ماذا تفعل نساء المخيم في مسرح بيروتي؟ / يوسف بزي

عشرون إمرأة هنا لأداء مسرحية «أنتيغون شاتيلا»(*). سوريات وفلسطينيات سوريات. أعمارهن بين الصبا والكهولة. جميعهن محجبات، لكن لكل واحدة منهن حجابها هي، المختلف قماشاً وشكلاً ولوناً وارتداء عن حجاب الأخريات. وعلى الأرجح، ليس هذا تعمداً مسرحياً، ليست هذه أزياء مسرحية. إنهن هكذا بثيابهن التي يرتدينها في حياتهن قبل أن يأتين إلى المسرح ويصعدن إلى خشبته. إنهن هكذا دوماً في أماكن عيشهن ويومياتهن. ونحن انتبهنا إلى فرادة كل حجاب فقط هذه المرة، أي عندما رأيناهن خارج أمكنتهن، خارج «السينوغرافيا» الواقعية لحيواتهن وبيئتهن. انتقالهن من فضائهن الإجتماعي، إلى الفضاء المسرحي المؤسلب، وأن ينوجدن هكذا بثيابهن و«أحجبتهن»، كمؤديات على المسرح، كـ»بطلات» عرض، وأن نعاين حركة جسد كل واحدة منهن، وجهها، صوتها، نظرتها.. بدا وكأنه كسر مفاجئ لصورة نمطية راسخة فينا وفيهن، صورة وفكرة تماثلهن وذوبانهن في كتلة جماعية واحدة، واستوائهن على سمات واحدة، تحيلهن إلى نسخ متعددة لنموذج واحد. إذ لطالما اعتقدنا أن «الزي الشرعي»، المنتشر طوعاً أو قسراً، يجسّد ـ شكلاً ـ فكرتي خضوع المرأة وغيابها، كتماناً لوجودها وحذفاً لصورتها واسكاتاً لصوتها وتشبيحاً لجسدها. أي، بمعنى آخر، إحالة النساء على المجهولية، على نحو يستحيل تعيين فرادة وجود كل امرأة، كذات وفرد مستقل.

وتقليدياً، ينسحب فعل التحجيب أيضاً على أسمائهن، فلا يجوز تداول أو إشهار أسماء النساء، إلا في حدود شديدة الاحتشام، بل لا تجوز الإشارة المباشرة إلى الإبنة أو الزوجة أو الأخت، فيقول أحدهم للآخر: كيف أحوال «العائلة». من دون تعيين أو تخصيص، تجنباً لاستحضار المخيلة لأي «تجسيد»، أو حضور «أنا مؤنث» بلا ساتر أو حجاب. فأخلاق الحجاب يترتب عليها إخفاء المرأة صورة وصوتاً واسماً.

هكذا تكون النساء المحجبات غفلات، ذائبات في مجهولية الإسم والصوت والوجه والجسد.. ليتحولن إلى كتلة واحدة في صورة نمطية معممة. وعلى الأغلب، فإنهن سرعان ما يصرن يتصرفن على هذا النحو، أي بما يوائم غفلتهن، وبما يرسخ نمطية النظرة إلى «المحجبة».

أن يأتين إلى المسرح، كمؤديات تحت الأضواء وأمام الجمهور، أن يقبلن أنهن عرضة للمشاهدة، فهو فعل يخرجهن فجأة من الغفلة، ويحولهن إلى شخصيات متعددات، إلى أنوات كثيرة. هكذا، من لحظة أن صرن على منصة المسرح، انتبهنا أن لكل واحدة منهن حجابها الخاص، ذوقها الشخصي، لونها المفضل، أناقتها الفردية، مدى جرأة ثوبها في إظهار جسمها أو تدبير اتساق الثوب مع بنيتها (نحافتها أو سمنتها).. إلخ.

صحيح أن الفتيات في المدن العربية (وحتى في طهران) رحن «يتلاعبن» على موجبات الحجاب و»الزي الشرعي»، ويتحايلن بالموضة والماكياج والأثواب، كي يبتكرن حضورهن الشخصي والفردي في الفضاء العام، فيبدون «محجبات صاخبات» (إذا صح التعبير)، إلا أننا هنا مع عرض «أنتيغون شاتيلا»، نعاين نساء الأرياف والضواحي الفقيرة ومناطق العشوائيات والمخيمات، أي اللواتي ينتمين إلى الطبقات الأكثر استضعافاً والأكثر عرضة للخضوع الاجتماعي والأعراف السلوكية الأشد تحفظاً وانغلاقاً، وحيث النساء هن الفئة الاضعف التي تقع عليهن نتائج الإحباط المستدام الذي تعيشه تلك البيئات.

علاوة على ذلك، وفي خضم الثورة السورية وحرب النظام عليها، كانت تلك الأرياف والضواحي والمخيمات بالذات، هي التي تحملت العبء الأكبر لنتائج الحرب والفوضى والقتل والتهجير والمآسي التي لا توصف. وفي قلب تلك المأساة كانت النسوة هن الأكثر عرضة لتحمل أهوال كوارث الحرب. ومنهن أتت نساء «أنتيغون شاتيلا»، ليقفن على الخشبة وتبدأ كل واحدة منهن برواية سيرتها الشخصية، تجربتها المريرة، وليبحن بدواخلهن، بما يفكرن به، بمشاعرهن العادية وعواطفهن وحزنهن ومباهجهن الصغيرة.

إنهن يقمن بذلك من أجل أن ينلن دوراً في مسرحية «أنتيغون» (تراجيديا سوفوكليس) المفترض إنتاجها، أي أن العرض نفسه هو مشروع بحث، وحسب، عن ممثلة محتملة للعب دور شخصية أنتيغون، وممثلات للأدوار الأخرى. هكذا تتحول «أنتيغون» إلى حجة أو حافزاً لكل واحدة منهن أن ينطقن بمكنوناتهن. هكذا، فجأة ما عدن يقلن كما العادة «نحن»، بل صارت كل واحدة تقول»أنا فلانة الفلانية وحكايتي هي..»، راوية سيرة عيشها وتهجيرها وما حلمت به وما أصابها أو أصاب زوجها وأهلها وأبناءها..

رغم قسوة الحكايات وفداحتها، لكن قوة العرض ودراميته وفاعليته ليست متأتية من فحوى حكايتهن، إذ أن ثمة ملايين القصص المشابهة ليرويها السوريون والفلسطينيون، بل هي متأتية من فعل الصعود على الخشبة، من أن فرادة كل حكاية تحقق فردية كل إمرأة، وتمنح كينونتها استقلالها الشخصي، صورتها وصوتها ولهجتها وجسدها ودواخلها.

ليس الحجاب في سوريا، فقط هو ذاك الغطاء على الرأس. يمكننا أن نتحدث عن «الحجاب السياسي» أيضاً، الذي فرضه النظام طوال أربعين سنة على مواطنيه. حجاب فرض الصمت على الأفواه، وعلى لهجات المناطق. وعمم السكوت على الحكايات وكتم الأفكار وضبط الأجساد في «كوريغرافيا» الخضوع. لم يكن هناك سوى لغة جوفاء، أيديولوجية وصماء، في مفردات فقيرة وخشبية يرددها السوريون ويتداولونها كطقس «أبدي». ما من أصوات مفردة ولا لهجات ولا أمزجة شخصية. فقط خواء الشعارات الذي يذوب فيها الملايين ويتحولون إلى جموع غفلة.

مع الثورة وحسب، صرنا نقرأ ونسمع الحكايات ونرى صوراً سورية لا عد لها، صرنا نعرف الأسماء واللهجات والذاكرات المتعددة والتجارب الشخصية. كانت الثورة هي «المسرح» الهائل الذي صعد إليه السوريون وبدأوا يروون، ويصرخون وينفعلون ويبتهجون ويتألمون على مرأى من العالم كله. لقد مزقوا ذاك الحجاب السياسي وتمزق صمت «الأبد» وانهارت جمهورية الخوف. وكنا نراهم حقاً لأول مرة افراداً وناساً لا حد لتنوعهم واختلافاتهم وألوانهم.

نساء «أنتيغون شاتيلا» ما زلن يرتدين حجابهن «الاجتماعي»، لكنهن في فعلهن المسرحي اكتسبن أنفسهن، كينونتهن، أسماءهن، وصوتهن.

(*) عرض في «مسرح المدينة» (بيروت ـ الحمرا) 2 و3 و4 أيار الحالي. إخراج عمر أبو سعدة، اقتباس ودراماتورجيا محمد العطار.

عن ملحق نوافذ

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق