«ريش» وأخواتها.. نهاية محتمة تحت وطأة الأحذية اللامعة حمدي رزق ث

مة فارق كبير بين أن تكون مثقفاً يعترف بك الوسط الثقافي المصري، وبين أن تعتقد أنت أنك مثقف، حتى لو كان لك منجز ثقافي كبير. هذه عقيدة وإشكالية قديمة أيضا في الوسط الثقافي المصري. وفارق كبير أيضا بين أن تجلس أنت ومجموعتك المثقفة في مقهى أي مقهى من المقاهي التي تملأ شوارع القاهرة وحاراتها وأحياءها الراقية والمتوسطة والشعبية والعشوائية، وبين أن تتخير لمجلسك هذا مقهى معيناً وتتخذ منه مقراً لـ»ندوتك الثقافية» هذه.. إن جاز التعبير.

المقهى الثقافي في مصر يتباين كثيراً عن نظيره في بيروت أو دمشق أو بغداد الحواضر الثقافية العربية العتيقة يتشابه وإياها فقط في فكرة التفاف أعداد كبيرة من المثقفين على مناضده، لكن «الوظيفة» أو «الدور»يختلفان. في مصر وحدها على ما يبدو، تحديداً في حاضرتها العتيقة «القاهرة»، يتم تعميد المثقف في المقهى، أو بتعبير أدق كان ذلك يحدث حتى وقت ليس ببعيد.

فقبل ما يدنو من عشر سنوات ليس إلا لم تكن تستطيع أن تدعي لنفسك «صفة المثقف» من دون أن تنخرط لشهور على الأقل في مجالس المثقفين على مقاهي «وسط البلد»، وتصبح لك مجموعة شلة، كما يسميها المصريون- ربما تكون متوسط القدر في ما تكتب، سواء أكان شعراً أو نثراً، قصائد فصحى أو عامية، قصصاً أو روايات، مسرحيات أو مسلسلات متلفزة أو أشرطة سينمائية، أدباً أو نقداً، لكنك يقيناً ستجد مكاناً في هذه السوق «العكاظية» التي كانت تنصب ليلاً بانتظام، لا تتخلف ليلة واحدة، على مقاهي وسط البلد.

والمثقف فيها يتبضع «عضوية الحركة الثقافية»، ذلك الاصطلاح الغامض إلى حد ما، والذي ظل قيد التداول على الألسنة حتى تبخر مع الأيام. تلك الثنائية المثقف والمقهى أو الفرد والمكان، كانت هى مناط الاعتماد الرئيسي للمثقف المصري إلى ما قبل عصر «الفيس بوك» و»تويتر« وغيرهما من مواقع التواصل الاجتماعي، تلك التي صارت البدائل الواقعية واليسيرة والسريعة للمقاهي، وفيها من الحرية في القول والاعتقاد ما كانت تمنحه المقاهي للمثقفين في الأيام الغابرة.

نقول هذا ومقهى «ريش» درة مقاهي المثقفين في مصر، يكاد يندثر، بالمعنى الحقيقي للكلمة، بعد تاريخ زاد على القرن الكامل بأربع سنوات، (أنشئ مقهى ريش في العام 1911) ولعله المقهى الوحيد في مصر الذي ربما لا تحتاج إلى أن تطيل في تعريف القارئ العربي به، فهو هذا الذي يقع في شارع طلعت حرب (سليمان باشا سابقاً) الشارع الرئيسي بوسط المدينة، محتلاً ناصية من أجمل نواصيه، بطرازه الفريد وأناقته في الشكل والمضمون.

ربما تتباين صورة المثقفين أنفسهم من جلوس هذا المكان عن المكان ذاته، فهو بالغ الأناقة، وكأنه مجعول للقاء الصفوة، فيما معظم من يجلسون فيه ليسوا سوى صفوة الفكر والرأي والإبداع، وهؤلاء غالبا يكونون من الطبقة الوسطى وربما الفقيرة لا من الطبقات العليا للمجتمع.

مات مجدي عبد الملاك، أو «الملاك الحارس للمقهى التاريخي»، هذا الرجل العجوز الأبيض شديد الانضباط الذي كان يطالعك بوجهه المملوء صحة وقوة وأنت دالف إلى المقهى، فإن كنت ممن يعرفهم يبتسم في وجهك ويتهلل، وإن كنت مجهولاً يطالعك بعبوس شديد. لم يكن أحد يغضب من «عم مجدي» كما كان المثقفون ينادونه، كان من يتردد على «ريش» يعلم مقدماً بصفاته تلك، وكانوا يطمئنون إليها أيضاً، فهى التي تزجر الدخلاء وغير المثقفين عن دخول المقهى «أو الكافيه. كما يقول عنه جلساؤه».

مات العم مجدي، تاركا «كافيه ريش» محل تساؤل خطير ملح: ماذا سيصنع الورثة بما ورثوه؟ بالطبع هم أحرار وهذا شأنهم وتلك تركتهم، لكن المقهى يشكل قطعة حية نابضة شديدة الحيوية للثقافة والمثقفين في مصر. من يضمن أن الورثة لن يبيعوه (ونكرر أنهم أحرار في هذا) وإذا باعوه، فلمن سيكون البيع وكيف سيكون حق الانتفاع بالنسبة للمشتري؟ من الذي يضمن أن «ريش» بكل ما تحمله هذه الكلمة من وزن في الثقافة المصرية، لن يتحول إلى متجر يبيع الملابس أو الأحذية أو إلى مطعم للأغذية الأميركية السريعة؟ (كما حصل لمقهى علي بابا في ميدان التحرير قبل سنوات وكتبنا عنه في حينه)

المثير للدهشة والحزن معاً، هو ذلك الصمت الرهيب الذي يحيط بمقهي «ريش» منذ وفاة مالكه الفولاذي الشخصية مجدي عبد الملاك، البعض يقول إن المقهى لن يباع وأن ورثته أخيار طيبون ومثقفون، والبعض يتوجس خيفة وبقوة من بيعه وتحويله إلى أي مكان يدر الأموال فقط لا غير، لكن لا أحد يقول: فليتم بيعه.. لم يكن له دور ثقافي أصلاً، لا أحد يقوى على هذا الحكي التجاري أبداً.

البعض الثاني المتوجس خيفة، عاكفون على جمع آلاف التوقيعات على مطلب جمعي يرفعونه إلى وزير الثقافة، د.عبد الواحد النبوي، لتحويل «ريش» إلى «محمية ثقافية» مملوكة للدولة، تعمل لخدمة الثقافة ولا تكون مجرد مقهى مهم أو مشهور. برز هذا في كلمات صفوة المثقفين المصريين الذين حضروا تأبين مجدي عبد الملاك في كنيسة العذراء في حي «غاردن سيتى«.، فالمفكر مصطفى الفقى مثله مثل الدكتور صابر عرب وزير الثقافة الأسبق، والكاتب الناصري أحمد الجمال مع طائفة من كبار المثقفين والفنانين ونفر من الشباب الثوريين، جميعا على صيحة رجل واحد، يطلبون تدخلاً ثقافياً رسمياً لحماية هذا الصرح الثقافي.

لافت جداً، أن المعزين لم يغادروا الكنيسة إلا وشكلوا لجنة من كبار المثقفين للسعي لدى الدولة المصرية لتأمين حياة المقهى طويل العمر، ونشط شباب الثوريين في تدشين موقع لحماية المقهى، وجمع توقيعات شعبية وثقافية ومن كل الأعمار للضغط في اتجاه الحفاظ على المقهى كمحمية ثقافية. مجدي عبد الملاك ذاته قبل رحيله طلب ذلك من وزير الثقافة الأسبق د.صابر عرب، قبل عام من اليوم، ثم ترك عرب الوزارة وتولاها الناقد الكبير د.جابر عصفور، الذي لا نعرف ما الذي كان ينويه بشأن ريش، ولم تمهله الأيام، فخرج في التعديلات الوزارية الأخيرة قبل شهرين ليحل محله د. عبد الواحد النبوي. ولا يعلم أحد مصير رغبة مجدي عبد الملاك في أروقة وزارة الثقافة المصرية اليوم.

يخشى المثقفون المصريون على مقهى «ريش» خشيتهم على قطعة من الجسد عزيزة، إذا سقطت سقط الشعور المعتاد بالحياة ذاتها. أن تمشي في شارع «طلعت حرب» فلا تجد «ريش»، إذن اختفى مَعْلَم بالغ الأهمية من معالم الحياة في القاهرة عموماً والحياة الثقافية المصرية على وجه الخصوص، وتلك هى المسألة. صحيح أن قوانين الدولة المصرية تمنع وزارة الثقافة من إدارة أي مقهى أو محل عام (وهي تؤجرها فقط للقطاع الخاص وفق شروط مالية وقانونية وإدارية بعينها)، لكن هل من الممكن تجاوز كل هذا من أجل خاطر «ريش»؟ هذا هو السؤال الحائر، بخاصة أن ورثة «ريش» لا يتكلمون مع وسائل الإعلام حول نواياهم للمكان العتيد.

«تاريخ ريش»

ربما يستغرب من لم يزر «ريش» كل هذه اللوعة التي تعتصر القلوب حول هذا المكان الفريد تدفع المثقفين إلى تحرير بيان للمطالبة بتحويله إلى مزار ثقافي، أو وضعه تحت إشراف الدولة المصرية. لكن الإجابة عن هذا الجانب من الدهشة والتي تبددها تماماً، فكرة أن التاريخ لا يكتب من فراغ. فوراء «ريش» تاريخ من الأدب والفكر والثقافة والفن. بل إن الصور الفوتوغرافية التي على جدرانه وحدها خليقة بأن ينشأ لها متحف صغير، فهي تصور: الأهرام بالجيزة، ميادين القاهرة القديمة، مشاهير الفكر والثقافة والسياسة، الفيضان، فضلا عن لوحات تشكيلية بديعة أهداها للمقهى العتيد كبار الفنانين التشكيليين. من هنا التقى المثقفون المصريون على حبه منذ اللحظات الأولى لإنشائه.

في الماضي البعيد قبل 104 أعوام تحديداً أنشأ هذا المقهى مليونير نمساوي كان يسكن في القاهرة ضمن الجاليات الأجنبية التي غمرت عاصمة مصر في ظل الاحتلال البريطاني (1882 1956). كان هذا النمساوي يحمل اسم «شتينبرغ»، ولسبب ما لا نعرفه باعه بعد ثلاث سنوات فقط إلى رجل أعمال فرنسي يدعي هنري ريسان، وهذا الرجل هو الذي سمى المكان باسم «ريش» على غرار مقهى شهير جداً بباريس لايزال قائماً حتى يومنا هذا. الأغرب أن سنتين فقط مرتا على هذا الحدث ثم باعه ريسان إلى ميشيل بوليدس. التاجر اليوناني الشهير بالقاهرة وقتئذ. وكان بوليدس هذا من هواة الآداب والفنون، فضم إلى المقهى قطعة أرض أنشأ عليها مسرحاً وأحاط المسرح بحديقة رائعة من الزهور، وفي هذه الحديقة كان ثمة «كشك موسيقى»، منذ تلك اللحظة، صار «ريش» محط جلوس الطبقات العليا من المجتمع، لدرجة أن كوكب الشرق أم كلثوم كوكب الغناء العربي، لم تجد غضاضة بأن تحيي فيه أكثر من حفل غنائي، كذلك فعل مطرب شهير من مطربي ذلك الزمان صالح عبد الحي، ووالد قيثارة الغناء العربي ليلى مراد، الملحن والمغني زكي مراد وآخرون.

في العام 1962، باع ورثة بوليدس اليوناني المقهي «ريش» إلى مشترين مصريين ليسافروا إلى اليونان. كان المشتري هو عبد الملاك، ذلك المصري القبطي المولع بالثقافة والفن، ثم ورّثه لأولاده : ميشيل ومجدي ومراد». كان مجدي هو نفسه عم مجدي الذي ذكرناه قبل قليل. وتمسك مجدي عبد الملاك بالمقهي، لم يبعه ولا فرط فيه برغم كثرة العروض التي انهالت عليه لبيعه، وبرغم إغراءاتها المالية. يقال إن سر ارتباك مجدي عبد الملاك الزائد في السنوات الأخيرة، كان إحساسه بأن دور المقهى يتراجع، تغيرت القاهرة كثيراً في سنوات «العولمة»، تغير قلبها النابض بالحياة والثقافة والفن «وسط البلد» أمام طوفان الدولارات واليوروات أيضاً، وصار «ريش» محاصراً بالمحال التجارية من كل جهة. شعر مجدي عبد الملاك باغتراب رهيب في سنواته الأخيرة، ربما رحل مكسور القلب، خائفاً على مصير مقهاه، وإلا لما كان سعى قبل هذا الرحيل إلى تحويله لمزار ثقافي.

كيف لا ينكسر فؤاده وهو يعرف تاريخ «ريش»؟ في هذا المقهى، جلس الشاب الضابط جمال عبد الناصر ورفاقه في تنظيم «الضباط الأحرار» في أواخر الأربعينيات ومطلع الخمسينيات يخططون لثورة 23 يوليو/ تموز 1952، التي أطاحت الملك فاروق من الحكم، وفي هذا المقهى، انعقدت ندوة شيخ الرواية العربية صاحب نوبل الراحل الخالد نجيب محفوظ لسنوات في الستينيات. يقال إنه استوحى روايته الشهيرة «الكرنك» من أجواء هذا المقهى ذاته، وفي «ريش» أيضاً، جلس الرئيس العراقي السابق صدام حسين، وقت أن كان شاباً هارباً من نظام حكم عبد الكريم قاسم في مطلع الستينيات، والشاعر العراقي الكبير الراحل عبد الوهاب البياتي.

وفي «ريش» تعرف الممثل محمد عبد القدوس بزوجته فاطمة اليوسف وتزوجا (وصارت فاطمة هى روزاليوسف بعد ذلك) وتعرّف الشاعر الفاجومي أحمد فؤاد نجم إلى الكاتبة المسرحية الشهيرة «صافي ناز كاظم» التي تزوجها في ما بعد. وتعرف الشاعر الكبير أمل دنقل إلى الكاتبة الصحافية عبلة الرويني التي تزوجها أيضاً بعد ذلك. وفي «ريش» كان مقر المثقفين الغاضبين من سياسات الرئيس الراحل أنور السادات، والذين وقعوا البيان الشهير في العام 1972 المعروف بـ»بيان الغضب» يطالبونه فيه بالحرب (كان هذا قبل أن تبدأ الحرب بنحو تسعة أشهر).

وفي سنوات الرئيس الأسبق حسني مبارك أغلق «ريش» لسنوات في التسعينيات بعد أن تأثر سلباً بزلزال أكتوبر/ تشرين الأول 1992 الشهير، ثم تم فتحه في أواخر التسعينيات، ليخرج منه بيان إدانة «مصادرة رواية «وليمة لأعشاب البحر» للكاتب السوري حيدر حيدر». ثم آل مآله إلى انزواء من نوع ما أمام مقاهٍ أخرى لعبت دوراً ثقافياً في العقدين الماضيين، من بينها ما يلاصقه تماما كمقهى «زهرة البستان»، ومنها ما يبعد عنه أمتاراً مثل كافيه «الغريون».

مقاهٍ للثقافة

تعددت المقاهي التي لعبت دور «ريش» قبل افتتاح «ريش» وبعده منها ما اندثر بالفعل مثل «قهوة ماتاتيا» التي أسسها المهندس الإيطالي الذي كان مسؤولا عن تطوير القاهرة في عهد «الخديو إسماعيل» في العام 1875، تقريباً أسفل عمارة مبهرة شامخة في قلب ميدان العتبة (وسط القاهرة تماما) تحمل اسمه «ماتاتيا». ومن أهم روادها، كان الثائر والمفكر الكبير جمال الدين الأفغاني.

أيضا «غروبي» الذي افتتحه رجل أعمال سويسري اسمه جياكومو غروبي عام 1909 في شارع «عدلي» بوسط القاهرة، وأصبح المحل بعد فترة قصيرة جداً، ملتقى العائلات الارستقراطية والأجنبية الموجودة في مصر، وضباط الجيش الإنجليزي خلال الحرب العالمية الأولى. وفي عام 1924 أنشأ «غروبي» فرعه الثاني في ميدان سليمان باشا – طلعت حرب حالياً – حيث ضم المحل باراً ومطعماً فاخراً وقاعة للرقص! والطريف أن «غروبي» هو أول من أدخل السينما الصيفية إلى مصر، إضافة إلى أنه أول من قدم الحلوى الغربية، والآيس كريم، والكريم شانتييه، وكان من أشهر رواد المحل، أم كلثوم، وأسمهان.

غادر «غروبي» إلى موطنه سويسرا تاركاً ابنه لإدارة المحال. وفي العام 1930 افتتح محل «الأميريكين» بشارع سليمان باشا، عارضاً المشروبات والمأكولات بأسعار أقل من «غروبي»، لكي يكون ملتقى من لا تساعدهم ظروفهم المادية لدخول «غروبي». وبعد سنوات قليلة افتتح الفرع الثاني بشارع 26 يوليو. أما مقهى «الحرية» فإن جدرانه انتصبت على أنقاض منزل الزعيم الوطني العظيم أحمد عرابي بباب اللوق، سمي ذلك الاسم كناية عن دماء الشهداء وأصوات ملايين المصريين الذين نادوا بالحرية. ومن عجب أن ورثة المقهى بلغ عددهم 52 وريثاً! ولايزال المقهى يفوح برائحة التاريخ متمسكاً بملامحه القديمة، حتى إعلانات «البيرة» المكتوبة بالفرنسية مازالت معلقة على جدرانه، لأنه من المقاهي المصرّح لها بتقديم البيرة لزبائنها، ولايزال المقهى مزدحماً بالمثقفين.

ثمة أيضا مقهى «سوق الحميدية» ويقع في شارع الفلكي بباب اللوق (على مسافة ليست بعيدة من «ريش») وتم تدشينه في العام 1960 عقب الوحدة الشاملة بين مصر وسوريا، وافتتح المقهى رجل أعمال سوري ليكون عبارة عن «صالون» يقدم فيه المشروبات المثلجة وجميع أنواع الحلوى والمأكولات السورية للسوريين الموجودين بمصر، وأطلق عليه اسم «صالون» ليتناسب مع النساء والرجال. أما بالنسبة لاختيار اسمه «سوق الحميدية» فهذا الاسم يرجع إلى أكبر سوق في العاصمة السورية. ويقال إن الزعيم جمال عبدالناصر شهد افتتاح المقهى كما جاء في كتاب «مقتنيات وسط البلد» للأديب المصري مكاوي سعيد.. ومن أشهر الصحافيين الذين كانوا يرتادون المقهى عبدالوهاب مطاوع، وعبدالمنعم رخا، ومن الفنانين عادل إمام، سعيد صالح، ويونس شلبي ومحمد نوح.

ولا ننسى مقهى «الندوة الثفافية» الذي افتتح في العام 1962 بجوار مقهى «سوق الحميدية» بباب اللوق ليكون مكاناً لالتقاء الكتاب والأدباء والفنانين. المثير في الأمر أن المقهى التزم بتقاليد صارمة لفترة من الزمن مثل عدم تحية الرجال للسيدات بالتقبيل أو العكس، كما منع منعاً باتاً تناول الطعام بالمقهى. وكان من أهم رواده نجيب محفوظ ووحيد سيف ومحمد الدفراوي. ومقهى «ركس» بشارع عماد الدين بوسط القاهرة والذي أنشأه الخواجة داوود عدس (المليونير اليهودي صاحب المحال التجارية الشهيرة المرفوع عليها اسمه) في العام 1931، فكان أول من اقتنى الكراسي الخشبية من باريس. ومن أشهر رواده نجيب الريحاني واستيفان روستي، والطريف أن عقد بيع المقهى اشترط في أحد بنوده أن تظل معالمه كما هي، وبالفعل ظلت صورة المقهى كما هي لأكثر من 60 عاماً.

المربع الثقافي

لا يقتصر وجود المقاهي الثقافية على ما ذكرنا وحسب، ثمة مقاهٍ أخرى انبثّت في نفس شوارع وسط المدينة، حول «ريش» والمقاهي الشبيهة به، يسميها المثقفون المصريون باسم «المربع الثقافي». ثمة «أتيليه القاهرة»، وهو في حقيقته ملتقى لأعمال الفن التشكيلي وندوات فكرية وثقافية، لكن فيه مجلس صغير لا تزيد مساحته على 50 متراً، يحتسي فيه المثقفون المشروبات الساخنة والباردة. من هذا المقهى الصغير خرجت أبرز المواقف السياسية للمثقفين، من انتفاضة 1977 الشعبية ومشاركتهم فيها، إلى ثورة 25 يناير / كانون الثاني 2011، إلى ثورة 30 يونيو / حزيران 2013، التي أسهموا فيها بقوة. هذا المقهى بالغ التأثير على مجريات الحياة الثقافية في مصر، ولم يظهر إلا في أواسط السبعينيات، لكنه ولد قوياً منذ بدايته.

أما إذا عبرت الشارع الذي يقع فيه «الأتيليه» (شارع كريم الدولة بوسط القاهرة) فإنك تصبح في شارع «قصر النيل» وعلى بعد أمتار قليلة من «غروبي»، تجد نفسك في كافيه «الغريون». هنا تقدم المشروبات كما في «الأتيليه» مضافاً إليها المشروبات الروحية أيضاً. بعض المثقفين لا يرتادون «الغريون» لضيق ذات اليد، فهو مقهى غالٍ في أسعاره، لكن كثيرين منهم يضحون بما في جيوبهم لأجل سهرة أسبوعية واحدة في هذا المكان رفيع المستوى، الذي من اليسير أن تجد فيه نجوم الثقافة المصرية، ويملكه عراقي لا يتكلم إلا نادراً، رويت عنه قصص كثيرة، وهو على استعداد لأن يستمع إليك وأنت تقص عليه هذه القصص ثم لا يقول شيئاً، سوى ابتسامة عابرة..!

أما «زهرة البستان» فهو المقهى الملاصق لـ»ريش» تماما، اختطف زبائن «ريش» لرخص أسعاره، ومعظم جلسائه من الشباب. من السهل جداً في «زهرة البستان» أن تسمع كل ليلة عشر قصائد وعشر قصص قصيرة وفصلين من رواية أو فصلاً من مسرحية. الجميع هنا من المبدعين، يروون ويقصون على بعضهم البعض ما يكتبون؛ أو أن تسمع أغنية تُعزف موسيقاها على عود أو غيتار، فمن السهل أيضاً، أن تجد هنا فنانين يفتشون عن فرصة كمن يفتش عن إبرة في كومة من القش..

هذا هو المربع الثقافي، وتلك هى الحال، هذا كله معرّض للاندثار والتآكل التدريجي إذا سقط «ريش» وبيع، وصار من محال الوجبات الجاهزة.. فهل سيلقى هذا المصير؟ الجواب في علم الغيب، يحاول المثقفون أن يوجدوا نهاية سعيدة للمكان، فهل يُوفقون؟!

عن ملحق نوافذ

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق