الموت السوري كرافعة للابداع!!

 

“لماذا أقتل الآخرين؟ ولماذا يقتلونني؟ لماذا اكرههم ولماذا يكرهونني؟ ”، هذه الأسئلة وغيرها يطرحها المجند الفرنسي (فردينود باردمو) بطل رواية (رحلة في قلب الليل) للكاتب الفرنسي (فردينود سيلين)، المجند بعد غوصه في الذات الإنسانية واكتشاف عبثية الحرب التي تقوم على القتل والقتل المضاد وانتزاع الحياة من الآخرين، يفر من الجبهة خلال حرب الفرنسيين ضد الألمان (الحرب العالمية الأولى)، كتب سيلين روايته أواسط الثلاثينات من القرن العشرين قبيل الحرب العالمية الثانية مستلهما بعض تفاصيل الحرب العالمية الأولى، بعد أن اكتشف عبثيتها التي سيطرت على جيل أوروبي بأكمله.
شكلت الحروب موضوعا غنيا للإبداع بمختلف أشكاله (رواية- شعر- مسرح- سينما- تشكيل …) وغالبا ما يتجه الإبداع إلى تتبع التفاصيل الإنسانية في سياق الحروب الطاحنة للإنسان وروحه وآثارها المدمرة للمدنية ولمنظومة القيم الاجتماعية والأخلاقية، وعلى عكس السياسة ونظرياتها وتياراتها التي تبرر الحروب بغطاء أيديولوجي، يسعى الفن والأدب عموما لإدانة الحروب عبر رصد مآلاتها النفسية والإنسانية وتتبع مصائر الناس وتحولاتهم في أتون صراعات لا تنتج إلا التوحش والدم وثقافة الموت.
الحرب السورية الدائرة منذ ما يزيد عن أربعة سنوات شكلت مادة غنية للفن والأدب، كلٌ يمتح منها حسب موقفه السياسي والأيديولوجي، رغم الخط العريض الذي يجمع كثير من المبدعين السوريين على تناقض مشاربهم الفكرية والمتمحور على عبثية هذه الحرب ولاجداوها ونتائجها الكارثية على العمران المادي والإنساني، هذا لا ينفي تمترس بعض المبدعين في خندقه السياسي في شكل ارتهان للجهة المناصر لها ومحاولة تسخير فنه وأدبه لخدمة السياسة ولو أثر ذلك على مستوى الفن والإبداع …


في الرواية


شكلت الرواية السورية المجال الإبداعي الأكثر غوصا في تفاصيل الحرب وتجلياتها كونها تبحث باستفاضة حيثيات الحرب وتقصي أسبابها ومصائر البشر وتحولاتهم بعمق ربما أكثر من الفنون والأشكال الأدبية الأخرى، ففي سنة (2014) لوحدها صدرت ثماني عشرة رواية، ست منها هي باكورة أصحابها (محمد العطار – جهينة العوام – راتب شعبو – فخر الدين فياض – غسان الجباعي – سميرة المسالمة)، ناقش أغلبها الحرب السورية، هذه الإندفاعة الروائية حسب الكاتب والروائي نبيل سليمان أربكت اليقين الرائج في حاجة الرواية إلى سنوات التخمر قبل أن تغامر بكتابة الزلزال الذي يعيشه الكاتب، ويستعرض سليمان بعجالة بعض الروايات المتعلق بالحدث السوري: في رواية (مدن اليمام) لابتسام تريسى تتكاثر الإشارات السيرية، ومنها أن الراوية كاتبة، وأهمها هو حضور الناشط نور حلاق في الرواية وهو ابن الكاتبة، وفى رواية خليل صويلح (جنة البرابرة)، وكما في رواياته السابقة، لا يتخفى الكاتب في أي جلباب روائي، فإما أن يحمل الراوي اسم الكاتب، أو يكتفي بضمير المتكلم، من دون أن يتسمّى. وفى رواية (قميص الليل) لسوسن جميل حسن، تكون الراوية حياة كاتبة. وفى رواية سميرة المسالمة (نفق الذل) تعمل الراوية منى صحافية وتتولى رئاسة تحرير جريدة، وتقال بسبب افتتاحية كتبتها بعد الزلزال، كما جرى فعليا للكاتبة التي كانت رئيسة تحرير جريدة تشرين الرسمية. أما راتب شعبو فقد أراد أن تكون الرواية واحدة من سير البلاد، من خلال سيرة ذاتية روائية، لسنوات الكاتب في السجون السورية، بخاصة في سجن تدمر. وهذا ما تلاقيه رواية غسان الجباعى (قهوة الجنرال) بما هي سيرة الكاتب الذي كابد ما كابد أعوامًا في المعتقلات السورية….)، وتعالج ريم الجرف في روايتها (يومًا ما) الهجرة إلى المنافي نتيجة العنف والموت فهي تستيقظ كل يوم لتسأل عن جار لها أو صديقة أو ابن ضيعتها ليأتيها الجواب: لقد هاجر وركب البحر، متجها بمغامرة لا يعرف مصيرها ونتائجها نحو السويد، وتستلهم الروائية جهينة العوام في رواية (تحت سرة القمر) مفردات الحرب في لغتها الروائية، في هذه اللغة – حسب نبيل سليمان- تقوم مناورات الحروب العاطفية وتنفجر القنابل الفراغية من الحب والقنابل الانشطارية من أنصاف حياة، وتقصف منصات البغاء الصاروخية، وأتباع الحب وحدهم من يملكون دروعاً مضادة للحرب، ويتقصى خالد خليفة في رواية (لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة) تاريخ مدينة حلب الحديث، الذي يشكل انقلاب (البعث) سنة 1963 المنطلق نحو الماضي والمستقبل فيه، وكيف أسهم ذاك الانقلاب في تشويه معالم المدينة ونسف بناها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وخلف شروخا عميقة بين الناس الذين انقسموا بين مؤيد خائف من إرهاب السلطة الجديدة، وآخر معارض زج به في غياهب السجون، فالرواية تحاول معرفة الأسباب العميقة للحرب الجارية الآن.
ويتابع الروائي عبد الله مكسور في رواية (عائد إلى حلب) ما بدأه في روايته الأولى (أيام في بابا عمرو سرديته للحرب في سورية، والرواية الأولى تدور أحداثها في حمص وريف حماة، بينما تتركز الثانية في حلب وريف حماة أيضاً والحدود السورية التركية. وفي الروايتين ترافق الكاميرا الراوي الصحافي الذي ما عادت تعنيه الصور التي التقطها في الجزء الأول من حي بابا عمرو وسواه، فما هو أهم ما يعيشه في الجزء الثاني، ابتداءً من الريحانية على الحدود الشمالية، حيث يختطفه الخاطفون الذين يحسبهم يتعقبون من سيشارك في مؤتمر للمعارضة، لكنه يكتشف أنهم عصابة للمتاجرة بالآثار. ومن الريحانية إلى مخيمات اللجوء إلى محطاته التالية، يتابع الصحافي سرد وقائع الصراع المسلح، وهو السرد الذي ينبض بالنقد حيث يقوم الكاتب بتعرية المعارضة المسلحة، ولكن من موقع معارض للنظام حتى النهاية.
وتغطي رواية الروائي فواز حداد (السوريون الأعداء) بشكل أقرب للملحمي حقبة كاملة تمتد من بداية الانقلاب العسكري الذي قاده الرئيس الراحل حافظ الأسد 1970، وحتى اللحظة الراهنة ، يحاول حداد في روايته التحري عن الأسباب التي دفعت السوريين في عام 2011 للخروج (بثورة ) ضد النظام وتحطيم فكرة (الأبد)، والحاكم السرمدي. 
وفي رواية (طبول الحب) تتناول الكاتبة السورية مها حسن، قصة حب عصرية تجري عبر الفيسبوك لتنتقل إلى موضوعها الرئيسي ( الحرب الدائرة في سوريا)، فبطلة الرواية تميل بعواطفها إلى المعارضة السورية وتحمل بشدة على النظام الحاكم لكنها تسعى قبل نهاية الرواية إلى إبراز وجهات النظر الأخرى لتصل مع بعض شخصياتها إلى القول إن مسؤولية ما حدث تقع على الطرفين ولا حل إلا بحوار يؤدي إلى إنهاء القتال والموت، وتموت بطلة الرواية في النهاية أثناء زيارتها لحلب …

في المسرح


الحرب فرضت نفسها بقوة على عروض المسرح، من حيث المواضيع أو الشكل الفني، فأغلب العروض المسرحية استلهمت مناخات الحرب المرعبة ..وأدخل كتاب ومخرجو العروض المسرحية في أعمالهم مفردات هذه الحرب: (الهاون والاشتباكات والحواجز والاعتقال والخطف ودمار المنازل والتشرد والبحث عن مأوى.. ) بعض المخرجين والكتاب نجحوا في الابتعاد عن المباشرة وخلق صيغة فنية راقية تنتصر للإنسان وعواطفه وكينونته.. بينما فشل آخرون في الابتعاد عن الصيغة التقريرية الصحفية في عروضهم واتسمت مسرحياتهم بالتشويش وعدم وضوح الرؤيا وضبابيتها ..فالخوف ومناخ الاستبداد والتطرف أربك الكثير من العروض، فحاول صناعها ممالأة الخطاب الرسمي أو المداورة عليه باللجوء لأسلوب التقية المسرحية بالاعتماد على الإيحاء أو الهروب من تحديد الزمان والمكان، لكي لا يصطاد عسس الثقافة في المياه العكرة ..ومن العروض التي اتكأت على الحرب السورية (إكليل الدم لزيناتي قدسية والتي يدين فيها الحيادية ويدعو لتحديد موقف صريح من الحدث السوري، في حين لامس عرض (الثورة اليوم تؤجل إلى الغد) للأخوين ملص الحدث السورية في بداياته 2011 من خلال تفاعل إنساني وسياسي بين سجان ومعتقل سياسي شارك بالمظاهرات، و(قهوة مرة) لحازم حداد يستعرض فيها حكاية أبو سمعو الذي شردته الحرب ودمرت بيته، كذلك المخرج عروة العربي الذي قدم عرض (عن الحرب وأشياء أخرى) حيث يشرك في الحرب روميو وجولييت عل الحب يقرب بين الأطراف المتنازعة لتجاوز شهوة القتل والثأر، وقدم المخرج مأمون الخطيب عرضين في موسمين: الأول (كلهم أبنائي) ويدين فيه استثمار الحروب وتجارها حيث الربح يأتي على حساب سحق الإنسان، والثاني (نبض) وفيه يعالج آلام الأمهات وهن ينتظرن أخبار الأبناء على الجبهات وتوقهن لرؤيتهن أحياء، فيما أخريات فقدن أبنائهن نتيجة تقطيع الحرب لأوصال العائلات، ويناقش المخرج المهند حيدر في عرضه (حدث في يوم المسرح ) قضية التشرد من خلال امرأة يهدم بيتها فتلجأ إلى المسرح لتسكن فيه، كما يركز الفنان أيمن زيدان في عرضه (دائرة الطباشير) على مآلات الحرب وسحقها للإنسان من خلال قصة ابن الملكة وتنازعها عليه مع خادمتها التي ربته بعد أن أبعدتها الحرب عن عرشها..، أما عرض د. عجاج سليم (هوب هوب) فيستعرض فيها الصعوبات التي تواجه كادر المسرحية كالحواجز والاشتباكات، والصراع بين صناع عرض مسرحي ومتعهد حفلات يريد استثمار العرض باللعب على الاتجاهات السياسية …)، قُدمت على خشبات المسرح السوري خلال الأربع سنوات المنصرمة أكثر من خمسين عرضا أغلبها تناول الحرب السورية مواربة أو صراحة أو جعلها خلفية لحدثه المسرحي وكلها تؤكد على عبثيتها وقسم منها تناول انتشار التطرف دون التطرق للبيئة الاستبدادية المنتجة له …


في السينما


بعض السينمائيين (المعارضين) حاول الغوص في الحرب من خلال أفلام وثائقية أو روائية من هذه الأفلام: (سلم إلى دمشق) لمحمد ملص الذي يناقش موضوعة الحب على وقع التحركات الاحتجاجية، وفيلم (رسائل من اليرموك) لرشيد مشهراوي الذي يروي انشغالات اللاجئين الفلسطينيين في مخيم اليرموك بسؤال الوطن والمنفى، ويرافق فيلم (العودة إلى حمص) لطلال ديركي شابين تحولت نظرتهما من الدفاع عن الحرية وسلمية التظاهرات إلى الانخراط في القتال، كذلك يروي (ماء الفضة) لأسامة محمد التعاون مع مخرجة كردية لإنتاج فيلم عن (الثورة) عبر منتجة مقاطع فيديو من اليوتيوب تتعلق كلها بالصراع والعنف الدائر في سورية.
وفي فيلمه (الرقيب الخالد) يصور زياد كلثوم جزءا من حياته رقيبا في الجيش السوري قبل أن ينشق، بكاميرا هاتف خلوي داخل إحدى الثكنات العسكرية، فيما يعيش بعد الظهر حياة مختلفة كمساعد مخرج في تصوير فيلم (سلم إلى دمشق).
على المقلب الآخر لم يتوقف نشاط المؤسسة العامة للسينما في الداخل السوري وقامت بفورة إنتاجية عبر انجاز العديد من الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة، حيث أنجز المخرج جود سعيد فيلم ( مطر حمص) بعد فيلمه ( بانتظار الخريف) وفيهما يتناول الحرب السورية ومأساتها، وأنجز المخرج باسل الخطيب ثلاثيته السينمائية عن المرأة السورية في زمن الحرب ( مريم والأم وأهل الشمس) حيث يستلهم الخطيب في أفلامه أجواء الحرب وينتصر فيها لإرادة الإنسان في مواجهة قوى العدوان والقهر، كما أنجز المخرج محمد عبد العزيز فيلم (حرائق البنفسج) بعد انتهائه من فيلمه ( الرابعة بتوقيت الفردوس)، وأنجز المخرج عبد اللطيف عبد الحميد فيلمين خلال الأحداث هما العاشق وحب في الحرب حيث يتعرض في فيلمه الأخير لقصة حب بين ضابط على حاجز عسكري وإحدى الموظفات خلال مرورها اليومي من جنب الحاجز….، كما أنتجت المؤسسة العامة للسينما عشرات الأفلام الروائية القصيرة لسينمائيين شباب منها فيلم توتر عالي تأليف سامر محمد إسماعيل وإخراج المهند كلثوم وفيلم ابتسم فأنت تموت تأليف علي وجيه والمخرج وسيم السيد وفيلم الرجل الذي صنع فيلما لمخرجه أحمد إبراهيم الأحمد وسيناريو علي وجيه، وفيلم وليمة مسعود لوضاح الفهد وسما للمهند حيدر …

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق