بين «داعش» و «النصرة» / حسن شامي

إذا جمعنا الاتهامات التي تتبادلها قوى المحاور المتصارعة والمتنافسة بالوقوف خلف «داعش» حصلنا على خلاصة مذهلة: الكل مع تنظيم «داعش» والكل ضده في آن. وقد تكفي مثل هذه الخلاصة لتشخيص حال من الهذيان تعصف بالمنطقة على إيقاع استنفار متعاظم لمختلف أنواع العصبيات.

والاستنفار هذا يغذي ويتغذى، شعورياً أو لا شعورياً، من تصدّع الأبنية والأطر الوطنية للكيانات الموروثة عن خريطة سايكس – بيكو. ومع أن دوامة المواجهات الدائرة تضخ الكثير من عوارض هذيان وشطط مستفحلين، فإن الحديث عن جنون وبائي يبقى، على أهميته، رواية من بين روايات أخرى.

قد يكون أقرب إلى الصواب أن يقال إن الكل يناور مع داعش والكل يناور عليه. وهذا ما يفعله هو أيضاً، على ما يبدو. فهناك تحالف دولي يفترض أنه عريض وتقوده الولايات المتحدة ضد «داعش». والملاحظ أنه كلما ازداد الحديث عن الحرب الدولية مقروناً بغارات جوية تستهدف مواقعه ازداد تقدمه ميدانياً ليس في سورية والعراق فحسب، بل كذلك في ليبيا إضافة إلى استهدافه مسجدين شيعيين في السعودية. لقد استولى التنظيم مؤخراً على مدينة تدمر السورية الأثرية وعلى مدينة الرمادي العراقية، ورأى مراقبون كثر أن هذا الاستيلاء لم يكن ضربة حظ بل يندرج في مشروع لرسم خريطة دولة موقتة ذات إقليم متصل يخترق حدود الدولتين. ولكن ما هو هذا التنظيم الذي اقتحم، مثل نيزك لفظته السماء أو زلزال صاعد من جوف أرضي، المشهد المعقد والشديد الاضطراب سورياً وعراقياً. هل هو اتحاد قوى تحمل جروح ورضوض أجسام اجتماعية تعرضت لتهميش وإذلال قاسيين؟ هل هو مافيا جهادية معولمة بالنظر إلى أن حوالى ستين في المئة من مقاتليه هم من خارج العراق، بحسب تقديرات تداولها المجتمعون في باريس قبل أيام قليلة؟ هل هو تجمع لعصابات تحركها من خلف الستار شبكات وقوى تعمل في الظل والخفاء؟ هل هو أيضاً خليط من هذا كله؟

يحار كثيرون في تعريف «داعش» وأمثاله من مشتقات «القاعدة» والسلفيات الجهادية. وتعود هذه الحيرة المعرفية، منذ نشأة تنظيم «القاعدة» في الأقل، إلى صعوبة تحديد العلاقة بين مجموعات جهادية تؤمن بضرورة اجتراح دور بطولي في مواجهة منظومات قوية ومتعجرفة وبين الإسلام كمصدر لشرعية الجهاد.

والصعوبة تتعلق بفكرة الجهاد نفسها وبحمولتها الملتبسة. فهل في خلفية الدعوة إلى الجهاد وإلى تطبيق الشريعة تصور جدي عن مكانة مطلوبة للإسلام في العالم الحديث، والمتشابك على نحو غير مسبوق، كي يساهم كقيمة تبادل ثقافي في صياغة قيم إنسانية عالمية، أم أن الدعوة هذه هي مجرد لافتة لاستقطاب أفراد ضاقت بهم السبل بحيث يسهل استخدامهم من جانب مشغّلين لا تعوزهم الصلافة. في هذه الحالة لا يكون للصفة الإسلامية سوى قيمة استعمالية سبق لقوى دولية اختبارها أيام الحرب الباردة لمكافحة الشيوعية وما يقرب منها. إذا شئنا مقاربة الظاهرة من الناحية السيكولوجية فلن يكون صعباً تشخيص البؤرة النفسية التي تصدر عنها سلوكات السلفيين الجهاديين. بل حتى يمكن تقديم السردية الجهادية، وإن باختزال، على النحو التالي. الأقوياء يسيطرون على الضعفاء بواسطة تهديدهم بتحطيم حياتهم والتحكم بلقمة عيشهم. قد يكون الأقوياء حكاماً مستبدين ومتغوّلين وفئويين وقد يكونون منفذي سياسات دولية أكثر تعقيداً والتواءً. في كلا الحالين يقول الجهادي الجديد: هذه الحياة التي تهددوننا بتحطيمها ما عدنا نريدها، بل حتى سنطلب، نحن، الموت لنا ولكم. وسنستعرض تحدينا لكم ونفصح عن عدائنا عبر تظهير أقصى ما يمكن من العنف لإرهابكم. ماذا يسعكم أن تفعلوا في هذه الحالة وبم ستخيفوننا؟

يبدو أن هذا التظهير للطاقة المكتومة يجتذب أفراداً لا يستهان بعددهم ما داموا يتحدرون من بيئات مرضوضة على غير صعيد. على أن إشهارهم لقلة تعلقهم بالحياة لا يجعل منهم مجرد راغبين في الموت. بل هو على العكس طموح إلى الاستيلاء على الحياة كما لو أنها غنيمة. والقطيعة مع الحاضر إنما هي للاستحواذ عليه بكامله. والسلف الذين يقتدون بهم لا يقيمون في ماض تاريخي بل في لحظة تأسيس افتراضية. وهذا الوعي القيامي يحتمل تنويعات هي أقرب إلى اصطناع تمايزات بين أمراء حرب يتقاسمون صورة الفتوة كمثال للحياة التي تستحق وحدها أن تعاش.

هذا ما يمكن أن يستفاد من كلام قائد أو أمير «جبهة النصرة» في سورية أبو محمد الجولاني في الحلقة الثانية من المقابلة التي أجرتها معه «قناة الجزيرة». وما يسعى إليه هذا الأخير هو تجميل صورة تنظيم القاعدة في بلاد الشام لمواكبة محاولات إقليمية لتعويم نشاطه وتثبيت حضوره السياسي وسط الفوضى العارمة التي تلتهم الأخضر واليابس. فهو استفتى، بحسب ما يقول، العلماء وأقروا بشرعية عمله، الأمر الذي لا ينطبق على منافسه أبو بكر البغدادي. ورأى أن «الإخوان المسلمين» «انحرفوا» عن النهج الشرعي لأنهم سايروا فكرة الدولة المدنية والوصول إلى السلطة من طريق الانتخابات. وأقر الرجل بأن ثلاثين في المئة من مقاتليه هم من الأجانب، من «المهاجرين» بحسب عبارته المستقاة من فترة بدايات الدعوة وتأسيس الجماعة الإسلامية الأولى. وهو لا يريد استدراج إيران إلى المواجهة كما فعل أبو مصعب الزرقاوي بل قطع أذرعها في المنطقة. ويأخذ على «داعش» عدم التزامه بطلب أمير «القاعدة» أيمن الظواهري عدم مهاجمة الأسواق والحسينيات. لكن «داعش» قام بعمل جيد في العراق. يبقى ان القتال بين التنظيمين الجهاديين المتنافسين هو ما يترجح في العلاقة بينهما. سخر الجولاني من المعارضة الخارجية التي لا وزن لها إلا في الفنادق والإعلام فيما تشكل «جبهة النصرة» قوة المعارضة الميدانية الأولى. وهاجم الغرب وحكوماته وحكام دول الخليج الذين وصفهم بالانصياع لإرادة الغرب.

نحن أمام نماذج لتصورات قيامية قابلة للتوالد داخل الفرقة الواحدة مما يعد بحروب مفتوحة لا تبقي ولا تذر. وإذا كان الشطح هو ما يسم هذه التصورات فإن الهذيان هو ما نجده في أدبيات إعلامية ودعوية صادرة عن أوساط تزعم العقلانية. ترشيق «النصرة» قرينة كافية.

عن جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق