البلاغة والعقيدة (ج2)

- البلاغة والخلفية المذهبية:


لقد اختلفت الموجّهات الفكرية والعقدية عند ابن قتيبة والجاحظ؛ فنجم عن ذلك توجيه البلاغة إلى خدمة أغراض لا تنفصل عن الانشغالات الكلامية والهواجس المذهبية التي استبدت باهتمام الرجلين. وهو ما أدى إلى اصطباغ البحث البلاغي عندهما بالصبغة الإيديولوجية التي نجمت عنها تعارضات بلاغية، تجسدت في مستويات عديدة، أبرزها تسخير البلاغة لحل المعضلات الدينية والعقدية.

3-أ/- البلاغة في خدمة الاعتقاد:


لقد نشأت البلاغة العربية من الصراع بين الفرق الإسلامية حول النص الديني؛ من يمتلك الشرعية التي تتيح له تحديد المعنى المقصود من النص القرآني الذي انطوى على مفارقة بلاغية؛ فهو كتاب هدى وبلاغ للناس. ولذلك يفترض فيه أن يوصل الأوامر الدينية والشرائع الإلهية بطريقة واضحة ومباشرة، لكنه يعدل عن ذلك ليقدم المضامين العقدية والسلوكية بطريقة بلاغية40. وهو ما أحوج المتعاملين معه إلى إعمال الذهن من أجل تحديد المعنى الدقيق لنصوص القرآن عن طريق تأويلها. وقد كان بدهيا أن يختلف هؤلاء في تأويل الآي الكريمات، خاصة المتشابهة منها؛ حيث راح كل فريق ينتحل لنفسه صفة “الراسخين في العلم” التي وردت في القرآن العظيم41. لينتهي الأمر وقد غدت النصوص القرآنية مجالا للخصومة بين الفرق الإسلامية المتنازعة، كل يجد فيها ما يدعم رأيه ويعضد فهمه وتصوره تبعا لأهوائه في السياسة والاعتقاد. يقول ابن قتيبة عن خصومه إنهم “فسروا القرآن بأعجب تفسير يريدون أن يردوه إلى مذاهبهم، ويحملوا التأويل على نحلهم”42. لقد أخضع تأويل النصوص القرآنية للمعتقد السياسي والمذهبي للمؤول؛ مما أفضى إلى تحكيم المعتقد في فهم النص وتفسيره. وقد ترتب عن ذلك أن أصبح كل فريق ينتج بلاغته الموجهة إلى خدمة غايات فكرية ومقاصد إيديولوجية. ولعل أبرز مظهر للتوظيف الإيديولوجي الذي خضعت له البلاغة في مجال العقيدة استغلال الظواهر البلاغية في الدفاع عن النص القرآني ضد من طعنوا عليه بأنه يشتمل على التناقض والاختلاف وفساد النظم.

3-ب/- الدفاع عن النص القرآني:


لقد شكل الدفاع عن النص القرآني هاجسا عقديا ومذهبيا وجه النظر البلاغي عند ابن قتيبة، حيث خصص حيزا مهما من كتابه “تأويل مشكل القرآن” للخوض في جملة من المشكلات العقدية والمذهبية، التي يطرحها “مشكل القرآن”، من زاوية بلاغية، من أجل دفع اعتراضات الملحدين والطاعنين؛ فقد حدد هدفه من تأليف هذا الكتاب بالقول: “وقد اعترض على كتاب الله ملحدون ولغوا فيه، وهجروا، واتبعوا”مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ“بأفهام كليلة، وأبصار عليلة، ونظر مدخول؛ فحرفوا الكلام عن مواضعه، وعدلوه عن سبيله. قد قضوا عليه بالتناقض والاستحالة في اللغة وفساد النظم والاختلاف، وأدلوا في ذلك بعلل ربما أمالت الضعيف الغمر، واعترضت بالشبهة في القلوب […] فأحببت أن أنضح عن كتاب الله43” .

 وقد توسل ابن قتيبة بتأويل النصوص من أجل دفع تهم الطاعنين على القرآن بالتناقض والاختلاف، مدخله إلى ذلك “المجاز” الذي يرتفع عنده إلى مستوى الضرورة التعبيرية التي لا محيص عنها للمتكلم. يقول: “وأما الطاعنون على القرآن بالمجاز فإنهم زعموا أنه كذب؛ لأن الجدار لا يريد، والقرية لا تسأل، وهذا من أشنع جهالاتهم، وأدلها على سوء نظرهم، وقلة أفهامهم، ولو كان المجاز كذبا، وكل فعل ينسب إلى غير الإنسان باطلا، كان أكثر كلامنا فاسدا؛ لأنا نقول: نبت البقل، وطالت الشجرة، وأينعت الثمرة، وقام الجبل، ورخص السعر. ونقول كان الفعل منك في وقت كذا وكذا، والفعل لم يكن وإنما كون، ونقول: كان الله، وكان بمعنى حدث، والله عز وجل قبل كل شيء بلا غاية، لم يحدث فيكون بعد أن لم يكن44” .

لقد مثل الدفاع عن نصوص القرآن استنادا إلى الأدوات التي توفرها البلاغة قاسما مشتركا بين كثير من الفرق الكلامية والطوائف المذهبية، فلم يكن هذا النهج خاصا بأهل السنة وحدهم، بل سبقهم المعتزلة إلى ذلك؛ إذ وظف الجاحظ مقولات البلاغة من أجل رد شبه من يطعن على القرآن بأنه اشتمل على المتناقض والمختلف ليتخذ من ذلك مدخلا للتشكيك في عربيته وبلاغته. فقد ذكر الجاحظ، في مؤلفه “رسالة في خلق القرآن”، بعض ما أنجزه في كتابه “نظم القرآن” فقال: “فكتبت لك كتابا أجهدت فيه نفسي، وبلغت منه أقصى ما يمكن مثلي في الاحتجاج للقرآن، والرد على كل طعان: فلم أدع فيه مسألة لرافضي، ولا لحديثي، ولا لحشوي، ولا لكافر مباد، ولا لمنافق مقموع، ولا لأصحاب النظام، ولمن نجم بعد النظام، ممن يزعم أن القرآن خلق، وليس تأليفه بحجة، وأنه تنزيل وليس ببرهان”45. لقد سخر الجاحظ أدوات البلاغة للرد على الطاعنين في بيان القرآن، حيث أورد عبارات من التوراة والإنجيل والزبور فهمها أهل الكتاب على ظاهرها؛ فقادهم ذلك إلى اعتقادات خاطئة وادعاءات باطلة، ومن هذه العبارات “أن الله قال: إسرائيل بكري و”المسيح قال في الإنجيل: “أنا ذاهب إلى أبي وأبيكم”، فقد أرجع الجاحظ سبب الانحراف الذي أفضى إلى هذه “الأمور العجيبة والمذاهب الشنيعة” إلى جهل أهل الكتاب “بمجازات الكلام وتصاريف اللغات46” .

لقد شكل الدفاع عن النص القرآني مظهرا من مظاهر توظيف البلاغة عند ابن قتيبة والجاحظ على حد سواء؛ من أجل الخروج من مضايق المشكلات العقدية. وقد مثل استغلال المخارج البلاغية من أجل نفي التجسيم الذي يوهمه ظاهر نص القرآن والحديث مظهرا آخر لتعلق البلاغة بقضايا العقيدة فرضه هذه المرة الحرص على تنزيه الخالق عما لا يليق.

3-ج/- البلاغة ومطالب التنزيه: 


 يكشف النظر إلى كتاب “تأويل مشكل القرآن” لابن قتيبة، ورسالة “النابتة” لمعاصره الجاحظ، عن قطيعة بين طائفتين من متلقّي القرآن العظيم؛ فالجاحظ المعتزلي يرى في التعابير التي تصف الله بصفات معتادة في عالم البشر علامات نقص لا تليق بجلال الكمال الإلهي والتنزيه المطلق الواجبين لذاته. ولذلك عمد إلى تأويلها بوصفها “مجازات”. أما ابن قتيبة السني فيحمل التراكيب المجازية على ظاهرها حتى إذا استشعر خطرا من المفارقات المحرجة التي يمكن أن تترتب عن هذا الإجراء عمد هو الآخر إلى التأويل تنزيها لذات الله، وتأكيدا لمفارقتها عالم البشر. وفي مقصد التنزيه، يلتقي ابن قتيبة والجاحظ ثم يتباينان بعد ذلك في الخلفيات الفكرية والمذهبية، التي يصدر عنها كل واحد في فهم التنزيل وتأويله. فقد استنكر ابن قتيبة تأويل المعتزلة للعبارات المجازية في القرآن لمخالفته مطالب التنزيه من منظور أهل السنة؛ مثل تأويلهم لكلام السماء والأرض وجهنم بأنه جار مجرى المجاز. لقد رفض ابن قتيبة هذا المسلك في تأويل آي القرآن ورأى فيه تعسفا والتماسا للمخارج بالحيل الضعيفة. يقول: “وأما تأويلهم في قوله جل وعز للسماء والأرض: (اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) إنه عبارة عن تكوينه لهما، وقوله لجهنم (هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) إنه إخبار عن سعتها، فمما يحوج إلى التعسف والتماس المخارج بالحيل الضعيفة، وما ينفع من وجود ذلك في الآية والآيتين، والمعنى والمعنيين، وسائر ما جاء في كتاب الله عز وجل من هذا الجنس، وفي حديث رسول الله  ممتنع عن مثل هذه التأويلات. وما في نطق جهنم ونطق السماء والأرض من العجب؟ والله ينطق الجلود والأيدي والأرجل، ويسخر الجبال والطير بالتسبيح فقال: (إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ. وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ)، وقال: (يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ)؛ أي سبحن معه47” . 

من الواضح أن ابن قتيبة يجنح إلى إبعاد المجاز عن الآيات التي استشهد بها المعتزلة، وبدلا من تأويلها يعمد إلى حملها على الظاهر حتى تستقيم وعقيدة أهل السنة، التي تؤكد أن كلام السماء والأرض وجهنم حقيقي كما أن كلام الله حقيقي. وفي ذلك مقايضة للمعنى المجازي الذي سبق لابن قتيبة أن اعتبره ضرورة لا محيص عنها للمتكلم 48. وهي مقايضة فرضتها تصورات مذهبية ممثلة في العقيدة السنية التي حكمت ابن قتيبة ووجهته إلى رفض المسلك الاعتزالي في تأويل الآيات؛ لأنهم يرون أن إسناد الكلام إلى السماء أو الأرض أو جهنم إسناد على جهة المجاز وليس الحقيقة مثله في ذلك مثل إسناد الكلام إلى الله الذي يعتبرونه إسنادا مجازيا تساوقا مع اتجاههم العقلاني في التفسير وغايتهم المعلنة في تنزيه الله ونفي الشبيه عنه والنظير49 . ولم يكن أهل السنة يقلون عن المعتزلة حرصا على تنزيه الله وتعظيمه. يقول ابن قتيبة: “ونحن نقول كما قالوا: إن الله  يجل عن أن يكون له صورة أو مثال”50 . ولما كان السنة يلتقون مع المعتزلة في تنزيه الله عن الشبيه والنظير، فقد ترسم ابن قتيبة طريقتهم في تأويل نصوص القرآن؛ حيث جاءت تخريجاته المتصلة بقضية التوحيد ونفي مشابهة الله للبشر موافقة تماما لتأويلات المعتزلة خلا إسناد الكلام إلى الله، الذي اعتبر عند المعتزلة إسنادا مجازيا، في حين اعتبره ابن قتيبة إسنادا حقيقيا؛ لأن أهل السنة يرون أن “القرآن غير مخلوق”51. يكشف هذا الإجراء اقتناع ابن قتيبة بوجوب حمل كلام الله على خلاف المفهوم من ظاهره لإيمانه باستحالة التجسيم والتجسيد في حقه تعالى. لقد لجأ إلى التأويل استجابة لمقررات العقيدة السنية التي تقضي بوجوب تنزيه الله عما لا يليق.

إن لجوء ابن قتيبة السني إلى التأويل من أجل رفع ما قد يتوهم في بعض الآيات تجسيما أو تشبيها مسلك اعتزالي في الأساس، ومن شيوخ المعتزلة تلقفه ابن قتيبة. يقول محمد العمري: “نفترض أن كتاب الجاحظ [نظم القرآن]، أو على الأقل أفكاره العامة، كانت حاضرة عند ابن قتيبة في”تأويل مشكل القرآن“، ومعتمدة فيه. نقول هذا ونحن نتذكر الملابسات الموقعية بين الرجلين، من جهة، وبين علماء المذهبين المعتزلي والسني، من جهة ثانية: الأخذ والمجادلة”52. وآية ذلك ما نجده عند الجاحظ من تأول للآيات التي عرض لها في “نظم القرآن” 53و“آي القرآن”54 ، فضلا عما جاء مبثوثا في كتابه الكبير “الحيوان”؛ حيث عمد إلى تحكيم الدليل العقلي في دلالة القرآن طلبا لتنزيه الخالق بنفي الشبيه عنه. ومن ذلك تأويله “كلمات الله”، في الآية الكريمة (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ)، بالنعم والأعاجيب والصفات. يقول: “والكلمات في هذا الموضع ليس يريد بها القول والكلام المؤلف من الحروف، وإنما يريد النعم والأعاجيب والصفات وما أشبه ذلك” 55. إن الصلة بين تحليلات الجاحظ لعبارات القرآن وثيقة الصلة بالفكر الاعتزالي من حيث احتكامها إلى التأويل العقلي الذي مثل معيارا يستند إليه المعتزلة من أجل التوفيق بين عقيدتهم الاعتزالية وبين نصوص القرآن والحديث التي تخالف الأسس الفكرية العامة للمذهب الاعتزالي. وهو ما يتيح لنا أن نستخلص أن الجاحظ صدر في تحليله البلاغي لنصوص القرآن عن الأسس التي رسخها الفكر الاعتزالي في مجال تفسير العبارات القرآنية الدالة على التشبيه. لقد تناول التصوير البياني في القرآن ليدفع التعريض به، ويثبت الإيمان في نفوس المؤمنين56 . 

لعل التحليل قد أوضح ارتهان النظر البلاغي عند ابن قتيبة والجاحظ، على حد سواء، إلى مقتضيات العقيدة التي تفرض تنزيه الخالق عندما يوهم ظاهر النص عكس ذلك. يقول مصطفى ناصف: “تكمن البذور الأولى لبحث المجاز في معارضة إدراك الألوهية على أساس التشبيه الحسي” 57. ولذلك كان “متشابه القرآن ومشكل الحديث من الأسباب التي حملت المتكلمين من مختلف الفرق على أن يجدوا مخرجا يخلص المقالة العقدية من المزالق التي يمكن أن تسقط فيها؛ فكان”المجاز“الإطار النظري والمنهج العملي الكفيل بأن يجنب المعتقد هوى الإشراك والتشبيه والتجسيد. وهكذا أصبح القول بالمجاز، بالنسبة إلى المعتزلة والسنة على حد سواء، جزءاً من الإيمان، وخطوة في طريق النجاة” 58. وقد نجم عن اعتبار المجاز ضرورة تعبيرية عند الفريقين أن تولدت الحاجة ماسة إلى تأويل النصوص من أجل حل المشكلات العقدية التي تفرضها العبارات المشكلة في متشابه القرآن ومختلف الحديث. فما هي ملامح الممارسة التأويلية عند ابن قتيبة والجاحظ؟ وهل إستراتيجية التأويل عند الرجلين واحدة، أم إنها متباينة لتباين الخلفية الفكرية والعقدية؟

3-د/- التأويل بين مطالب العقل وضوابط النقل:


لعل من أهم النتائج التي يمكن أن يستخلصها الباحث من إمعان النظر في الممارسة التأويلية كما تجسدت عند ابن قتيبة والجاحظ ارتهان الرجلين، رغم اتصال الخصومة بينهما، إلى نفس المبادئ الموجِّهة للتفكير والنظر: الحد من سلطة العقل مقابل سلطة النص. فقد اتسمت أفكار ابن قتيبة بالمحافظة لصدورها عن عقلية نقلية تكشف عنها قراءته لـ“مشكل القرآن” و“مختلف الحديث”؛ حيث يبدو ابن قتيبة في الكتابين جانحا إلى حمل النص الديني على الظاهر. ولذلك يجوز المعنى الحرفي عادلا عن تفصيل القول فيه: “ونحن نسلم للحديث ونحمل الكتاب على ظاهره”59. ولم تكن اجتهادات الجاحظ بعيدة عن هذه الطريقة في التفكير؛ إذ “من المعلوم الثابت، كما استخلص فرج بن رمضان، أن عقلانية الجاحظ إيمانية دينية من جهة، بيانية بالمعنى الجاحظي نفسه للبيان من جهة أخرى، وأنها بحكم هذه الصفة وتلك فإنها […] حدت من مجالات تدخل العقل وطرائق اشتغاله في شتى مجالات الفكر الديني والسياسي والاجتماعي وغيرها، ومن ثم فإن العقل الذي أريد له أن يكون مرجعا وحكما […] محكوم بمرجعية هي: الحق الذي أمر الله تعالى به ورغب فيه وحث عليه. وبفعل هذه المرجعية نفسها، وبحكم ما حدت للعقل من حدود وما وضعت له من أدوار، اختزل العقل في مجرد كونه أداة للاستدلال والحجاج دفاعا وهجوما، في طلب هدف استراتيجي واضح: تبيين الحقيقة المسلم بها مسبقا من طريق الإيمان، عبر الافتنان في قراءة شتى العلامات والآيات وشتى النصوص، وخاصة منها نص الدين ونص الطبيعة (الحيوان) ونص المجتمع الإنساني60” .

لقد تم اختزال العقل في الممارسة الاعتزالية إلى مجرد أداة تقرأ النص الديني وغير الديني قراءة بيانية هدفُها تبين الحكمة وتبيينها؛ لأن الحقيقة محددة سلفا. وهو وضع اقتضى أن ينحصر دور العقل في الدلالة عليها والحجاج دونها61. وعلى هذا الصعيد، يلتقي التصور الاعتزالي بتصور خصومهم من السنة؛ حيث دور العقل عند المعتزلة لا يختلف عن تصور السنة لدور اللفظ الذي يوصل إلى المعنى إلا في الدرجة. ذلك أن الحقيقة، في الممارستين السنية والاعتزالية، معلومة مسبقا؛ لأنها ثاوية في النص، وليس العقل سوى وسيلة تمكن من القبض عليها وإخراجها من الغياب إلى الحضور.

ولما كانت عقلانية الجاحظ إيمانية دينية وبيانية، كما نبه فرج بن رمضان، فقد شكل هذا الملمح باعثا لتقارب واضح بين أطروحاته الاعتزالية ومقررات ابن قتيبة السني. ذلك أن المعرفة ليست نتاج التعقل وإعمال النظر، كما أكد الجاحظ، ولكنها أداة لنصرة الدين ودعم المذهب ما دام المعنى موجودا ومحددا سلفا، ودور العقل لا يزيد، في هذه الحال، عن استبانة الحكمة تأكيدا للشرع وتعضيدا للعقيدة. وبذلك “يكون الجاحظ قد استند إلى الشرع في استخلاص المعرفة، وفوّقه على العقل من حيث أراد تفويق العقل عليه”62 . وإذن، فالمدلولات محددة سلفا ومفضية إلى نفس المعنى؛ إظهار الحكمة. فماذا يبقى للمفكر سنيا كان أو معتزليا؟ لا نظن أن يبقى له سوى تسخير العقل لاستخلاص الحكمة واستبانة المعرفة تحقيقا للمعنى المودع في النص القرآني.

يتحصل مما تقدم أن ابن قتيبة والجاحظ يلتقيان، رغم اتصال الخصومة بينهما، في العقيدة ومنهج التأويل؛ كلاهما يعتقد في الكون مجلى للحكمة، وموضعا للاستبانة. ولا سبيل إلى ذلك ما لم تتساند المعرفة الشرعية والمعرفة العقلية. الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع التعارض الظاهري بين العقل والنقل، لأن التكليف الشرعي والتكليف العقلي ينتهيان إلى نفس النتيجة. يقول نصر حامد أبو زيد: “إذا كان […] أهل السنة والجماعة يخالفون المعتزلة والفلاسفة في الترتيب المعرفي؛ فيقدمون النقل على العقل، ويقدمون التكليف الشرعي على التكليف العقلي، فإن هذا الخلاف، رغم أهميته من حيث مغزاه الاجتماعي والفكري، لم يؤدِّ إلى تغاير في نظرة الجميع إلى اللغة، التي هي أساس التكليف الشرعي وأداته، بوصفها نظاما دالا في النسق المعرفي يرتبط بغيره من الأنظمة الدالة ولا ينفصل عنها، هكذا أكد المعتزلة الحاجة إلى الشرع على أساس أن الشريعة تشير إلى”مقدرات الأحكام ومؤقتات الطاعات التي لا يتطرق إليها عقل ولا يهتدي إليها فكر“(الشهرستاني: الملل والنحل، 1/81). ولا تعارض في النهاية بين العقل والنقل، أو بين المعرفة العقلية والمعرفة الشرعية؛ إذ ليس في القرآن إلا ما يوافق العقل63” .

خلاصة:


لقد وضح أن مباحث البلاغة العربية ارتهن إلى المقتضيات العقدية. وهو ما استخلصه محمد النويري عندما أكد عمق العلاقة القائمة بين النسقين الكلامي والبلاغي. لقد “كانت المفاهيم البلاغية وأنحاء إجرائها محملة بهواجس العقيدة، فهي التي توجه الفكرة وترسم آفاقها حتى بدا لنا أحيانا أن القاعدة البلاغية لم تنشأ إلا بغية فكّ الإشكال العقدي” 64. ولعل التحليل قد كشف أننا أمام أنموذجين فكريين يوظفان مقومات البلاغة توظيفا إيديولوجيا من أجل خدمة الغرض العقدي؛ فالجاحظ المعتزلي يلوذ بالأدوات البلاغية من أجل تأويل العبارات “المشكلة” و“المختلفة” تأويلا يتفق وتصورات فكر المعتزلة لذات الله وصفاته. ومن البديهي أن يتعارض ذلك مع تصورات ابن قتيبة السني، الذي وظف نفس الأدوات البلاغية من أجل تأويل “مشكل القرآن” و“مختلف الحديث” تأويلا يدعم تصورات دينية ومذهبية نقيضة تمثل فكر السنة.

 

 40- عرض ابن قتيبة في “تأويل مشكل القرآن” لمسألة “المفارقة البلاغية” هذه التي لا تبدو عند تدبرها بريئة كما يوحي بذلك ظاهرها. فالقرآن يصف نفسه بأنه “بيان” للناس و“هدى”، فلماذا يأتي “بالمتشابه” الذي أثار الخلاف وأوقع الفتن؟ وقد رد ابن قتيبة هذا “الاعتراض” ردا لطيفا؛ حيث بين وجه الحكمة من ذلك رابطا وجود “المشكل” في القرآن بفكرة الاختبار والابتلاء حتى يتبين المجتهد من المقلد، ويتميز العالم من الجاهل. يقول: “ولو كان القرآن كله ظاهرا مكشوفا حتى يستوي في معرفته العالم والجاهل، لبطل التفاضل بين الناس، وسقطت المحنة، وماتت الخواطر. ومع الحاجة تقع الفكرة والحيلة، ومع الكفاية يقع العجز والبلادة.” – تأويل مشكل القرآن، ص: 86
 41ـ يقول تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) [آل عمران، الآية: 7]. وقد اختلف المفسرون في إمكانية تأويل المتشابه؛ فمن قال بالإمكان اعتبر “الواو” عاطفة واصلة، ومن قال بعدمه اعتبرها استئنافية قاطعة. أما ابن قتيبة فقد صدع برأيه في هذه المسألة بالقول: “ولسنا ممن يزعم أن المتشابه لا يعلمه الراسخون في العلم، وهذا غلط من متأوليه على اللغة والمعنى، ولم ينزل الله شيئا من القرآن إلا لينفع به عباده ويدل به على معنى أراده” (تأويل مشكل القرآن، ص: 98). وكتب في موضع آخر من الكتاب نفسه: “وإن لم يكن للراسخين في العلم حظ في المتشابه إلا أن يقولوا (آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنا) لم يكن للراسخين فضل على المتعلمين بل على جهلة المسلمين؛ لأنهم جميعا يقولون (آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا) – تأويل مشكل القرآن، ص: 100.
42 ـ ابن قتيبة، تأويل مختلف الحديث، ص: 62.
 43ـ ابن قتيبة، تأويل مشكل القرآن، ص: 22.
 ـ نفسه، ص: 44132.
45 – الجاحظ: رسالة في خلق القرآن، ضمن”رسائل الجاحظ“، ج 3، صص: 217 – 218.
46 – الجاحظ: المختار في الرد على النصارى، ص: 73.
 ـ ابن قتيبة، تأويل مشكل القرآن، ص: 47112.
48 ـ نفسه، ص: 132.
49 ـ للوقوف على منهجية المعتزلة في التفسير، راجع الدراسة المرجعية التي أنجزها الباحث نصر حامد أبو زيد: الاتجاه العقلي في التفسير ـ دراسة في قضية المجاز في القرآن عند المعتزلة، المركز الثقافي العربي ـ البيضاء ـ بيروت، ط 4 – 1998.
 ـ ابن قتيبة: تأويل مختلف الحديث، ص: 50198.
51 ـ ألف ابن قتيبة كتابا مستقلا لـ”الرد على القائل بخلق القرآن“لم يصلنا، لكن آراءه في هذه المسألة مبسوطة في كتابيه”الاختلاف في اللفظ“، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1 ـ 1985، ص: 24. وتأويل مختلف الحديث، ص: 23 و185 و235.
 52- محمد العمري، البلاغة العربية: أصولها وامتداداتها، ص: 154.
53 – الجاحظ: الحيوان، ج1، ص:16.
 54ـ ابن النديم: الفهرست، تح: رضا تجدد، د. ت، ص:  211. 
 55ـ الجاحظ: الحيوان، ج 1، ص: 127.
 56- مصطفى ناصف: الصورة الأدبية، ص: 77.
57 – نفسه، ص: 74.
58 – محمد النويري: علم الكلام والنظرية البلاغية عند العرب، ص: 37.
59 ـ ابن قتيبة: تأويل مختلف الحديث، ص: 197.
 60ـ فرج بن رمضان: الأدب العربي القديم ونظرية الأجناس، القصص، ص: 80.
 ـ ومن هنا وصف العقل الذي يستعمله المعتزلة بأنه”عقل مسخر لخدمة الدين، في61 حين أن “العقل” في مفهوم الفلاسفة كلي يجمع عليه العقلاء أيا كانوا.” – علي أومليل: في شرعية الاختلاف، ص: 4.
62 ـ عبد الله البهلول، في بلاغة الخطاب الأدبي، بحث في سياسة القول، ص: 36.
63 ـ نصر حامد أبو زيد، إشكاليات القراءة وآليات التأويل، ص: 56.
 64- محمد النويري: علم الكلام والنظرية البلاغية عند العرب، ص: 417.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق