أيار 1948 ـ 2015: «النكبة» وأمي والبنات اليهوديات / مصطفى الولي ي

كاد العقد السابع من عمر «النكبة» الفلسطينية يصل الى نهاياته، ولم يغادر الفلسطينيون خطاب «النكبة« الذي يرددونه في شهر أيار من كل عام. وبفعل مواظبتهم على استخدام « النكبة» كمفردة تجد رنينها اللفظي، وبريقها الانفعالي العاطفي، صارت هذه الكلمة مصطلحاً أو تكاد. وها هو لفظها بالعربية ينقل إلى اللغات الأخرى ويكتب بحروف تلك اللغات.

لا أعرف من هو أول من استخدم كلمة « نكبة « للإشارة إلى ما حل بالشعب الفلسطيني بعد إعلان دولة إسرائيل. لكنني أظن أن من أطلقها، تترسخ لاحقا في الأدبيات السياسية والثقافية العربية والفلسطينية، لم يكن يستند إلى منهج في التفكير ينطلق من الوقائع الموضوعية، ولا من فهم عقلاني لما جرى. لا شك أن الكلمة» نكبة» تحمل دلالات أخلاقية ذات بعد إنساني، يستجدي التضامن، وينطوي على درجة من الألم يستحث الرحمة والشفقة .

هي نكبة ولا شك. فحين يشرد الغزاة أبناء الأرض الأصليين، ويقتلعونهم من أرضهم، ليقذفوا بهم خارج الحدود، وفي العراء، وهم لا يملكون شيئاً، لاعتماد النسبة الكبرى منهم على الأرض، كمصدر عيش ورزق يوقعون بهم كارثة سياسية واجتماعية وديموغرافية واقتصادية أيضاً. بهذا المعنى لا يمكن وصفها ـ إنسانياً ـ بغير «النكبة».

أما على صعيد الفكر فكلمة «نكبة» لا تجد لها تصريفاً، إن عزلت وجردت عن السياق الواقعي الذي كان يتراكم لحظة بلحظة قبل عقدين من زمن حدوثها على الأقل، أو حتى بعيداً عن التاريخ الطويل للمجتمع الفلسطيني، الذي يتواشج بقوة مع واقع المجتمع العربي. فالنكبة التي حلَت بالفلسطينيين هي ذروة الهزيمة الفلسطينية والعربية في مواجهة مشروع الحركة الصهيونية. وهي هزيمة لا يكفي معها اعتماد عبارة عبد الناصر الشهيرة: «إن الهزيمة في قصر عابدين وليست في عراق المنسية«، لأن جذورها الأبعد والأكثر تأثيرا موجودة في كل عمارة المجتمع، وعلى الصعد كافة. وما الهزيمة على جبهات القتال سوى نتيجة حتمية للهزيمة الكامنة في « جبهات» الحياة المختلفة.

لا أحد ينكر دور الدول الاستعمارية في مد المشروع الصهيوني بالكثير من أسباب النجاح، غير أن ذلك لا يعني أن تلك الدول هي التي أقامت دولة إسرائيل. ما امتلكته الصهيونية من أدوات سياسية واقتصادية وتنظيمية متطورة وحديثة، كان له الدور الحاسم في إقامة دولة إسرائيل وحدوث « النكبة» بعد هزيمة المقاومة الفلسطينية والجيوش العربية.

إلى تلك القاعدة الحديثة، استندت الصهيونية في بناء قوتها البشرية العسكرية، فمن عدد أقل تمكنت من بناء قوة أكبر وأكثر تطوراً في خوض المعارك.

نكبة الفلسطينيين- هزيمتهم، ومعهم الدول العربية، كانت كامنة في المحراث الذي تجره الدواب لحراثة الأرض، قبالة الجرار الزراعي الحديث والحصادة الآلية. وفي السواقي الشحيحة وآبار الجمع، مقابل مشاريع الري والمضخات الضخمة، وفي وسائط الإنارة البدائية، بقناديل تعمل بالزيت والكاز، مقابل شركات الكهرباء التي غطت الكيبوتزات والأحياء اليهودية في القدس وحيفا ويافا.

أيضاً كان العمل والعمال العبريون، منظمين بشكل دقيق، هرمياً وأفقياً، وكانت النقابة» الهستدروت» تنظم القوة العاملة اليهودية، قبالة فراغ في التنظيم العمالي الفلسطيني، الذي تأسس له اتحاد ضعيف في الأربعينات، تم اغتيال أمينه العام ، سامي طه، بتهمة العمالة، لأنه اتخذ موقفاً عقلانيا لم يناسب الزعامة التقليدية للهيئة العربية العليا.

ولم تكن قضية الملكية للأرض في الريف أفضل حالاً، ففي الأراضي الفلسطينية كان الإقطاع و«المرابعة« هما السائدان، وقبالة ذلك كان تنظيم الكيبوتز متقدماً في الييشوف اليهودي، بما يخدم تطور كمية الإنتاج، ويضبط توزيع الثروة، وفق خطة مركزية تشرف عليها المنظمات الصهيونية، التي تخضع كل شيء لخدمة استكمال مقومات بناء الدولة، والتحضير لإعلانها.

سياسياً ، كان لدى الصهيونية أحزاب حديثة، يمينية أو يسارية أو وسطية، منظمة تنظيماً عالياً، تدور بمجملها على محور مركزي واحد «تأسيس الوطن القومي اليهودي في فلسطين»، وكان لدينا أحزاب العائلات، أو المرجعيات الدينية والقبلية والعائلية، لا يجمعها أي مشروع حقيقي، وتغلب عليها صراعات تنافس على المكانة الاعتبارية والاجتماعية.

على المستوى الاجتماعي كانت المرأة اليهودية منخرطة في العمل والإنتاج والسياسة والقتال، وكم سمعت رواية أمي عن النكبة، حين تبدي دهشتها وإعجابها بنساء «اليهود»، وكيف يحملن السلاح ويرتدين البنطال والشورت وهن سافرات، ويعملن بالزراعة والصناعة، وفي نهاية الأسبوع يتمتعن ببحر حيفا مرتديات المايوهات. بينما كانت المرأة الفلسطينية «حرمة» مملوكة للرجل، زوجاً أو أباً أو أخاً، هي وثروتها وعملها وجسدها ومصير حياتها. هي آلة انجاب ليس أكثر. ويكفي إشاعة واحدة تنال من «شرفها» لتزهق روحها من دون أي مانع قانوني.

القصد مما ورد أن نغادر القدرية في فهم ما جرى للشعب الفلسطيني سنة 1948، وأن نسمي الأمور بمسمياتها. فالنكبة- الهزيمة، هي واقع سابق للحظة الهزيمة العسكرية على الجبهات، وكفانا الاستمرار في الاستراحة على «فراش نظرية المؤامرة الاستعمارية» .

ولا أحد يتنكر للبطولات التي أظهرها الفلسطينيون على امتداد أكثر من قرن. لكن البطولة لا تصنع نصراً. وها نحن في نكبة- هزيمة مقيمة.

عن ملحق نوافذ

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق