التّوبة والعصاب الدّيني – مقتطف من “ما وراء الخير والشر” لنيتشه

ظواهر
التّوبة : حيثما ظهر على الأرض العصاب الدّينيّ حتّى الآن، نراه مقرونا
بثلاثة أوامر خطيرة على الصّحة : التّوحّد والصّوم والعفّة. لكن، دون أن
يكون بوسعنا الحسم في أيّ منها سبب وأيّ منها مسبّب، وما إذا كان الأمر
هنا يدور أصلا على علاقة بين سبب ومسبّب. لكنّ ما يبرّر الشكّ الأقصى هو
أنّنا، عند الشّعوب البرّيّة كما عند الشّعوب الأليفة ، نجد من بين أكثر
عوارض ذلك العصاب انتظاما، الشّهوة الأكثر استعارا وفجورا، تلك التي سرعان
ما ما تنقلب إلى نوبة من التّوبة، وإلى سلب للعالم والإرادة. وربّما يمكن
تأويل الظّاهرتين بوصفهما صرعا مقنعا. لكن يجدر بالمرء أن يمتنع هنا
خاصّة عن التّأويلات : فما من طراز تكاثف حوله الخُلف والخرافة، حتّى
الآن، بالغزارة التي نراها هنا، بل ما من طراز أولاه البشر، بمن فيهم
الفلاسفة اهتماما اكبر، حتّى الآن. قد يكون آن الأوان لأن نتحلّى، هنا
بالذّات، بقليل من البرود، لنتعلّم الحذر، أو بالأحرى لنصرف النّظر وننصرف.

لقد
انتصبت في كواليس آخر فلسفة جاءتنا وهي فلسفة شوبنهاور، علامة استفهام
مرعبة، وكأنها المشكلة في ذاتها، علامة الاستفهام تلك التي تسأل عن أزمة
الدّين وإحيائه. كيف يمكن لسلب الإرادة أن يكون؟ يبدو أنّ هذا السّؤال
بالفعل هو الذي جعل من شوبنهاور فيلسوفا، وأوحى إليه بنقطة الانطلاق. ولذا
أدّى سحب شوبنهاور إلى نتيجته المنطقيّة من قبل نصيره الأكثر اقتناعا
(والأخير ربّما، فيما يخصّ ألمانيا)، أعني من قبل ريشارد فاغنر، إلى أن
يختم عمل حياته هنا بالذّات، إذ عرض على خشبة المسرح، وفي النّهاية أيضا،
ذاك الطّراز المفزع والخالد، يعرضه بشحمه ولحمه type vécu في شخصيّة
كوندري*.

هذا في الوقت الذي يجد فيه أطبّاء المجانين في معظم
البلدان الأوروبّيّة خير مناسبة لدراسة هذا الطّراز عن كثب، في كلّ محلّ
يستعدّ فيه العصاب الدّينيّ-أو كما أسمّيه “الحالة الدّينيّة”- لآخر موكب
وآخر تفشّ وبائيّ له، في حلّة “جيش الإنقاذ”.

لكن إن تساءل المرء :
ما الذي يثير أصلا ذلك الاهتمام الشّديد بظاهرة القدّيس جملة، التّساؤل
الذي شمل النّاس، بمن فيهم الفلاسفة، على اختلاف أنواعهم وأزمنتهم؟
فالجواب بلا أدنى ريب : ظاهر الإعجاز الذي يلازمه، أعني التّتالي المباشر
للأضداد، لأحوال نفسيّة تحسب متضادّة أخلاقيّا، ممّا يحمل المرء على
الاعتقاد انّه يلمس هنا لمس اليد أنّ “إنسانا شرّيرا” يتحوّل دفعة واحدة
إلى “قدّيس”، إلى إنسان خيّر. على هذه الصّخرة يتحطّم زورق كلّ
السّيكولوجيا السّابقة : ألم يحصل هذا، بالدّرجة الأولى، لأنّها أسلمت
مقاليد السّلطة إلى الأخلاق، لأنّها آمنت بأضداد القيم الأخلاقيّة، وأقحمت
هذه الأضداد في النّصّ وواقع الحال، لترى وتقرأ فيه، من ثمّ، ما يحلو لها
وتؤوّله على هواها؟ ماذا؟ أتكون “المعجزة” مجرّد خطأ تأويليّ؟ مجرّد قصور
فيلولوجيّ؟

ما وراء الخير والشّرّ : تباشير فلسفة للمستقبل. عن طبعة دار الفارابي 2003، ترجمة جيزيلا فالور حجار

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق