من أقاصيص الحبّ المثليّ مقتطفات من طوق الحمامة في الألفة والألاف لابن حزم

ابن قزمان وأسلم

“ولقد حدثني أبو السرى عمار بن زياد صاحبنا عمن يثق به، أن الكاتب ابن قزمان امتحن بمحبة أسلم بن عبد العزيز، أخى الحاجب هاشم بن عبد العزيز. وكان أسلم غاية في الجمال، حتى أضجره لما به وأوقعه في أسباب المنية. وكان أسلم كثير الإلمام به والزيارة له ولا علم له بأنه أصل دائه، إلى أن توفي أسفاً ودنفاً. قال المخبر: فأخبرت أسلم بعد وفاته بسبب علته وموته فتأسف وقال: هلا أعلمتني؟ فقلت: ولم؟ قال: كنت والله أزيد في صلته وما أكاد أفارقه، فما علي في ذلك ضرر. وكان أسلم هذا من أهل الأدب البارع والتفين، مع حظ من الفقه وافر، وذا بصارة في الشعر، وله شعر جيد، وله معرفة بالأغاني وتصرفها، وهو صاحب تأليف في طرائق غناء زرياب وأخباره، وهو ديوان عجيب جدا. وكان أحسن الناس خلقاً وخلقا، وهو والد أبي الجعد الذي كان ساكناً بالجانب الغربي من قرطبة”. (باب السلوّ)

ابن الطّنبيّ ومعشوقه

وأما خبر صاحبنا أبي عبد الله محمد بن يحيى بن محمد بن الحسين التميمي، المعروف بابن الطنبي فإنه كان رحمه الله كأنه قد خلق الحسن على مثاله أو خلق من نفس كل من رآه. لم أجد له مثلاً حسناً وجمالا وخلقاً وعفة وتصاوناً وأدباً وفهماً وحلماً ووفاء وسؤدداً وطهارة وكرماً ودماثة وحلاوة ولباقة وإغضاء وعقلا ومروءة وديناً ودراية وحفظاً للقرآن والحديث والنحو واللغة، وشاعراً مفلقاً حسن الخط، وبليغاً مفنناً، مع حظ صالح من الكلام والجدال. وكان من غلمان أبي القاسم عبد الرحمن بن أبي يزيد الأزدي أستاذي في هذا الشأن، وكان بينه وبين أبيه اثنا عشر عاماً في السن، وكنت أنا وهو متقاربين في الأسنان. وكنا أليفين لا نفترق، وخذنين لا يجري الماء بيننا إلا صفاء، إلى أن ألقت الفتنة جرانها (…) ثم ركبنا البحر قاصدين بلنسية عند ظهور أمير المؤمنين المرتضى عبد الرحمن ابن محمد، وساكناه بها. فوجدت ببلنسية أبا شاكر عبد الرحمن بن محمد بن موهب العنبري صديقنا، فنعى إلى أبا عبد الله بن الطنبي وأخبرني بموته رحمه الله ثم أخبرني بعد ذلك بمدينة القاضي أبو الوليد يونس بن محمد المردي وأبو عمر وأحمد ابن محرز، أن أبا بكر المصعب بن عبد الله الأزدي، المعروف بابن الفرضى، حدثهما، وكان والد المصعب هذا قاضي بلنسية أيام أمير المؤمنين المهدي، وكان المصعب لنا صديقاً وأخاً وأليفاً أيام طلبنا الحديث على والده وسائر شيوخ المحدثين بقرطبة قالا : قال لنا المصعب: سألت أبا عبد الله بن الطنبي عن سبب علته، وهو قد نحل وخفيت محاسن وجهه بالضنى فلم يبق إلا عين جوهرها المخبر عن صفاتها السالفة، وصار يكاد أن يطيره النفس، وقرب من الانحناء، والشجا باد على وجهه، ونحن منفردان. فقال لي : نعم : أخبرك أني كنت في باب داري بقديد الشماس في حين دخول علي بن حمود قرطبة، والجيوش واردة عليها من الجهات تتسارب، فرأيت في جملتهم فتى لم أقدر أن للحسن صورة قائمة حتى رأيته، فغلب على عقلي وهام به لبي، فسألت عنه فقيل لي : هذا فلان بن فلان، من سكان جهة كذا، ناحية قاصية عن قرطبة بعيدة المأخذ. فيئست من رؤيته بعد ذلك. ولعمري يا أبا بكر لا فارقني حبه أو يوردني رمسى. فكان كذلك، وأنا أعرف ذلك الفتى وأدريه، وقد رأيته لكني أضربت عن اسمه لأنه قد مات والتقى كلاهما عند الله عز وجل. عفا الله عن الجميع. (من باب الموت)

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق