إعدام بدون محاكمة تحت حكم الملوك الموريسكيين لغرناطة”

 تعوّدت على  زيارة  المتحف الباريسي ” أورسيه” أتجوّل بين  اللوحات  المعروضة وكان الجناح الموسوم بــــــ”الفنّ الاستشراقي” يثير دائماً فضولي ويطرح عليّ أكثر من سؤال. وأنا أتيه بين هذه اللوحات الاستشراقية  كانت دائماً تستوقفني لوحة  “إعدام بدون حكم تحت حكم الملوك الموريسكيين لغرناطة ” للرسام الفرنسي “هنري رونيو”، لوحة تستفزُّ الرؤية وتثير في النفس ،إضافة إلى السؤال، زخماً من الأحاسيس. وليس اختيار موضوع قسوة “الرجل الشرقي”  بالغريب عن هذه المشاعر التي كانت تغمرني وتغمر كل زائر ومتمعّن في هذه اللوحة.  وكنت أتساءل لماذا هذا التصوير الدقيق لمشهد مريب ومرعب طاعن في الزمن؟
فاللوحة تلقي على الفؤاد، وذلك منذ الوهلة الأولى، مزيجاً من الرهبة والرعب القاسي ومزيجاً من الدهشة والامتعاض والقلق. أحاسيس متنوّعة تعتريك دفعة واحدة،  لوحة كانت ومازالت محطّ كلّ التساؤلات من طرف النقاد منذ عرضها لأول مرّة في متحف “اللوكسبورغ” في باريس قبل أن تستقرّ في متحف “أورسيه” ويتفرّج عليها منذ سنوات الآلاف من الزائرين والسياح من كلّ أنحاء العالم. لوحة تخطف بصرك بحجمها الكبير، أكثر من 3 أمتار طولاً (وقد كان صاحبها من قبلُ يفكّر في طول أكبر من ذلك يفوق أكثر من 7 أمتار) و1 متر و46 سنتمتراً عرضاً. وحين يلتقي نظرك باللوحة في أروقة المتحف  ترى قامة طويلة لجلاّد أسود اللون ومفتول العضلات، يرمز لبعض سلاطين الإمارات المسلمة في الأندلس، حافي القدمين، قوي الذراعين، يده اليمنى ماسكة  بقبضة سيف طويل واليد اليسرى تمسح دمه بطرف اللباس البنّي الفضفاض. وتتمعّن في الجلاّد الساكن الملامح ذي النظرة الباردة وغير المكترثة المركّزة على رأس ضحية مجهولة الهوية، وكأنّه يكتشفها للوهلة الأولى. ضحية بلباسها الأسود والأخضر ورأسها المقطوع المتدحرج على بركة من الدم المتدّفق على أدراج من الرخام الناصع. وتُمعن في النظر فُتعاين وراء الجلاّد تفاصيل هندسة قصر الحمراء برونقها ووداعتها، هيبة سمات العمارة الإسلامية المركّبة من عناصر زخرفية وحيطان مزركشة بالجبس المنقوش البرتقالي اللّون. بهاء يعطي للمكان رونقاً يتعارض مع الفعل الشنيع (الإعدام).  هندسة يغطيها جسم الجلاّد والجثة الهامدة، وكأنّ لم يمرّ على تنفيذ هذا الإعدام إلاّ دقائق خلت. عنف وجمال، يتقاسمان ويصنعان هذه اللوحة، “إعدام” بأبشع صور الموت رسمته وتخيّلته أيدي “هنري رونيو” بطريقة فنيّة، مستلهمة الموضوع (هنا فكرة الإعدام وطريقة رسم الضحية)  بدون شكّ من بعض لوحات الرسام الإيطالي ” كارافاج”.
لوحة تجعلك تعيش هذا الحدث  بحجمك الصغير وحسّك المرهف، تنظر إلى جسد الضحية التي لا تعرف عنها شيئاً وتغور في التفاصيل، فكلّ جزء وكلّ عنصر وتفصيل له دلالته ورمزيته،  فمن وضع يدي الضحية إلى عينيها الناظرتين إلى الجلاّد تسائله، مروراً بالديكور الوديع المحيط بالمكان، وعنوان اللوحة الصادح بالموضوع الذي  يزيح كلّ تأويل. وأنت حائر هل تُدقّق في جزئيات تفاصيل المشهد الأخرى أم تمرّ إلى لوحة أخرى غير بعيد لامرأة شرقية  طاعنة في غربة التصوير وغواية الخيال، وتتساءل  هذه المرّة من أين استلهم هذا الرسام ذلك الحدث الرهيب؟ 
ولد هنري رونيو في باريس سنة 1843 ولقي حتفه سنة 1871 في الحروب الأخيرة بين فرنسا  وبْروسيا، وقد حظي باحترام وتقدير في الأوساط الفنية الباريسية. قام ببعض الأسفار إلى كلّ من إسبانيا وإفريقيا الشمالية، وفي مدينة طنجة، حسب الرواية، استلهم موضوع لوحته هذه من أسطورة محليّة سمعها من بعض الأهالي و رسمها سنة قبل موته (1870).  و يحكى أنّه حين عُرضت هذه اللوحة أوّل مرّة في متحف “اللوكسبورغ”  أغمي على عدّة باريسيات  ممّا ألزم استدعاء الأطباء.
“هنري رونيو” ليس استثناء، فقد رسم كثير من الرسامين الأوروبيين لوحات استشراقية  تنوّعت مواضيعها، لكن يبقى الشرق والإنسان الشرقي والعربي والمسلم القاسم المشترك بين هذه اللوحات، رسمها أحياناً رسامون لم تطأ أرجلهم بلداناً عربية أو إسلامية  مكتفين فقط بوصف بعض الرحالة أو قراءة  بعض الكتب. مواضيع  جعلت من صورة  الشرقي “الشهواني” و”القاسي” و”المتعصّب”، ومن نمطه الجنسي (الحريم الشرقي)  منبعاً لرؤية استشراقية تجذّرت في مخيال الإنسان الغربي ولُغاته وساهمت بكل عنفها في صناعة ما يمكن وسمه بــ”العدو المخيف”، مما عمّق ومازال في استعداء الآخر( المسلم). صور نمطية شكّلت مخيلة الجماهير وأفرزت ظاهرة ما يسمى “بالإعجاب والاشمئزاز” اتّجاه العربي المسلم والتي كما نعلم ما زالت عالقة بالأذهان تظهر بين الحين والآخر في خطابات متعدّدة وسياقات مختلفة.
كلّ هذه الملاحظات واضحة المعالم في لوحتنا، فمن ناحية عندنا قصر الحمراء الجميل،  ومن ناحية أخرى العنف المصوّر ببشاعة، وهذه في حدّها مفارقة كبرى تؤكّد ما قاله إدوارد سعيد في دراسته القيمة عن الاستشراق، أنّ الغربي حاول” صياغة الشرق وتشكيله وفقاً لأحكام جاهزة وتبسيطية”، أحكام، كما نعرف الآن، راجعة لرؤية وليدة الهيمنة والتصوير الفلكلوري وخطابات أنتجتها النخب الفكرية والسياسية والفنية الغربية عن الآخر (هنا العربي والمسلم)، ومع الأسف مازال لبعض هذا الخطاب له حضور،  تطعّمه كما نعاينه حالياً، مجموعة من الأحداث والصور العنيفة والصراعات الدائمة والجهل المستبدّ،  وهذا موضوع آخر !

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق