خطر سمير قصير المستمر / يوسف بزي

رغم مرور عشر سنوات على غيابه ودخوله في الصمت الأبدي، لا أتخيل سمير قصير إلا مسرعاً لاهثاً، مستعداً للانطلاق. بطل سينمائي جذاب كهذا، لا يعرف التعب. وطوال عقد كامل من معرفتي به، كان هكذا متوثباً، كمن يخوض سباقاً مع دوران الأرض. على هذا المنوال كان يباشر السياسة يومياً، أي الانهماك بالتحضير لحدث ضخم وتاريخي، ولا مجال أمامه للتقاعس أو الملل. إنه «منذور» لمهمة جليلة كهذه. ولا شيء يوقفه إلا الموت.

ربما أصدقاؤه عرفوا ذلك، لكن أعداءه أيقنوا أن هذا الرجل شديد الخطورة ولا سبيل أمامهم سوى اقتراف جريمة قتله في وضح النهار. كان ذلك في العام 2005، اغتالوه ليس فقط بسبب دوره الاستثنائي في «انتفاضة الاستقلال» اللبنانية، كمثال واضح على الأدوار الفائقة الأهمية التي لعبها «المثقفون» اللبنانيون حينذاك.. لكن اغتياله كان أيضاً «ضربة استباقية» للأثر الذي سيتركه دوره المذكور في الجوار العربي، والسوري منه، خصوصاً. إنه دور ملهم وفعّال، خصوصاً في بلد الديكتاتورية البعثية ـ الأسدية. فهذا النظام الذي حطم الحياة السياسية، وأفرغ الأحزاب من مضمونها وجدواها، وسحق التعبئة الشعبية التي جربتها حركة «الإخوان المسلمين» في مطلع الثمانينات، وعمّم الخوف والخواء في المجتمع.. رأى فجأة أن مصدر «الخطر الجديد» هو في أولئك الأفراد، القلة الذين لديهم تفكيرهم المستقل، النقدي والحر، أي في أولئك المثقفين الذين يملكون مبادرة الاعتراض، ولديهم أفكارهم الخاصة بمستقبل أفضل لبلدانهم وشعوبهم.

ما فعله سمير قصير، فكراً وعملاً، هو محو ذاك الفاصل المزيّف بين الثقافة والسياسة، بين ممارسة الأدب والفن والفلسفة والتأريخ والتدريس الجامعي والعمل الميداني والإعلامي والحزبي. بمعنى آخر كان يقترح ويعيش نمط حياة يتماثل تماماً مع طموحات الثقافة وواجبات السياسة. كان ينفذ أجندة «مسؤوليات المثقف».

هو نفسه حدد تلك «الواجبات»: التخلص من الشقاء في العالم العربي. وإذا راجعنا مجمل طروحاته في هذا الشأن، يمكن تلخيصها في مطلب الحرية والعدالة الاجتماعية. وعلى مستوى أعمق، كان يزيل التناقض المصطنع بين اليسار والديموقراطية، وبين التراث الديني وشروط النهضة، بين الحداثة والهوية الحضارية..

هذا كله، كان منغمساً فيه، كتابة وممارسة، في مكتبه وفي «ساحة الشهداء»، حتى لحظة اغتياله. وهذا كله، سنراه في آلاف الشبان «الناشطين« عملاً وثورة وكتابة وتعبيراً وأدواراً ميدانية في ساحات القاهرة وطرابلس الغرب وصنعاء ودمشق وحمص وحماة وحلب.. بل سنراه في أقاصي الريف السوري كقرية كفرنبل وبنش.

بمعنى آخر، ساهم سمير قصير في كسر العزلة الطوعية التي كان مثقفو العالم العربي يعيشون فيها، وفق صيغة «العجز عن معارضة الأنظمة» من جهة، و»اليأس من الشعوب المستكينة والجاهلة» من جهة أخرى. كانت تلك الصيغة مريحة وتبريرية، وأنتجت في نهاية المطاف مثقفين منعدمي الأخلاق، لا يتصفون إلا بالنرجسية المتورمة والانتهازية.

المثقف ـ الناشط الذي عرفته بيروت عام 2005، كان يولد في الوقت نفسه بدمشق. هذا ما عرفه قتلة سمير قصير. وهم لاحقوا أنداده وأشباهه في كل سوريا، ومستمرون حتى اليوم في المطاردة، اعتقالاً وقتلاً. هذا يحدث في عموم البلدان العربية أيضاً (لنتذكر هنا مقتل شيماء الصباغ في وسط القاهرة).

خطر سمير قصير مستمر و»الشقاء العربي» أيضاً.

عن ملحق نوافذ

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق