«الحجر كافر» يا زنوبيا / سامر محمد إسماعيل

لم أكن لأعرف تدمر إلا في رحلة عابرة أيام الدراسة الجامعية؛ وضعتني فيها رغبتي المبكرة بالتعرف على من أهداني إلى نصي الشعري الأول، وأنا ما أزال في سنين الطفولة، وقتها ألبستْ المدرّسة رفيقي في الصف ثوباً نسائياً، وخاطت له طربوشاً أحمر، ثم قامت بتزيينه بما تيسر لها من الكحل والحمرة، كي يبدو كمكلة تدمر..

وقتذاك نظرتُ إلى رفيقي كيف صار فجأةً «زنوبيا»، والخجل قد غمر ملامحه الطفولية، مرةً من زيِّه الكاريكاتوري العجيب، وقضائه على علب مكياج المدرّسة الشابة؛ ومرات حين كان الصبي الصغير وقتها يتلعثم كلما قام بأداء جمل درس التاريخ التي كان من المفروض أن تؤلف امتحاناً جذرياً لنا نحن التلاميذ الصغار؛ المحتشدين لرؤية ملكتنا الغابرة.

كان درساً نموذجياً على الطلاب والمدرّسة أن ينجزاه أمام لجنة من وزارة التربية، أجل لقد أثّرت بي هذه الحادثة، لا سيما وأنا أقارن بين رفيقي «زنوبيا» والشخصية التي تعرّفتُ عليها من مسلسل يعتبر من بواكير التلفزيون العربي السوري حمل اسم «الزباء»؛ لأكتشف بعد سنوات امتدت بي، أن «الزبّاء» التي قدّمها المسلسل الشهير، لم يكن سوى اجترار لخطأ فادح في المقاربة بين شخصيتين، فـ «الزبّاء» هي ملكة عربية من بقايا قبائل العماليق والعرب العاربة، والتي بنت لنفسها قصراً على الشاطئ الغربي لنهر الفرات، وانتهت بتجرّع السم من خاتمها بعد ثأرها من قاتل أبيها «جزيمة الأبرش» بعيد رفضها الزواج منه وتدبيرها لمكيدةٍ ذبحت فيها «الأبرش» ملك الحيرة العراقي آنذاك، بينما «زنوبيا» كانت شخصية أخرى تماماً؛ كونها زوجة القائد القوي أذينة؛ ولا يمكن أن يكون الأبرش – «المقتول عام 271-م» قد طلبها للزواج وهي متزوجة من «إمبراطور الشرق القديم» والذي ورثت «زنوبيا» عرش تدمر من بعد مقتله الغامض مع ابنه «هردت» عام 266-م.

كتاب «أبطال بلا تاريخ – الفرقد – 2005» للباحث العراقي فاضل الربيعي، يهدي إلى هذا المزج والخطأ التاريخي الفادح، والذي تولّد من خلط وقع فيها كل من «الطبري» و «المسعودي» وتناقله التلفزيونيون السوريون دون ألمٍ يذكر.

لكن مهلاً فدخول «داعش» إلى تدمر كان له مقدمات كثيرة، حتى قبل اندلاع النار السورية، ففي عام 2010 قدم مجموعة من الرسامين السوريين المقعدين، بالشراكة مع شبان وشابات من أميركا فيلماً بعنوان «العقرب الفضي» وهو فيلم رسوم متحركة ركز على مسألة العنف، وعلى قصة أبطالها من القتلة المأجورين الذين يقولون على لسان أحدهم هذه العبارة اللئيمة: «تاج زنوبيا مكسور ولا يمكن إصلاحه»..!

زنوبيا تكاد تكون تدمر، وتدمر هي زنوبيا، الملكة التي تغطي سيرتها التاريخية الممزوجة بالأسطرة معظم مناهج التعليم الأساسي في سوريا، بل تشغل صورتها المتخيلة ملايين أوراق النقد، لا سيما صورتها على الورقة النقدية من فئة «الخمسمئة ليرة» بتاجها الحجري الرائع؛ زنوبيا التي أعلت من شأن الكتّاب والمثقفين والنحاتين في بلاطها، فمملكتها كانت واحة حرية حقيقية للتعددية الثقافية والدينية وموئلاً لازدهار فن النحت التجسيدي بين ممالك الفرس في الشرق، وروما في الشمال، والبطالمة في مصر، حتى أن «كاسيوس لونجنوس الحمصي» الناقد والباحث الذي كان بمثابة مستشار ووزير أول لدى زنوبيا؛ هو من وضع مؤلفه الرائع: «نحو ما هو سامٍ في الفن» الكتاب الذي يعد من أول المؤلفات التي أسست لعلم الجمال وفلسفته؛ حيث سيحمل هذا المؤَلَف اللعنة على صاحبه ويحرّض عليه غضب الإمبراطور الروماني أورليان؛ فهذا الأخير بادر فور دخوله تدمر إلى إعدام الكاتب التدمري الجليل؛ بعد محاكمة صورية له؛ حيث وجهت إليه روما في هذه المحاكمة تهمة صياغة رسالة الملكة زنوبيا؛ الخطاب الذي نالت فيه ملكة تدمر من هيبة وكبرياء الإمبراطورية الرومانية؛ بلهجة عالية النبرة أثناء حصار الجيش الروماني لحاضرة البادية السورية.

نهاية المفكر الحمصي في خريف عام272م كانت بداية لتدمير مدينة بأكملها مع هجوم لطالما احترفه المثقفون الرومان عادة بالاعتداء على الشعوب التي كانوا يقهرونها بالحرب، ولذلك طمسوا كل ما كان للحضارات الرافدية والسورية والفرعونية قبل احتلالهم للمنطقة، ناسبين إرث شعوب هذه الحضارات إلى أنفسهم.

تحول حضاري وفني كبير يعيدنا إلى شخصية عمرو بن لُحي الخزاعي، عراب الفن التجسيدي في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام، فكما يروي كتاب «الأصنام» لمؤلفه ابن هشام الكلبي-(تحقيق أحمد زكي-القاهرة1924)، مقتفياً تأثيرات النحت التدمري على تاريخ الفن في الجزيرة العربية، وتنويعات هذا الفن في تكويناته المتنوعة من بيزنطي وبابلي وسلوقي ورافدي؛ فإن منحوتات مكة قبل الإسلام كانت بما كان قد جلبه «الخزاعي» معه من الشام – وتدمر تحديداً – من منحوتات وتماثيل عبر ميناء جدة، منحوتات حملت الذوق الهيلينستي المتطور إلى نجران ومكة والطائف ودومة الجندل في قلب الجزيرة العربية، إذ ستكون هذه التماثيل في حقبة «العصر الجاهلي» فارقاً جوهرياً بين عصرين، ليطلق العرب عليها أسماء عدة لما كانوا يسمونها آلهتهم على نحو تماثيل: «إساف ونايلة، اللات، العزى، هبل، سواع، يغوث، يعوق، ود، نسر».

للأسف ستلقى هذه التحف التدمرية مصيراً مأساوياً مشتركاً بعد فتح مكة630/م؛ فرغم القيمة الفنية الهائلة التي حملتها هذه التماثيل العبقرية، والتي كانت تحمل في الكثير من تصاميمها وكتلها النحتية وجوه أميرات سوريات لتدمر القرن الثالث الميلادي، إلا أن ذلك لم يشفع لها من نعتها بـ «الأصنام»، مثلما لم تشفع اليوم لتدمر أنها لؤلؤة الشرق القديم، ولم تشفع لرأس تمثال أبي العلاء المعري في معرة النعمان بإدلب؛ ولمتاحف الموصل ومدينة نمرود الأثرية كل هذه العراقة، أمام «كومبريصا» داعش الكهربائية، ورغبة هذا «التنظيم» في استخدام كل معاول الهد والهدم والثقب في ذبح «الحجر الكافر»..

 

عن جريدة السفير

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق