لتكنْ فيَّ جميع النساء! / عقل العويط

“خمسون عاماً وعام” على صدور العدد الأول من “الملحق” في العام 1964. أغتنم المناسبة لتوجيه نداء حارّ وقويّ إلى أصدقاء هذا “الملحق” وإلى المشاركين في صناعة فضائه، من أدباء وفنّانين ومثقفين ومفكرين وقرّاء، في لبنان والعالم العربي، لاعتبار هذه الذكرى منصةً لتحفيز الدور التاريخي المتواصل الذي يضطلع به، ولتجديد العهد بالاجتراء على كلّ أنواع الطمأنينة القاتلة، وبالاجتراء خصوصاً على القتل، المعنوي والمادي، من طريق بلورة سبل الخلق، وفتح نوافذ للحياة، تأكيداً لثقافة الحرية التي يتباهى بأنه أحد خَدَمَتها وحرّاسها في هذا الشرق.

* * *

كلّما كتب شاعرٌ جملةً واحدة، توازي البرق اللامتوقَّع، أو تزاحم عبقرية ضربة النرد، أو تتماهى مع صعقة الحبّ من النظرة الفادحة الأولى، أُحسّ بأنني أنا كاتبها، وأدرك كم أن فنّ صناعة المستحيل ممكنٌ بل واجب الوجود.

كلّما نشرتُ لشاعرٍ، أو لكاتبٍ جديد، شيئاً مما يكتبه، يومئ إلى برق، أو يهمّ بضربة نرد، أو بـ“مقتلة” غرامية، أشعر بأنني أولد من جديد.

أيها الشعراء والكتّاب والعشّاق في لبنان والعالم العربي، اسعفوا حياتنا بالبرق وبضربات النرد، ويالنظرات المميتة. إذا ليس لسبب، فلأجل أن نواصل انتصارنا الحياتي والشعري على هذا الموت اللبناني العربي شبه العميم!

لو تدفقتْ نصوصٌ كهذه على “الملحق”، وغمرته من أوّله إلى آخره، لما ترددتُ لحظةً في أن أجعل صفحاته كلّها ملكاً لهذه النصوص.

أيها الشاعرات والشعراء، أيها الكاتبات والكتّاب، خذوا كلامي هذا بمثابة نداء! بل بمثابة تحدٍّ!

* * *

أطالب بمراكز متخصصة للأبحاث الأدبية والنقدية في كلٍّ من الجامعة اللبنانية واليسوعية والأميركية (وشقيقاتها المحترمات)، تكون مهمة كلٍّ منها على حدة، جعل الأدب اللبناني الحديث موضعاً لدراسات مركّزة، تحفظه من الاندثار.

ربما لم يعد الأدب ولا اللغة العربيان موضع شغف لدى الطلاب الجامعيين، بسبب انهيار تعليم الأدب واللغة في المدارس. وبسبب من عاصفة التحولات العصرية. فليكن!

ربما لم يعد هناك ما يكفي من أساتذة طليعيين، قادرين على فهم الأدب الحديث، فكيف بتدريسه. فليكن!

ربما أيضاً، لم تعد جامعاتنا هذه معنية بمسألة الأدب واللغة، كما كانت عليه أحوال الحصون الجامعية في عقود منصرمة. لكنْ، أن تتخلى هذه الجامعات عن إرثها الإنسانوي، الأدبي واللغوي بالذات، وعن وظيفتها الجوهرية في مواكبة عملية الخلق، فجريمة فكرية وأكاديمية بكل معنى الكلمة. والجريمة يُعاقَب عليها.

لا أطالب بالشيء الكثير. فقط، بأن “تشتري” هذه الجامعات الثلاث (وشقيقاتها) أساتذةً مرموقين، أو أدباء يملكون مواهب “القراءة” النصية وسبل تفكيك دلالاتها، وبأن تعهد إليهم تغطية حقباتنا الأدبية الجديدة بمؤلفات نقدية جديرة بالاحترام.

الأدباء يجب أن يحيوا عبر النصوص النقدية التي تدرس أدبهم. هذا حقّهم. فهل كثير أن أطالب اللبنانية واليسوعية والأميركية، والجامعات الموازية الأخرى، بمثل هذه المطالبة؟!

أرجو، بل يجب ألاّ أُحمَل يوماً على المطالبة بإحالة المجرم على العدالة… الأدبية والنقدية، وإن يكن المجرم جامعة مرموقة!

* * *

النساء يتظاهرن في بيروت للاحتجاج على العنف المرتكَب في حقهن، أعنفاً معنوياً كان أم جسدياً.

أشعر بأنني حقير، فقط لأنني “ذَكَر”. فقط، لأن العنف هو ذكوريٌّ على العموم.

لو استطعتُ أن أساهم في رفع هذه الإهانة التاريخية والعمومية عن كاهل الرجل لما ترددتُ. كلّ ما استطعته في هذا الشأن، وما أواصل استطاعته، أنني أربأ شخصياً بنفسي (وبمَن حولي)، أن أكون “ذَكَراً” من صنف هؤلاء “الذكور” المخصيين، الذين لا يملكون من الرجولة إلاّ تعبيراتها العنفية، وهي تعبيرات حيوانية بامتياز.

أن أكون زوجاً أو أباً أو أخاً أو عشيقاً أو ابناً، أو رجلاً محرَّراً من كلّ قيد عائلي، يعني أن أكون رفيقاً بالهواء، كريماً، خفِراً، ليّناً، أنيقاً، وقوياً، من أجل أن أكون، أولاً، صاحب كرامة بشرية، وأيضاً من أجل أن أسند نبتةً تطالب بالفضاء.

غير ذلك، ما أبشع الرجل عندما يخنق الهواء، أو عندما يسحق نبتةً لأن طبعها جديرٌ بالفضاء!

ما أحقر الرجال عندما يتشبّهون بالحيوانات. أولئك وهؤلاء، ما أكثرهم في ظهرانينا، وبيننا!

* * *

أحبّ ريمون إده. وسأظلّ أحبّه ما حييتُ. أما لماذا أحبّه، فلأنه رجلٌ حرّ. فقط لأنه رجل حرّ. الأحرار قلائل بل نادرون. فكم بالأحرى في عالم السياسة. هم، أعني هؤلاء الأحرار، غير مستحَبّين، على العموم، ومكروهون من غالبية الطبقة السياسية وأزلامها وأغنامها، لأن هذه الغالبية تستحبّ، عموماً، مقايضات الخنوع والركوع، وهلمّ!

لم أكن، يوماً، عضواً في حزبه (ولا أريد)، ولا تسنّى لي أن أنتخبه، أو أن أنتخب أحد محازبيه. لو عاد بي الزمن إلى ذلك العهد، لنقلتُ قيدي الانتخابي إلى المنطقة التي كان يترشح فيها للفوز بأحد المقاعد النيابية… من أجل المساهمة في انتخابه، ليكون صوتاً صارخاً يقضّ “طمأنينة” هذا المجلس المريب، ويزلزل “نومه” المهين!

ما أجملني، لأنني أحبّكَ يا ريمون إده! ما أتعس هذا المجلس لأنه، في الغالب الأعمّ، يفتقد أمثالكَ أيها العميد!

* * *

أن تمطر في الثلاثين من أيار على غفلةٍ من كلّ شيء تقريباً؛ من الغيوم، من صلافة الحرّ والشمس، من فظاظة المزاج، ومن كلبية الحياة نفسها؛ فذلك يجعلني أكثر “إيماناً” بعاصفتي الهوجاء في مواصلة اضطهاد اليأس، بالحبّ والتمرّد والحرية.

في الثلاثين من أيار الفائت، مشيتُ تحت الرذاذ الطريّ، كما لم أمشِ من قبل. وبلذّة مَن لا يعثر ربما على لذّةٍ موازية. لم أتردّد في الخروج من المنزل القروي. كان ذلك في نحو الخامسة فجراً، وكان الوقت جديراً بالنوم، على طريقة مَن ينتظر عطلة نهاية الأسبوع ليهرب في مناماته. لكنني لم أشأ أن أفوّت على نفسي هذه المتعة الفجرية الخالصة، الشبيهة عندي بالتقاط الإشارات الكونية والقبض على الحظوظ النادرة. أحببتُ أن أعيش هذا الحظّ بحواسي كلّها، لا فقط بالعينين المغمضتين. نسيتُ أنني أمشي، فمضيتُ في رعونة الأمكنة ولم أعد إلى المنزل إلاّ بعد ساعة ونصف ساعة من التيه المترف المتباطئ داخل الأراضي العميقة، البعيدة عن العمران، إكراماً لمعنى الانسجام مع روح الطبيعة، ورضوخاً لأسرارها الموازية لأسرار القلب والشعر والحرية.

من تقاليدي في أحوالٍ هذه، أن أنخرط في “الاحتفال” حتى لأصير جزءاً من فلسفة إيقاعه وموسيقاه، لا كائناً إضافياً يعكّر الصفو. إذ أشعر حينذاك بأنني لا أحد. لا شيء. كلّ أحد وكلّ شيء. وبأنني معنيّ بـ“الاستسلام”، وبالتنازل عن كلّ سلطة، فضلاً عن موجبات الإقامة في المدينة ومعاييرها. وأنا أفعل ذلك، بلا قيد أو شرط، كمَن يختفي. أو يزول. أو يتّحد. شأني شأن الخفّة المستحيلة للهواء المنسرب في الهواء، فلا يعود يعرف بعضه من بعضه. وهكذا!

* * *

أكتب النصوص الأخيرة من “سكايبينغ 2”، في غياب الشخص “الثاني” الذي أحاوره، فعلياً أو افتراضياً. زعمتُ في الكتاب الأول أنني قد أكون أنا أيضاً هذا الشخص الثاني. الآن، في هذا الكتاب، صار الزعم حقيقةً حقيقية. والحال هذه، فليكن فيَّ كلّ شخصٍ ثانٍ. وإذا كان أنسي الحاج قال في افتتاح “الرسولة”، “ليكن فيَّ جميع الشعراء لأن الوديعة أكبر من يديَّ”، فإني أقول: لتكن فيَّ جميع النساء، لأن شعريتهنّ وأنوثتهنّ أعمق من بئر أحلامي وأكثر من حبر يديَّ!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق