هل انتهت اللوحة التشكيلية / عزيز أزغاي

في أحد حواراته مع مجلة «لونوفيل أوبسرفاتور» الفرنسية سنة 2012، سئل العالم السيميائي الإيطالي أمبرتو إيكو عن مدى تخوفه من الثورة الرقمية، وارتباط ذلك بالكتاب وصناعته وتداوله على نطاق واسع؟ فكان جواب صاحب «اسم الوردة» كالتالي: «لا أخاف من الرقمية. إن اختراع الطائرة لم يلغ القطار. والتصوير الفوتوغرافي لم يدمر الرسم أو اللوحة (…) لو أردت الاحتفاظ بصورة جدي فلن أبحث، بكل تأكيد، عن رافائييل، بل سأتوجه عند المصور الفوتوغرافي (…) لكن ثمة دوماً أناس يشترون اللوحات الفنية كي يعيشوا في جو ممتع». وارتباطاً بالموضوع نفسه، يشير في جواب آخر من الحوار نفسه أنه «في صحراء الثقافة الظاهرة، ليس كل شيء حزيناً وسوداوياً. إنها قضية نسبية. يقال أن لا أحد يقرأ اليوم، لكن لو ذهبت إلى دور النشر أو الثقافة كدار الفناك، لوجدت أن هناك 400 شاب يقرأون. في فترة شبابي كان هناك أربعة فقط هم الذين يقرأون».

ما نستشفه من جواب إيكو، بخصوص صناعة الكتاب على المستوى الغربي، يكاد ينطبق، بشكل كبير، على واقع اللوحة والعمل الفني بصفة عامة في وقتنا الراهن، مع امتياز، تكاد تختص به اللوحة على غيرها من المنتجات الإبداعية، خاصة في لمستها التجريدية – التي ما زالت تحظى بمكانة المنتوج النخبوي العالِم – وهو أنها، على عكس الكتاب، تتمتع بالفرادة وبخاصية الالتباس، وبقابلية كبيرة لتصريف الغموض ونقله وإشاعة كثير من تجلياته، وهو الغموض الذي قد يُقبل عليه الجمهور العريض، حتى عندما يجد بعض أفراد هذا الجمهور أنفسهم وجهاً لوجه أمام «عائق» الفهم وعدم استيعاب ما تقدمه اللوحة الفنية من معانٍ.

هذا الواقع يؤكده عدد من الشواهد الفنية التي تحتفظ بها ذاكرة المشاهدة حتى اليوم، على الأقل فيما أنتجه فنانو القرن العشرين الغربيون، بدءاً من بيكاسو وخوان ميرو، مروراً بفرانز كلاين، وصولا إلى أنطونيو طابياسوسولاج…، ممن راهنوا على اقتراح إيقاع ووعي صباغيين بصريين يستثمران في الغامض والهش والعابر، وفق تصور يميل إلى التعبير الإشاري أكثر منه إلى البوح الواضح والصريح. والنتيجة أن كل ما أنتجه هؤلاء العباقرة، وغيرهم كثير، احتفظ به تاريخ الفن وهواته ومحبوه باعتباره لحظة إبداع رفيعة، على الرغم من استعصاء الوصول إلى معانيه أو إلى طموحاته الإفهامية. مجرد خطوط وعلامات ولطخات لونية وتكوينات هلامية، كانت تحمل، في طرق صياغتها، سر إدهاشها وفتنتها، الأمر يشبه ـ إلى حد ما ـ غموض رائحة العطر، وارتفاع معاني السوناتات الموسيقية، التي أبدعها عباقرة الموسيقى الغربية الكلاسيكية على وجه التحديد.

هذا الواقع يختلف اختلافا شديدا على ما عاشه ويعيشه العالم العربي، على الأقل في ارتباطه بفن التصوير الصباغي والرسم والتشكيل عامة. فإذا كان الغرب قد حرص على تطوير لوحته الفنيةالصباغية، بدعم من الكنيسة والنبلاء، في الوقت الذي كانت فيه القارة الأوروبية تعيش على هامش الحضارة، فإن العرب، وبحكم إعمالهم – بشكل متطرف أحيانا وساذج أحيانا أخرى – لسلطة تأويل النصوص المؤسسة لوجدانهم الروحي، لم يولوا هذا الجانب ما يستحق من اهتمام، إما بخلفية «الترفع» عن التشبه بالخالق صانع الكائنات، كما كان يفسر ذلك علماء المسلمين من العرب، أو أن تعاطي الفنون يقتضي – حسب ابن خلدون ـ «اكتمال العمران الحضري وكثرته، ما دام الناس، وما لم تستوف العمران الحضري وتتمدن المدينة، إنما همهم الضروري من المعاش، وهو تحصيل الأقوات من الحنطة وغيرها». كما أن «الصنائع والعلوم هي للإنسان من حيث فكره الذي يتميز به عن الحيوانات، والقوت له من حيث الحيوانية والغذائية؛ فهو مقدَّم لضرورة على العلوم والصنائع، وهي متأخرة عن الضروري. ذلك أنه على مقدار عمران البلد تكون جودة الصانع للتأنق فيها حينئذ، واستجادة ما يطلب منها بحيث تتوفر دواعي الترف والثروة». والنتيجة أن علاقتنا باللوحة ـ في انتظار الوعي بقيمة الفنون وتحقيق الرفاه – بقيت على الهامش، ولم يتم الانتباه إلى هذا الثقب المعيب في وجداننا وفي ثقافتنا البصرية إلا في مرحلة متأخرة، حينما أصبحنا خاضعين لاستعمار الغرب، خلال القرنين التاسع عشر والعشرين.

ثقافة الآخر

من هنا تتبدى علاقة نخبتنا (وليس العامة) بالفنون التشكيلية عامة وباللوحة الصباغية، في بعدها التجريدي تحديداً، باعتبارها علاقة لم تتخط بعد عتبة التمثل الساذج والاستيعاب الحذر، وفي أحسن الأحوال لا ترقى إلى مستوى الانطباع الإيجابي الذي قد يتجاوز مرحلة التردد الجاهل لأن هناك ممن ما زال ينظر إليها، بسبب تأخر بل غياب ثقافة بصرية تعليمية، بغير قليل من السخرية التي قد تصل حد النفور، مما ينم عن عسر في الاستيعاب وفراغ في التأقلم.

فما قد يصدق، افتراضاً، على واقع اللوحة لدى الغرب، لا ينسحب، بهذا القدر أو ذاك، على واقعنا العربي، على اعتبار أننا ما زلنا في طور التأسيس لقيم جمالية قد تقودنا، ليس إلى تحقيق إشباعنا العاطفي والوجداني وتطوير وعينا البصري وحسب، وإنما أيضا وأساسا إلى التدشين لمصالحة تاريخية مع اللوحة ومع الفنون عامة، مع ما يتطلبه ذلك من استحضار متواصل ومتواضع للمجهودات التي راكمها الآخر في صناعة ورعاية موضوع الجميل عبر مراحل تاريخية متواترة.

فلطالما تعاملت الحضارة العربية الإسلامية مع فن التصوير بغير قليل من التجاهل الذي كان يصل إلى حد الإعدام. إذ تكفي الإشارة هنا إلى تلك المصاحبة الفنية العجيبة التي قام بها الواسطي لشرح مقامات الحريري تصويريا، دونما أي احتفاء بمجهوده الفني ولا حتى ذكر اسمه. بل إن كراهية بعض فقهاء العرب المسلمين للصورة بلغت ببعض غلاتهم إلى درجة الدعوة إلى محو رؤوس الشخوص والحيوانات الممثلة في الصور مخافة تماهي أصحابها مع الخالق، مثلما يبدو ذلك واضحا على منمنمات إحدى مخطوطات المقامات التي تحتفظ بها خزانة السليمانية باسطنبول. إذ يظهر أن يداً «كارهة للصور» (حسب تعبير الباحث المغربي عبد الفتاح كيليطو) قامت بمحو رؤوس الشخوص من كل صورة، انسجاما، على ما يبدو، مع منطوق حديث شهير لعبد الله بن عباس، دعا فيه رساما فارسيا إلى قطع رؤوس الحيوانات التي كان يرسمها «حتى لا تبدو حية»!

المفارقة أن العرب انتظروا أكثر من سبعة قرون ليجود الغرب على فنانهم المهمل الواسطي بشهادة ميلاد فنية، جعلت منه أحد أكثر الأسماء تداولا في مجال التصوير الواقعي، الذي لم يكتشفه الفنانون الأوروبيون، كاتجاه فني، إلا خلال القرن التاسع عشر.

لذلك، فالحديث عن «نهاية اللوحة» في واقعنا العربي فيه غير قليل من المجازفة والغلط وسوء التقدير، ما دام الواقع هنا غير الواقع هناك، وما دامت علاقتنا بهذه اللوحة المفترى عليها، هي علاقة طارئة، ولم تحقق، بالتالي، التراكم المطلوب الذي يسمح بالحديث عن نوع من التخمة الفنية، سواء في الإنجاز والاستيعاب أو في التمثل والتلقي. إننا، بكل بساطة، ما زلنا نستهلك ما فرضته علينا ثقافة الآخر؛ بما هي خلاصة تاريخ من الإبداع والصراع والإصرار على الاجتهاد والتجاوز، لإضافة شيء جديد لمدونة الإبداع الفني الإنساني. فما هو مؤكد، أخيرا، أننا ما زلنا بحاجة إلى مواطنين عرب «يشترون اللوحات الفنية كي يعيشوا في جو ممتع» حسب تقدير إيكو.

عن ريدة السفير

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق