الخطر والفرصة

هناك أخطار كما أن هناك فرصا في كل مجالات الحياة. والغرض هنا خلافا لما يمكن أن يوحي به عنوان هذا المقال ليس عدّ الأخطار ولا عدّ الفُرص؛ إنما هو الإشارة إلى ما يمكن أن تكون عليه الأوضاع الدنيوية لمجتمعاتنا العربية لاسيما وأننا نعرف أوضاعها الدّينية. من هذا المنظور يمكن أن نعيد صوْغ أوضاعها الدنيوية في ضوء التفكير في المستقبل، ولن نجد طريقة أفضل من تعبئة التعليم .
يكمن وراء تعبئة التعليم فكرة هي أننا أصبحنا نفكر في تطوير مجتمعانا بوصفه عملية تربوية وتعليمية، وأن تغيير مجتمعاتنا يكون بالتضامن بين تربية الإنسان وتقدم الإنسانية. وأن التعليم هو الضامن مثلما كان ضامن التقدم والتغيير في عصر التنوير الأوروبي.
آنذاك كان التفكير في التاريخ من حيث هو تقدم البشرية نحو رشدها. وكما نعرف الآن فقد ارتبطت النزعة الإنسانية بتقدم الفكر الإنساني، ونقد الأفكار المسبقة التي تفسد استعمال العقل. وأن مفاهيم كالعقل والطبيعة والتاريخ والتقدم والإنسان هي التي يجب أن ترافق تعبئة التعليم.
لكي تثْمر هذه المفاهيم اعتمد النموذج الذي احتذى به عصر التنوير على التربية. سأكتفي هنا بأن أشير إلى الفيلسوف الألماني إيمانويل كانت حين عرّف التنوير بأنه تحوّل الإنسان من حالة القصور إلى حالة الرشد؛ أي أن التنوير هو العملية التي تُحرر الناس من الأوصياء الذين يريدون من الناس أن يظلوا أطفالا، وتجعلهم يفكرون بأنفسهم؛ لذلك فالتنوير مهمة التربية الأساس.
إلا أن مشكلا لم يحل. وإن كان قد حُلّ في مجتمعات أخرى إلا أنه لم يحل في مجتمعاتنا وهو مشكل يبرز حالما ندرس العلاقة بين مجتمعاتنا وبين المدرسة. لقدْ تعلّمنا وعلّمنا أن مدرستنا العربية هي مجتمعاتنا؛ لأن الأكثر قيمة في مجتمعنا العربية كالثقافة والأخلاق تضطلع المدرسة بنقله.
يُحل هذا المشكل بأن نعرف أن لكل من المجتمع والمدرسة أصولا تختلف عن الأخرى. نحن نحتاج المجتمع وقد نشأ من هذه الحاجة، لكننا لا نحتاج المدرسة ويمكن أن نعيش بدونها. ولكي نفهم ما تهدف إليه المدرسة سأتخيل مجموعة غريبة من الناس استقرت في صحراء الربع الخالي.
إن أول ما سيفكرون فيه هو أن ينشؤوا مجتمعا، وهناك الكثير من الدوافع تجعلهم يبدؤون في التنفيذ لعلاقة ما سينفذونه بحاجاتهم الضرورية اللازمة لحياتهم. مرت الأيام والليالي وتجاوزت هذه المجموعة الغريبة صعوبات البداية. ثم تكاثروا إلى حد أن بعضهم أصبح مزعجا للبعض الآخر، وشريرا لا يفكر سوى في مصلحته، ومستعدا لأن يرتكب أسوأ الشرور. هنا بدأ هؤلاء يفكرون في تشكيل حكومة، وهكذا فإن الحكومة نشأت من شرور بعض هؤلاء المجموعة من الناس.
من وجهة النظر هذه فالحكومة عند بعض المفكرين ( توماس بين ) رداء، وهي شعار فقدان البراءة. تُبنى قصور الملوك على أطلال عرائش الفردوس، والخلاصة هي: لو أن القلوب صافية وموحدة ومطيعة ما احتاج الإنسان لغيره ليضع له القانون، وبما أن الحال ليس كذلك فإن الإنسان يتنازل عن جزء من حقوقه الطبيعية ليحمي نفسه وملكيته وهو ما يدعى العقد الاجتماعي.
كيف تجعل الحكومة الناس الذين سيولدون مطيعين؟ تنشئ المدرسة؛ ذلك أن الأجيال الجديدة قد تكون خطرا على أولئك الذين يريدون أن يظلوا حكاما ما داموا أحياء ويورثون الحكم لأبنائهم وأحفادهم؛ لذلك فإن حُسْن التعليم عند هؤلاء أن تكون المدرسة وسيلة لضمان السيطرة.
إذن ستدعو الحكومة إلى التعليم، وستنيط هذا الدور بالمدرسة بدعوى دعم البناء الاجتماعي والاقتصادي القائم في المجتمع. ستؤدي المدرسة الدور فتمحو أمية الأجيال ؛ لكن بشرط أن تستخدم القراءة والكتابة في جعل الأجيال محكومة. ستقرأ الأجيال وتكتب، لكن من دون أن يصاحب ذلك نمو في شخصياتهم. وأكثر من هذا لن يتثقّفوا أو يتطوروا أو يسيطروا على المعرفة.
لا بد أن الحكومة التي افترضتُها تعي أن هناك علاقة بين أن تتوسع في إنشاء المدارس وبين أن تمنح الحقوق السياسية للأجيال الجديدة ؛ لذلك ستسعى بكل جهد وبواسطة المدرسة إلى أن تجعل الأجيال الجديدة أكثر استعدادا للخضوع والانقياد للسيطرة من آبائهم وأجدادهم. هكذا إذن. بدلا من أن تحرر المدرسة الأجيال الجديدة دفعت بهم إلى أن يعيشوا تحت سيطرة قلة من الناس. في ظل عدم وجود القراءة والكتابة سيوجد ما يعكر صفو الدولة كالإشاعات والأحقاد هنا لا بد من أننا نتذكر مقولة لينين المشهورة جدا: لا وجود للسياسة بدون قراءة ولا كتابة، بل بدونهما توجد الإشاعات والكلام والأحقاد.
لا بد أن يكون لهذه الجماعة إيديولوجيا لذلك ستكرس المدرسة هذه الأيديولوجيا، ولا بد من أن يكون لهم لغة تُدعى اللغة الأم، ولأنني معني هنا باللغة بحكم التخصص فإن هذه المدارس المفترضة ستدرّس اللغة الأم لتكيّف فكر الأجيال الجديدة وأحاسيسهم وسلوكهم طبقا للأهداف الخلقية والاجتماعية المرغوب فيها من قبل الحكومة. ستظل اللغة الأم مركز التربية في المدارس، وستكون الإضافات المتوالية إلى الكتب المدرسية هي في المقام الأول إضافات لغوية أو تتسم باتجاهات لغوية، وسينعكس نمو القومية في التوسع في تدريس اللغة القومية استعمالا يوميا أو جماليا.
كل هذا خطر إذن ما الفرصة؟ أن المدرسة يمكن أن تفعل العكس؛ أي أن ما قد ينتج عن المدرسة (مخرجاتها) يمكن أن يجيء على الضد مما طلبته الحكومة؛ متى ما اُستخدمت المدرسة لا من أجل السيطرة، إنما من أجل بناء مستقبل الوطن، وأن تكون عاملا أساسيا في المساعدة على بقائه في عالم متغير، وهو ما يمكن أن أسميه التربية على الغرابة.
من هذا المنظور فإن إحدى التحديات التي تواجه مجتمعاتنا هي أن نغير طرق تفكيرنا وأن نعيد النظر في تصورنا للتعليم وطرقه. يعلمنا التاريخ أن العصور الذهبية للمجتمعات المتقدمة هي العصور التي اُستخدم فيها التعليم (المدرسة) في إعادة بناء مستقبلها في ضوء الديموقراطية والعدل والعدالة الاجتماعية والمساواة والسلام؛ ليس بين الناس إنما أيضا مع البيئة المحيطة.
إن مفهوم “البقاء” – يقول فيديركو ماير الذي شغل منصل المدير العام لليونسكو بين عامي 1987)-1999) -كمن في طريقة عيشنا، وفي كيفية توجيه معيشنا، وفي كيفية توجيه أوطاننا ومجتمعاتنا.
مثلما يحتضر الإنسان تحتضر الدول. قد يطول الاحتضار أو يقصُر، لكنه عند المحتضِر سيان. الكثير من الوقت، والقليل من العافية. لا يداوي الزمن جراح الدول، مثلما لا يداوي الاحتضار جراح الإنسان. يعمّق الزمن جراح الدول فتنهار، ويعمق الاحتضار جراح الإنسان فيموت. كثيرة هي الطرق المؤدية إلى انهيار الدول، وفي المقابل هناك طريق واحد يبقيها: أن تعيد النظر في كل مرة في تعليمها. وهكذا إذا أرادت الدولة أن تستمر، فعليها أن تعبئ التعليم لتتغير.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق