لماذا أفضل العيش في دولة علمانية

 


 
يعيش بيننا من يحاول فرض دولة دينية. بل من يريد العيش في الدولة المدنية والدينية في نفس الوقت. في رسم هزلي، أضحكني ذات يوم عبّر رسام جزائري شاب عن هذا الوضع الغريب حينما جعل بطل رسمه يقول وهو في عرض البحر هاربا على ظهر قارب صغير نحو أوروبا: أعطي صوتي للدولة الدينية في الانتخابات.ولكنني أحب العيش في دولة.. 
هذا الارتباك هو نفسه الذي تعانيه الأنظمة العربية القائمة: فهي لا تستطيع تطبيق الشريعة كاملة ولا تستطيع تركها كاملة. رِجلٌ في الدولة الدينية وأخرى في الدولة المدنية. 
وقد صوّت للإسلاميين في الجزائر وغيرها شبان وشابات لا علاقة لهم أصلا بالتدين ولا يرغبون أصلا في العيش في دولة يحكمها رجال دين! 
ولكن لمن يعطي صوته كائنٌ بائس ثقافيا علمته العائلة ثم المدرسة والإذاعات والتلفزيونات السلفية المحلية والدولية وكل المحيط، أن الدولة الدينية هي المثلى وأن العدل لا وجود له سوى تحت حكم شيوخها؟ مع وجود أحزاب إسلامية وفي هذه المرحلة بالذات المنعدمة فيها أبسط المؤسسات الديمقراطية الحديثة الضامنة للتعدد الفلسفي والثقافي والسياسي، يصبح الحديث عن الديمقراطية والانتخابات من باب العبث والانتحار. 
ولذلك فإذا لم تتجنّد القوى الحداثية والعقلانية في الميدان فإن الدولة الدينية آتية لا ريب فيها في الجزائر وغيرها، وقد تحقق الجزء الأكبر منها في أغلب بلداننا. ولو بنسب متفاوتة. نحن نعيش عموما في دول نصف دينية وفي دول دينية حقيقية في بعض الأحيان.. وبدل الخوف من الدولة الدينية الزاحفة فمن الأولى أن نبدأ برفض ما هو قائم منها بالفعل. وأن لا يلهينا ما هو آت عما أصبح عاديا لا يثير أدنى قلق. ينبغي إعادة النظر في التطبيع الثقافي المتعاظم مع الأصولية ومشروعها السياسي. ولا فرق بين شقها العنيف وشقها المدعي الاعتدال، فكل ما في الأمر أن هناك أصولية ثورية حركية وأصولية إصلاحية نظرية. تمثّل الأولى أقلية ككل الحركات الثورية، تريد دولة الشريعة حالا. والثانية إصلاحية تمثل الأغلبية، تهدف إلى إقامة الدولة الثيوقراطية بالتدرج وعن طريق انتخابات شعبوية ترفع فيها شعار “صوتكم أمانة تحاسبون عنه يوم القيامة”.. 

لكن هل من المعقول أن نسمح بإقامة انتخابات جوفاء تسمح للأصوليين بالاستحواذ على أغلبية دينية وتحويلها إلى أغلبية سياسية في غياب مؤسسات قوية تحمي كيان الدولة المدني؟ 
ليست الانتخابات كنه الديمقراطية كما يريد أن يوهمنا الإسلاميون ومن يدور في فلكهم بل هي طريقة في اختيار من يدير البنيان الدولتي القائم سلفا، وهو أساس وشرط المرور من دولة “الرعية” إلى دولة المواطنة. وحينها فقط نضمن حرية الضمير والتعبير وأسلوب العيش للجميع ونضمن احترام الاختلاف. 
وتجنبا لهذه الكارثة ينبغي فصل الدين عن السياسة لضمان تنافس حقيقي من أجل الوصول إلى السلطة وهو الطريق الوحيد لتفادي ما نحن عليه اليوم: أناس يريدون البقاء في الحكم باستعمال الدين وآخرون يريدون الوصول إلى الحكم عن طريق الدين أيضا. 
ومن هنا فمن البديهي بالنسبة لي على الأقل أن أرفض إقامة هذا النموذج من الدولة الدينية في بلدي، الدولة التي ستتدخل حتما في حياتي الشخصية.. وهل من الديمقراطية في شيء أن نفرض فلسفة حياة وأسلوب عيش اعتمادا على ميزان الأغلبية والأقلية؟ هل يمكن أن ننظم انتخابات قبل وجود عقد اجتماعي واضح المعالم؟ كيف يمكن المشاركة في لعبة لا أحد يعرف ضوابطها وقوانينها؟ ألم تفز جبهة الإنقاذ الإسلامية في الجزائر في انتخابات بلدية ثم في الدور الأول من انتخابات تشريعية دون أن تعقد مؤتمرا واحدا ! 
كيف يمكن أن أقبل استفتاءً أو انتخابات قد تحرمني نتائجها من ممارسة حياتي كما أريد والتفكير والتعبير كما أريد حتى وإن كان ذلك خلافا للأغلبية الساحقة؟ وهل يمكن أن تصبح هويتي الشخصية ضحية لباتولوجيا الغير، مهما كان عدد هذا الغير؟ هل الديمقراطية وسيلة لحماية أم لسحق الأقلية؟ 
الجنون، يقول اينشتاين، هو أن تقوم بنفس الشيء عدة مرات وتأمل أن تحصل على نتائج جديدة. وهو ما يقوم به العرب تجاه الإيديولوجية الإسلاموية منذ عشرات السنين.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق