على وزن الريشة


تونس لها صناعة شبه مزدهرة في الخمور ولها سوق داخلية تستهلك ما ينتج، ولها سياحة وبعض التصدير، والخمّارات ومحلاّت بيع واستهلاك الخمور منتشرة في كامل مدن البلاد، تقريبا، والمدن التي تخلو من فضاءات رسمية معلومة للاستهلاك، تجري الأمور فيها خلسة. خلسة تعلن للعموم باللافتات أنها تمارس البيع خلسة، وتلك من مفارقات وأسرار البلاد.

٭٭٭
من المعلوم أن تونس بلاد متوسطية يحتّم عليها البحر الأبيض المتوسط السباحة على إيقاعه، لذلك فهي بلاد مختلطة ومتنوّعة الأعراق والذهنيات والمناخات، وكانت قبل الاستقلال تضم قوميات عديدة من الحوض المتوسطي مثل الإسبان والمالطيين والإيطاليين والفرنسيين وتتعايش فيها الأديان الثلاثة بأريحية وتوازنات عرفية ومعلومة، وكانت الممارسات الخمرية في البلاد فائقة الحضور، والدليل على ذلك ما خلّفه المعمّرون الفرنسيون من حقول شاسعة لزراعة العنب بأصنافه، ومن معاصر في جهات فلاحية مختارة لنوعية تربتها الصالحة، وكانت منطقة الوطن القبلي من أفضل المناطق لتلك الفلاحة والصناعة، ولم تكن البيرة رائجة في تلك المرحلة، وكانت البوخة اليهودية بنخلتها وشمسها شرب العتاة، وهو شراب تونسي بلا مثيل، يباع بين بعض اليهود في كل الدنيا، كمنتوج عالي الجودة للطائفة الإسرائيلية في تونس، كما كان يُسمّى اليهود في الوثائق الرسمية للإيالة.



في البال عنب بألوان وأحجام ونوعيات ومذاقات مختلفة تحمله الصناديق على عربات البغال أو مشحونا على التراكتورات إلى معصرة قليبية، التي تقع على الطريق الرئيسي بين مدينتي منزل تميم وقليبية.
تعصره المعصرة العتيقة الصامدة حسب لونه الأسود أو الأحمر أو الوردي أو الأبيض. ومازالت تلك المعصرة في المكان ذاته، وتقلّص عصرها على الأبيض فقط. وصارت تعوّل في انتاجها على المنتوج السنوي من زرع كرومها، التي هي من مخلفات فترة التعاضد، وتمتدّ على حقول شاسعة تقابل الشاطئ الطويل الساحر لدخلة المعاوين، وتظللها أشجار السرول والصفصاف، ومن هناك يأتي ذلك الشراب les muscats de Kélibia

أما الحقول الكثيرة الأخرى التي كانت بتلك الجهة وتزوّد المعصرة حين جني الصابة، بين صيف وخريف، فقد اندثرت.
ومن الطريف أن دولة الاستقلال، في فترة التعاضد تحديدا، شاءت بيع الخمور، بطريقة معلنة ورسمية، في كل المحلات التجارية التي شملها التعاضد بالجمهورية التونسية، ولم يجد ذلك القرار ترحيبا من قبل المحافظين من الأهالي، وسريعا ما انطوى الأمر بانطواء فترة التعاضد.

٭٭٭

يذهب في ظن الكثيرين أن ولاية نابل، أو الوطن القبلي، أو دخلة المعاوين، حيث مقر الولي الصالح سيدي معاوية على هضبة من ريف مدينة أزمور، هي كلّها منطقة سياحية، ولكن ليس فيها إلا مدينتين سياحيتين فقط هما مدينة نابل، مركز الولاية، ومدينة الحمامات، التي كانت قرية بحرية، وصارت متاهة سياحية بلا راية معلومة في جغرافية السياحة الدولية. أما مدن الدخلة، الداخلية والساحلية، فيندر أن تعثر فيها على مبيت لقضاء ليلة عبور، وليس فيها إلا المقاهي التي تفيض على الأرصفة بالوقت الفائض. أمّا الخمّارات فهي تختلف من مدينة إلى أخرى، من حيث المساحات والخدمات والزبائن والعدد والتوقيت. وثمة مدن ليس بها خمّارات، وفيها تنشط تجارة “هنا يباع الخمر خلسة”، مثل مدينة منزل بوزلفى الكبيرة، حيث مقر الولي الصالح بوزلفى سيدي عبد القادر، مدينة البرتقال والقوارص، التي بلا مثيل، لنوعية تربتها التي لها خصائص الشواطئ دون أن يكون لها شاطئ بحري في المدين المترامية الأطراف.


أما مدينة منزل تميم، عاصمة الدخلة كما يسمّيها أهلها، فقد كان فيها، منذ وعيت المدينة، ثلاث خمّارات معروفة، خمّارة كبيرة كانت تربض خارج العمران على الرمال في مقابلة الشاطئ مباشرة، وكانت تابعة لبلدية المدينة، حين كانت الشواطئ مهجورة ولا يقترب منها الناس لشرورها، وهناك كان القوم يسكرون شتاء وصيفا في مواجهة الخلاء الذي يحفظ ستر سكرهم، وكان لا يتجرأ على ذلك المكان إلا عتاة الخلائق من حثالة المجتمع وأهل الجريمة والفسوق والرذائل، حسب تصنيف شهواني للمجتمع…

وكان في وسط المدينة بار “الشرقي” في معمار عتيق، بتهليلات الزوايا وأعمدتها وأقواس البيوت العربي، وما يذكّر بالحمّام العربي من حيث الزلق في دار الصابون.
في طرف المدينة، حيث كان سوق الدواب القديم، هناك، بار الفوّالة.

كانت الخمّارات الثلاث تقدّم الأكل والشرب لزبائنها حسب الطلب، وتقدم كضيافة صحون الفول والحمص والسردينة، وتقدّم خدمات شواء وطبخ ما يأتي به الحرفاء… وكانت أسماء الخمور فرنسية ويهودية، وكان الشراب الوحيد الذي له اسم عربي هو شراب “زعرورة”، وقد اندثر هو الآخر.


أما عن خمّارة الشاطئ فقد حوّلتها البلدية إلى مقهى وشيشة ومرطبات ومثلجات، منذ نهاية السبعينات من القرن الماضي.
ثمّ أغلِقت خمّارة الشرقي بوسط المدينة. وتحوّلت إلى بوتيكات منذ أكثر من عشر سنوات.
وجاءت الثورة فأغلق بار الفوّالة. أصيب صاحب رخصة الخمر، المكتراة من البلدية، بنوبة ضمير، فسارع إلى الحج وتسليم مفاتيح الخمّارة للنيابات الخصوصية، التي تتصرّف في البلديات زمن الثورة.

وتم، أخيرا، تحويل مقرّ خمّارة “بار الفوّالة” إلى مقهى وشيشة، بذلك النوع من الجليز والحطّات وذكريات الدواب، لولا القصص والتدوين الضاجّة بالمكان وتاريخه وأناسه وأفعاله وطقوسه وهويته الصميمة…
ولكن ماذا نفعل مع الدواب؟


٭٭٭
على ذكر الثورة. جرت أحداث همجية في الأيام الأولى لسقوط النظام. هجم الثائرون على مغازة المونوبري ونهبوها كلها، ونهبوا مخزن خمورها. وكنت ترى القوم سكارى متعتعين، في تلك الأيام، سكارى بالخمر المجاني المنهوب، أو ذلك المُشترى بأسعار النهب، وببالوعة الثورة التي طيّرت العقول والألباب… كانت تلك المغازة الحديثة تزوّد المُبْتَلِينَ البيتوتيين بالكميّة اليومية المعتادة من الشراب، وكانوا يزدحمون في ميقات فتحها وغلقها، والبشاعة تزدحم معهم، في مشاهد يُهْدَرُ فيها العَرَق الإنساني المسفوح، من فرط الصنان والهمجية والإذلال والازدحام والفوضى وسوء الحال.
وبما أن السوكارجية لا يحتملون أن لا يكونوا في حالة سكر. كان مزوّدهم العمومي الرسمي الوحيد هو تلك المغازة التي وقع تخريبها ونهب كل محتوياتها، وفي غيابها الفادح جدّا ازداد الطلب على محلاّت “هنا يباع الخمر خلسة”، التي ازدهرت تجارتها ازدهارا فائقا…
٭٭٭



للذكرى:
حين تولّى العقيد معمّر القذافي السلطة، في بداية السبعينات من القرن الماضي، بعد انقلابه على الملك الليبي، أعلن ثورته العالمية الثالثة، وحرّم الخمور وأبادها. ولكن أهل ليبيا من الشاربين صاروا يصنّعون الخمور في البيوت، وجرّاء ذلك أصيب الكثير من الليبيين بالعمى في العيون، لأن الصناعة المحلية الرعوانية للكحوليات كانت جاهلة بالفنّ والصناعة والخيمياء والكيمياء.


٭٭٭
هناك، في الأنهج الخلفية ومن الأرياف البعيدة لعاصمة الدخلة، كانت السلفية الجهادية الوليدة بالجهة تتربّص بأزيائها الأفغانية واللحى الممدودة والأيدي المشدودة. وهي نوعيات من الشباب انبثقت من حيث لا يدري أحد. ولأنها موجّهة توجيها عقائديا جيّدا، فقد وضعت باعة “الخمر خلسة” على قائمة أعدائها وشرعت في جولاتها لتكسير عظام أهل الخمور والفجور…
وحسب بعض الروايات، فإن تلك المحلاّت كانت تدفع أتاوة سائلة ونقدية وعينية، لبعض الأعوان، قبل الثورة. ثم اضطرّت، إبّان الثورة وجولات تكسير العظام والقوارير، إلى دفع تلك الأتاوات مضاعفة للجهاد السلفي المنبثق، وأصحاب الجماعة الراسخين في حديث الفرقة الناجية، الذين أفتوا بأن الجباية على سلعة الكفّار واجبة، وللكفّار أن يشربوا ما طاب لهم من السموم والرداءة والشهوات ماداموا يدفعون الضريبة، ويخضعون للسلطة الثورية الجديدة وشريعة الإسلام ودولته وخلافته السادسة الراشدة، وكتاب الجزية والذميّة، وليموتوا في كفرهم وليتعفّنوا بالشراب والبلادة في البلاد، فنحن شباب الخلافة وتحرير فلسطين، ولا نشرب الخمر حتّى لا يذهب بعقولنا، ولكن نشرب العقول المخمورة بالدنيا الزائلة…


٭٭٭
سبق لي أن كتبت قصّة عن بار الفوّالة بعاصمة الدخلة عنوانها: “ينقصنا التبغ”، نشرت في المجموعة القصصية “لا فوق الأرض/ لا تحتها” بدار سراس للنشر سنة 1991، ونُشرت قبل ذلك، في مجلّة المغرب العربي الأسبوعية، في رمضان من سنة 1989. وأثارت ردود فعل غاضبة وعنيفة حال نشرها الإعلامي، من بينها رسالة تهديد بالقتل من أحد المتوترين، ونشرت تلك الرسالة في الحين. حينها كان أولا أحمد رئيس القسم الثقافي بعدي، وسلّمته القصة مرقونة، ولكنه أضاع النسخة، وكنت أحتاط لمثل تلك الطوارئ بنسخة أخرى، أرقنها في دماغي.


٭٭٭
في تلك القصّة طرحت سؤال الإدمان على الخمر والكحوليات في ثقافتنا، ومدى حصانة المسلم من الإدمان، مادام يقضي شهر رمضان من كل سنّة وهو منقطع عن الشراب وصائم عن الكحوليات. ومن المعلوم أن المدمن هو من لا يقدر على الانقطاع عن ما أدمنه كلّما دقّ ناقوس الاستهلاك.


في القصّة اعتبار للإيمان بالمتعالي وبالمتجاوز، حتّى في أدنى درجاته خفوتا أو توقّدا، وكيف يكون الإيمان حاميا من الإدمان في ثقافة مخصوصة، لها علاقة جدلية متواصلة مع خالقها، يختلط فيها المدنس بالمقدّس وأهواء النفس وفجورها وتقواها، وكلّما تمتّعت تلك النفس بالقليل من تقوى الإيمان في علاقتها بذاتها وبمحيطها إلا وكان الإيمان حصنا لها يقيها لوعة الإدمان الذي يستعبد الإنسان. ذلك موضوع استغرقني في كل ما كتبت من قصص وروايات، وقد لاح لي أن الحفر في تلك الجوانب الاجتماعية الأسطورية هو أفضل استنطاق سردي تخييلي للذاكرة الجماعية التي لها قابلية كبرى على التلف والنسيان، وتعويض الأوهام بحقائق الواقع، وتفضيل نقاء الهوية الجاهلة على تجلياتها المعلومة في الواقع… وكل ذلك يصلح للقصص في دين تباهي بأنه يقصّ أحسن القصص، اعتنقناه محبّة في حُسْنِ قَصَصِه .


 


٭٭٭
الفقرة الأولى من قصّة “ينقصنا التبغ”:
ـ جماعتنا جماعة خمر وسمر. موعدها اليومي مساء في بار شعبي، هو بار (الفوّالة). وتسميته الرسمية: بار السوق. ولأنه يقدّم لزبائنه الفول المطبوخ مجانا وبكميات محدودة مع الشراب، فقد اشتهر باسم الفوّالة. ونحن يناسبنا إطلاق تسمية “الفوّالة” لاختصار الإشارة إلى مكاننا الأليف، فهي توحي لنا باللطف بما لا يقارن مع كلمة مثل “بار”، التي نحسّها نابية وتحقيرية.
لخمس سنين مضت ونحن نجلس فيه، ومازلنا نجلس يوميا. ليس يوميا بدوام الأسبوع. نحن لا نجلس يوم الجمعة. الجمعة يوم إغلاق الخمّارات، وهو للتقوى. البعض منّا يمارس هذه التقوى بالصلاة والامتناع عن الشراب، والبعض بالامتناع عن الشراب فقط، والبعض بأن لا يشرب في المحلات العمومية، ويشرب في البيت أو على قارعة الطريق أو في المحلات الراقية، غير العامة بطبيعة الحال.
كلّنا يستجيب للتقوى على طريقته، وعليه أن يستجيب… إن التقوى تجعلنا نظيفين لكن متبرمين وعلى غير ما يرام.
………….


* “الدّخلة” هي تسمية شعبيّة لمنطقة “الوطن القبليّ” من الجمهوريّة التّونسيّة، وهي تقع في الشّمال الشّرقيّ للبلاد. (الأوان)



٭٭ هذا المقال، الذي لا يشبه القصص، كتبته ترحّما على روح الكاتب التونسي الفذّ علي الدوعاجي، صاحب قصص “جولة بين حانات البحر الأبيض المتوسط”، خلال النصف الأول من القرن الماضي. وهو مهدى إلى مدينة منزل تميم التي استاءت كثيرا من حقارة كلام الخربوش في ذكره للسوق وللبار ولمنزل تميم حيث تخرّجت، وحيث منبع قصص تخصّني، حيّاها الله. (المؤلّف)

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This