نقاش – بطولة الماضي والزمن المضارع / ابرهيم اليوسف

المثقف تستهويه البطولة عادةً، فيحاول أن يكون له نصيبه فيها، أو أن تسجَّل باسمه، عبر قول كلمته، ولا سيما إذا كانت في مواجهة الاستبداد دفاعاً عن قضية عامة. فالأنظار تتطلع في مثل هذه المواقف صوب المثقف، باعتباره يمتلك قوة التأثير في الرأي العام، وخصوصاً إذا كان يتمتع بصدقية الحضور.

ناهيك بأن آلة الاستبداد ترتعب من قوة خطابه، فتحاول أن تستميله، وأن تحتضنه إلى حين، وإن كانت ستتركه بعد أن تجرده من صفة الصدقية المذكورة أمام محيطه، أو ستمارس معه أشكال القمع، بدرجاته المختلفة، بما يكفي لإسكاته، حتى وإن أدى ذلك إلى إطفاء حياته.

المثقف الغيري لا يعيش ذاتيته إلا في حدود خصوصية إنتاجه الثقافي، مكرِّساً إياه للعامة، من خلال تبنّي أسئلتهم، ولا سيما إزاء استشراس آلة الاستبداد في مواجهتهم، أو في فترات المحن، والتحولات، كأحد الأكلاف الكبرى التي لا يُقدم عليها إلا الندرة. هذا هو السر في أن مواقف المثقفين تكون متباينة من حوادث مفصلية في حياة مجتمعاتهم، وأممهم، وشعوبهم، وخصوصاً مواقفهم من أدوات الظلم. فهناك من يتواطأ معها، متضرعاً إليها، مقدّماً ما يلزم لذلك، من أجل منافع واقعية أو افتراضية، في مقابل مثقف يتعالى على مثل هذه المنافع، غير مبالٍ بردود فعل هذه الأدوات أياً كانت.

المثقف الغيري يكون موضع احترام وإشادة من المحيط العام. هذا لا يأتي إلا نتيجة تمكّنه من اتخاذ موقف أخلاقي من هذا الحدث أو ذاك ضمن ظرف تاريخي، غير ممكن التكرار.

هذا ما يجعل أنداده من المثقفين الذين لم يتخذوا مثل هذا الموقف الأخلاقي ضمن ذلك الحيز الزمني تحديداً، باعتبار عامل الزمن، كما قال هيراقليطس أشبه بـ“ماء النهر الذي لا يمكن السباحة فيه نفسه مرتين”، يعيشون عقدة غريبة من نوعها، لم تتبلور تسميتها الاصطلاحية من أحد. عقدة، هي نتاج الإحساس بالخطيئة، أو بتقصير اليقظ الضمير الذي لم يستطع أداء رسالته المتوخاة منه، أو هي نتاج موقف المعطوب القيم الإنسانية الذي يخبئ وجهه الحقيقي وراء الأقنعة، ويروم ربح الاحتمالات كلها، كما يحدث مع كثيرين في زمن الثورات. هؤلاء “فرائصهم ترتعد” وهم ينقادون وراء منفعيتهم، التي يبوصلونها، وهي تمضي تحت تأثير شحنات مزأبقة، لا تجدي في الأجواء المضببة، أو المعكرة، لافتقارها إلى كهرباء صدقيتها، ناهيك بأنها تتوه بسبب عدم مقدرتها على الحسم. هنا مكمن السر في تهافت مَن كان ينتمي إلى السلطة حتى لحظة بدء الثورة السورية، فراح يرتدي قميص الثورة، ليخلعه، إزاء أي صدمة جديدة بدعوى انحراف الثورة وهي قابلة للانحراف، أو انحرفت كما في هذه الحال على مدى مئة وثمانين درجة بعكس الوجهة التي شاءها لها صانعوها. غير أن المطلوب في هذا المقام ألا يكون ما حدث، دافعاُ لاشتعال أوار “النوستالجيا” تجاه أحضان النظام الذي أوصل السوريين إلى هذا المستنقع الآسن، المتشكل بعد هذين الدم والدمار المؤلمين.

تتفاقم عقدة المثقف الذي أذعن إلى دواعي الطمأنينة، الموهومة، بينما تتوجه آلة الاستبداد إلى التنكيل بسواه، بعيد انتهاء الحدث، ما يجعله يتعرض إلى “محاكمة ذاتية”، إما تحت وطأة “يقظة الضمير” التي تبيّن له صورته في مرايا الآخرين، وإما تحت وطأة فحيح “شهوة النرجسية” التي تدعوه إلى القلق على مكانته نتيجة تشوش صورته لدى “السلطة المقبلة”، بما يهدد عامل الحظوة أو المكانة المنفعيتين. وإذا كنا نجد هنا من يقر علانية بخطئه، ويحاول أن يجعل ذلك دافعاً للتعويض عما تعرض له، شأن قلة قليلة، فإن هناك من يلجأ إلى محاولة تزيين صورته، عبر مونتاج التزوير، بتشويه صور مَن أدّوا واجبهم، أثناء سقوطه الشخصي، أو عبر فلسفة الأمور والتمترس وراء أخطاء البرهة المعيشة، من خلال “توأمة الماضي والمضارع”، عبر سرير بروغوستي، متنافٍ مع خصيصة دورة الزمن، والانطلاق من معطيات اللحظة في استقراء الماضي، لا العكس، وهو زعم استنبائي، يتدرأ وراءه بعضهم.

لقد ظهر بعضهم، بعيد سقوط شبح الخوف، ولو على نحو نسبي، ليقدّم نفسه على غير ما هو عليه فعلاً، مدفوعاً بوهم إمكان ديمومة تلفيق الذاكرة، خارج مدوّنة المرحلة التي بات في الإمكان الاستعانة بها، وإن كان هناك من يكرّس تزويرها، عبر كيفية التعاطي معها، بإخفاء أو بإظهار ما هو مطلوب، لأجل خدمة وجهة نظر محددة، في مواجهة أخرى، أو تقزيم عملاق، أو عملقة قزم، وغير ذلك من الأساليب التي يبرع فيها بعض الضالعين في فقه الخديعة، أفراداً، أو مؤسسات، على حد سواء.

ثمة درس كردي من الماضي القريب، مختصره أنه بعدما سحب النظام السوري قنّاصته المتمترسين حول المدن الكردية، ومداخلها، وفوق سطوح عماراتها، عائداً إلى قمعه التقليدي، بعيد انتفاضة الثاني عشر من آذار التي انهزم فيها النظام، في عمقه، رغم كل ما واجه به المدنيين العزل من قتل، وقمع، وسجون…إلخ، في محاولة منه لإعلان استعادة قبضته على المكان، لطم بعض المثقفين رؤوسهم، وهم يجدون أنفسهم، أمام أسئلة ملحة باتت تطرح عليهم: ماذا كان دوركم في هذه الأيام العصيبة من تاريخ أهلكم؟ هذا ما دفع بعض هؤلاء للاستعاضة عن هزيمتهم، وتبييض صحائفهم مع ثورة السوريين الجديدة، في حين راح آخرون يكررون تجربتهم المريرة السابقة، أو يفلسفون صمتهم. بل هناك من جعل هزيمته بطولة ومآثر قومية. غير أن السؤال سيظل يتصادى، بالوتيرة نفسها: ماذا كان دوركم في هذه الأيام العصيبة من تاريخ شعبكم؟

عن ملحق النهار

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق