الطائفية وحبة القمح ورهاب الديك! مصطفى الولي

الكل يصرخ ضد الطائفية، ويحذر منها، ويحلل أخطارها، ولا يفوته أن يلوح بظلاميتها وممانعتها للحرية والتقدم. وهذا الكل يجمع علماء دين إلى مثقفين وكتاب ومحللين ومفكرين وفنانين وإعلاميين. لكن الطائفية تتسع وتتجذر وتتمادى بطول البلاد وعرضها.

ولو أن تلك الصرخات والتحذيرات لها مصداقيتها، في حقيقة سلوك ومواقف وممارسات مطلقيها، لما وجدنا التعبيرات الطائفية تكتسح الفضاء السياسي والثقافي والاجتماعي. والأخطر هو الدم المراق على أكثر من رقعة من الأرض العربية، والآتي أسوأ، طالما المشهد على هذا الحال.

طائفتي بريئة، وطائفتك هي السبب في احتدام الصراع! طائفتي ليست «طائفية« طائفتك هي التي تسعى للانقضاض على كل شيء، طائفتي متسامحة، وطائفتك هي التي ترفض التعايش الأخوي والوطني، طائفتي مظلومة وطائفتك هي الظالمة، طائفتك متحالفة مع الامبريالية والصهيونية، طائفتي هي التي تقاوم وتقاتل، وتبذل لتحرير «القدس«. طائفتي تدافع عن نفسها وطائفتك هي التي تطارد طائفتي. وعلى هذا المنوال تكثر الصرخات التي يدعي أصحابها «رفض« الطائفية. وهنا تصبح هذه الصرخات مادة لإشعال المعارك ضد الطائفة الأخرى باسم تخليص البلاد من براثن الطائفية، وتغرق المجتمعات في الدماء، وكل طائفة تتهم الأخرى بأنها تريد القضاء عليها والتهامها. وحين تطلب من داعية أو سياسي ينتمي لطائفة معينة، أن يتحرر هو أولا من طائفية طائفته، يجيبك أنه تحرر تماما لكن المشكلة بطائفية الآخر.

حالة الطوائف والطائفيين هذه تذكِر بحكاية حبة القمح والخوف من الديك. فالرجل الذي تقول الحكاية إنه مصاب بوهم الخوف من الديك، هو بالأساس يتوهم أنه حبة قمح يمكن بأية لحظة أن ينال منه الديك بمنقاره. وبعد علاج نفسي طويل، تخلى الرجل عن وهمه بأنه حبة قمح، وتعافى من مرضه، لكنه في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة المستشفى، استدار نحو الطبيب وقال له: «أنا يا دكتور إنسان ولست حبة قمح، لكن هل تضمن لي أن الديك اقتنع بأنني لست حبة قمح؟ فقرر الطبيب إعادة إخضاعه للعلاج من الوهم والرهاب!»

كل الطائفيين، وان اختلفت تعبيراتهم، يرون أنفسهم وطوائفهم أبرياء كحبة القمح والخطر يهددهم من الديك. والديك هو الطائفة- الطوائف الأخرى. تلك هي خلاصة الأيديولوجيات الطائفية. فكيف نتحرر من ثقافة الطوائف ونتخلص من نتائجها المدمرة، ونحن نميز طائفة على أخرى، ونبرئها من المسؤولية عن هدر دماء الفئات الأخرى، وكذلك هدر دماء الفئة الطائفية ذاتها التي تحتكر الحق والحقيقة، وتضع نفسها في مكانة «طاهرة« وتبرر سلوكها العنيف الدموي والعنصري باعتباره ضرورة لرفع الظلم عن نفسها، وتحقيق العدالة.

هذه الأوهام المتجذرة في ثقافة العدد الأكبر من الفئات الاجتماعية، المحكومة بخطاب مرجعياتها، تنتج كل يوم احتداماً للتناقضات التي يترتب عليها صراعات دموية يدفع ثمنها الطرفان وكل الأطراف، طالما «حبة القمح« مصابة « برهاب الديك«، أما الحقيقة تقول إن الجميع من الطائفيين هم في موضع «الديك«.

وليس أخطر في هذا المجال من ذلك «المثقف« مدعي العلمانية، الذي يداخل في الموضوع الطائفي، ليصل إلى استنتاجات يغلِب فيها مصلحة طائفة على أخرى، وليشرع سلوكها العدواني الهجومي، مستخدما « التحليل التاريخي« لمظلوميتها، مع إضافة مروحة كبيرة من الرغبات الذاتية، لينتصر «لحبة القمح« التي يهددها« الديك«، ويدعم أقواله وأفكاره بالإعلان المتواصل عن علمانيته وحضاريته، كي يقطع الطريق على أي توصيف له ولمواقفه بالطائفية. وأقول لهذا الطراز من «العلمانيين- الطائفيين«: إن غلاة الفاشيين والعنصريين في التاريخ السياسي العالمي الحديث، كانوا من العلمانيين. تلك هي حال النازية والفاشية والصهيونية. فالعلمانية ليست وصفة سحرية للحصول على صك البراءة من التعصب والعنصرية، ومنه التعصب الطائفي الذي ينتج الانغلاق والفاشية ويبرر كل أشكال العنف والبطش، اعتمادا على احتكار تمثيل «الله« الذي في السموات.

أعود للقول: إن التخلص من وهم حكاية حبة القمح ورهابها من التهام الديك، يبدأ من دحض أوهام الطائفية، في الطائفة التي ينتمي اليها وراثيا، هذا المثقف وذاك. وسوى ذلك يقع المثقف بوعي أو بدونه في شرك الطائفية، وبنظرة سريعة إلى ما تقدمه الصحافة والقنوات الفضائية من أصوات تصب الماء على طواحين الطائفية والتعصب واحتكار الحق وانتحال صفة الضحية لهذه الطائفة أو تلك، يتبين أن أسوأ الطائفيين، وأشدهم ضررا للوعي العام، هؤلاء الذين يبررون لطائفتهم أو لطائفة أخرى كل ما تقوم به من ارتكابات وحشية وارهابية، بذريعة أن «طائفتي على حق« أو الطائفة «الفلانية« مغلوبة على أمرها ونصرتها ضرورة وطنية وإنسانية.

في الحكاية المشار اليها، حكاية « حبة القمح والديك« كل الطائفيين، على اختلافهم، وتنوع أزيائهم، هم «ديك« يلتهم حبات «قمح« من البسطاء ويصيح أريد المزيد. هذا اذا استمر الوهم واتسعت الخرافات والأساطير، التي تبني عليها الطوائف ثقافتها التعصبية المنغلقة على ذاتها.

عن ملحق نوافذ

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق