الحبّ في زمن الفردانية / حسن عبّاس

لا نقع على كتابات لبنانية عن طبيعة العلاقات الغرامية في زمننا الحالي، مع أن معظم الناس، إن لم يكن جميعهم، يتوق إلى عيش هذا النوع من العلاقات. تحوّلات كثيرة طرأت على طبيعة المجتمع اللبناني، أو بعض فئاته، وغيّرت شكل العلاقات الغرامية إلى حد بعيد، ونجد أساسها في تغيّر طبيعة العلاقات الاجتماعية بشكل عام وما نجم عنها من تغيّرات في طبيعة تصوّر الفرد لعلاقته بمحيطه.

ذلك يعود جزئياً إلى رغبة في عدم التفكير في انعكاسات ما يمكن أن نسمّيه بالقلق العام أو اللايقين العام على دقائق حيواتنا الشخصية، ولا سيّما على الأمور الأكثر حميمية فيها.

أما صعوبة الحديث في هذا الموضوع فمردّها إلى غياب فضاء عام لبناني له سمات محددة. فالانطلاق، على سبيل المثل، من معطى نموّ الفردانية في المجتمع اللبناني سيكون منطلقاً واهياً. كذلك الأمر إن انطلقنا من فكرة اللايقين المنتشر حول “القضايا الكبرى” التي تمتلك جاذبية كافية للهيمنة على حياة الأفراد ولإعطائها معنى. فهذان المعطيان قد ينطبقان على فئات هامشية تعيش على هوامش المدن اللبنانية، أي على ما نسمّيه حياة مدينية في لبنان، وهي فضاء لم يُبحث بالجدية الكافية واكتُفي بالتطرق إليه من خلال تعميمات تنطلق من فكرة ثنائية المدينة- الريف.

التغيّرات الكبرى في طبيعة العلاقات الغرامية لحقت بأبناء هذا الهامش المديني بشكل أساسي، وإن كانت بعض سماتها تنطبق جزئياً، وبنسب متفاوتة، على كل اللبنانيين، بحسب نسبة تشابه حيواتهم مع حيوات أفراد هذا الهامش. لذلك، منهجياً، سيكون من الأدقّ تركيز الحديث على الهامش، لأن كلّ محاولة للتوسع تستوجب دراسة اجتماعية دقيقة لا يمكن أن تكتفي بتقنيات الملاحظة وتطبيق بعض الأفكار العالمية على المجتمع المحلّي.

يعيش أبناء الهامش المديني في زمنٍ تراجع فيه تأثير المقدّس في حياتهم الشخصية. المقدّس ليس فقط المقدّس الديني بل الأهمّ هو مقدّس القضايا الكبرى التي كانت تعطي حياتهم معنى في الماضي القريب. يعيشون نوعاً من اللايقين الذي يطال جوانب حياتهم كافة، ومنها العلاقات الغرامية.

أحد تجليات هذا اللايقين هو انتشار الاقتناع بسقوط “أسطورة الحب”، تماماً كما سقطت أساطير القوميات، واللحاق بركب الحداثة وكل الأساطير التي يرتبط تحقيقها بالجماعات، أي بالجهد المشترك. نزعت النزعة الفردانية المغالية، كل السحر المرتبط بفكرة الحب، ولم تستبقِ منه إلا جانبه الغرائزي البدائي، أي الجنس. يمكن العودة بهذا الفصل بين الحب والجنس إلى فترة الحرب الأهلية حين دفع انعدام الأمان الجسدي إلى تفضيل تكثيف العلاقة الغرامية من خلال الجنس على استدامتها غير المضمونة.

على الرغم من ذلك، هذا الميل إلى الاكتفاء بالجنس أو إلى الإعلاء من أهمية الجنس على حساب باقي جوانب العلاقة الغرامية، لم ينجح في تحقيق استقرار نفسي لأبناء هذه الهوامش، وهذا يتجلّى في سعيهم الدائم إلى تغيير الشريك الجنسي وما فيه من بحث مستمر عن شيء ما مجهول.

مع تغيّر طبيعة العلاقات الاجتماعية، ومع دخول المرأة سوق العمل وتحقيقها استقلاليتها المادية، ومع تأخر سن الزواج، صارت كل علاقة ثنائية تفترض الإجابة عن أسئلة فلسفية إلى حد بعيد. في أساس هذه الأسئلة، السؤال الدائم عن كيفية الجمع بين الاستقلالية والحرية الفردية وبين الحياة المشتركة والالتزامات المتبادلة. وقبلها، هناك الصراع الإنساني الطبيعي في كل نوع من العلاقات الإنسانية: لمَن السلطة؟

يأتي هذا اللايقين في زمن صارت فيه إمكانات التعرف إلى شركاء محتملين، أوسع بكثير، مع ما تتيحه وسائل التواصل الاجتماعي من احتمالات لم تكن متاحة في السابق، ومنها التعرّف إلى أشخاص لم نلتقِ بهم في الحياة الواقعية، أو استكمال التواصل مع شخص التقيناه لمرةٍ واحدة فقط. كثرة الاحتمالات، مع ما في فكرة الاحتمالات من إغراء، تؤدي إلى خلخلة الاقتناع بالشريك أياً يكن، لأن احتمالات الشريك الأنسب صارت لانهائية إلى حد ما.

يضاف إلى ذلك، أن العالم الافتراضي يمتلك إمكانات لاواقعية تساهم في صوغ الواقع. وإذا انطلقنا من الفكرة التي تقول إن الإنسان يبحث في شريكه عمّا يريد هو رؤيته فيه لا عن حقيقته، فإن العالم الافتراضي وما يتيحه من عرض انتقائي للشخصية، أكانت الأنا أم الشريك أم الشريك المحتمل، يتيح لهذه الفكرة أخذ أبعاد جديدة لم تكن متاحة في السابق. فصورة كل شخصية صارت مزيجاً من الواقعي ومن الافتراضي، وقد تتغلب صورتها الافتراضية على صورتها الواقعية كون الافتراضي يولّد انفعالات مثله مثل الواقعي، فنرى شخصيةً ما جميلة ومغرية، لأنها هكذا تقدّم نفسها في العالم الافتراضي، حتى ولو لم تكن هكذا في الواقع، ونراها عاقلة وذكية ومحاورة جيدة لأنها هكذا في العالم الافتراضي…

لكن، على الرغم من هذه “الفوضى” كلها، فإن فكرة الفردانية المطلقة هي فكرة زائفة. ففي الحقيقة نحن غير قادرين على العيش كأفراد. وإذا كنّا غير قادرين أيضاً على العيش في جماعات، فإننا نحتاج إلى بناء جماعة صغيرة نعيش فيها، وأكثر أشكال هذه الجماعات الصغيرة ثباتاً، هي العلاقة الغرامية. هكذا يصير الشريك بديلاً من المجتمع الذي انفصلنا عنه وعن قضاياه الكبرى، ويصير شرطاً لإعطاء معنى ما لحياتنا.

في دراسة له عن شكل الحب في المجتمعات الغربية التي تزدهر فيها النزعة الفردانية، اعتبر لوك فيري أن تصوّراتنا للمقدّس أدت إلى واقع مفاده أن الوحيدين الذين نمتلك الاستعداد لتعريض أنفسنا للخطر أو الموت من أجلهم، هم مَن نحبهم. ففي رأيه، الحب هو المبدأ الذي يعطي معنى لحياتنا.

عن ملحق النهار

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق