريخية في القرن الماضي أزالت كل الأشكال القانونية للعنصرية، بل فرضت نظماً وإجراءات تصحيحية، وإن جاءت نتائج العديد منها ملتبسة، وعلى رغم أن هذا القرن تكلل بانتخاب أول رئيس أميركي من أصول أفريقية، مرتين، فإن الواقع الاجتماعي والثقافي لا يزال مثخناً بالوعي العرقي والتقييم المتفاوت للأعراق والتفرقة العنصرية الصريحة أحياناً قليلة، والمبطنة والمقنّعة غالب الأحيان. ومهما اجتهد الخطاب العلني في التأكيد على مطلق المساواة بين البيض والسود، أي فعلياً بين من له أصول أفريقية ومن هو خالٍ منها، فإن ثمة صوراً نمطية سائدة ووقائع لا يمكن تجاهلها.

فالأسود في تصويره المختزل، من وجهة نظر العديدين ممن يصنفون من البيض، أكثر ميلاً للانفعالية والعنف والكسل، فهو تاجر المخدرات ورجل العصابات، وهو القاتل والمقتول، بل هو مطعون برشده وخلقه. كيف لا، ونصف المساجين في الولايات المتحدة من السود، في حين أن نسبة السود لا تتجاوز الخمس من السكان، أو أن ثلاثة أرباع السود ينشأون خارج إطار الزوجية، أو أن معظم الرجال السود يتعرضون خلال حياتهم لمواجهة ما مع السلطات. هذا كما يشتكي المعترضون، في حين أن عدداً من البرامج قد وضع موضوع التنفيذ لمصلحتهم، لا سيما «العمل الإيجابي» الذي يشترط مشاركة للسود في أي عمل أو مؤسسة مدعومة من الحكومة الاتحادية، وغالب المستفيدين من برامج الدعم للأمهات والأطفال من السود.

وفي حين تتسبب هذه المعطيات بامتعاض متواصل لدى المتحفظين إزاء السود، فإن قلّة متيقظة، من مختلف الأعراق، نبّهت إلى أن هذه الأرقام هي نتائج للعنصرية وليست مبرراً لها، وأشارت إلى ما يمكن اعتباره فخّاً كبيراً نُصب لهذه المجموعة العرقية لا سيما الشبان منها، وإن كان هذا الفخ وليد النيات الحسنة. فبرنامج العمل الإيجابي مثلاً، وإن ساعد بعضهم على تجاوز العقبات البنيوية التي أرساها التاريخ بحقهم وحق مجتمعاتهم، فإنه لطّخ سمعة الجميع. فالناجح أو المبدع الأسود، في الجامعات والشركات والإدارات العامة، متهم، من دون إمكانية إثبات العكس، بأن وصوله إلى مركزه لم يتم بالجدارة والكفاءة، بل بالترقية التحبيذية. والانتقاد يطاول كذلك برامج الدعم الاجتماعي، حيث أنها تفتح أمام الفتاة المراهقة سبيلاً سهلاً للحصول على دخل، على حساب الدراسة والاستقرار العائلي، وذلك من خلال إنجاب الأطفال خارج إطار الزوجية. والكلام هنا ليس إبراءً للجتمعات السوداء في الولايات المتحدة من العلل ومخلفات تاريخ الاسترقاق، بل إشارة إلى الطابع السلبي التوريطي لبرامج أعدّت أساساً لمساعدة هذه المجتمعات.

أما معظم القيادات السوداء في الولايات المتحدة، فترفض هذا النقض للبرامج، وتعتبره كلاماً مموهاً يراد به تجريد المجتمع الأسود من هذه المكتسبات الضئيلة التي تحققت له، وتصرّ على اعتبار الأزمة أزمة ثقافة في الولايات المتحدة ككل، أي أن سبب التمييز هو العنصرية التي لم يتمكن المجتمع الأبيض من تجاوزها.

وإذا كان انتخاب باراك أوباما للرئاسة قد شكل لحظة وعد بارتقاء ومساواة، فهذه اللحظة تبددت. وثمة رأيان يختصران اليوم الموقف إزاء الرئيس في المجموعة العرقية التي يعلن الانتساب إليها. رأي يقبل بهذا الانتساب على قناعة بأن الطاقم السياسي الأبيض برمّته يعمل على إبطال أي نجاح للرئيس من منطلق عنصري، ورأي آخر يعتبر أن هذا الانتساب كان وصولياً، وأن هذا الرئيس ليس عاجزاً فحسب عن تحقيق مصلحة المجتمع الأسود، بل غير راغب في الدفع أساساً.

ومن خلال هذه المقومات الثقافية والمادية، نشأت في الأحياء الداخلية لعديد المدن الأميركية، حيث الغالبية من السود، ثقافة مكتملة الأوجه على خصام ليس مع الآخر الأبيض وحسب، بل مع كل ما هو خارج عنها. وهي ثقافة قائمة على المظلومية ولكن من دون توضيح الأسباب أو سبل التصحيح، حيث غالباً ما يجري توجيه مشاعر العزلة والغبن باتجاه العنف. وقد جذبت هذه الثقافة، لغرابتها وآخريتها، في منتوجها الغنائي وقيمها الجمالية، أوساطاً واسعة خارج المجتمع الأسود، ما شكل دائرة تحقيق ذاتي أخرى لها. فرجل الشرطة فيها هو العدو، وإنسانيته ساقطة، والنظام، من دون تصور لماهيته، هدف للإسقاط.

والملاحظة البديهية هي أن هذه الثقافة النافرة من الولايات المتحدة هي انعكاس في المرآة لثقافة التمييز العنصري المعتَمدة في سائر المجتمع، وإن بخجل. وكما أن ثقافة العنصرية قائمة على خوف وأوهام تتحقق بالممارسة، حيث الأسود المتهم بقابلية أعلى للإجرام يصبح المستهدف بالتضييق والتوقيف، فإن ثقافة المظلومية تنحو نحو العبثية والعدمية. فالمنازل والمؤسسات التي أحرقت في بالتيمور هي في الغالب لسود، ويستفيد منها السود.

ولا يمكن انتظار أن يجترح أول رئيس أميركي أسود المعجزات، فيزيل ارتباكات وتعقيدات تراكمت على مدى القرون. ولكن بمقدوره المباشرة بمعالجة صريحة لموضوع لا يزال مأزوماً بالتكاذب والأوهام. وأمام باراك أوباما قدر قليل من الوقت لتحقيق ذلك.

عن جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق