ثورة الميني جوب من بيروت إلى بغداد / فاروق يوسف

يخبرك بأن بيروت مدينة فاجرة دائما. تتأنق ساحراتها بتهذيب مدرسي، وحين يشعرن بالاطمئنان يفتحن الأبواب على ما لا يمكن توقع حدوثه من الألعاب الخيالية التي تعيد صناعة الواقع. كما لو أن العالم يتحول فجأة إلى منصة لعروض الازياء الصيفية. تقاطعه قائلة: ولكن صبياتنا في بغداد كن يقمن على الخط الساخن الذي يرسمه في الهواء ميزان الفجور نفسه. ما كان يُرمى مثل نرد في سماء بيروت كان يجد ضربة حظّه في بغداد على أيدي نساء مغامرات، تنظر إليهن الأسر البغدادية العريقة بإعتبارهن نفائس غدٍ راقٍ سيكون بمثابة براءة اختراع.

في ذلك الوقت كان الحاج خير الله طلفحاح وهو محافظ بغداد، بمزاج عسكري صارم لا يخفي ميله إلى الفكاهة أحياناً، قد فرغ لتوّه من تأليف كتابه “اليهود والفرس والذبان”، الذي كان يضاف قسراً إلى مشتريات المرء من أسواق “حسو اخوان” التي استولى عليها طلفحاح نفسه باعتباره محارباً قديماً، وكان قد نصب نفسه رئيسا لجمعية المحاربين الذين يقر البعض منهم بأنه لم يشارك في أي حرب.

بعد كتابه المثير للجدال وقد سبقه بكتاب متسلسل حمل عنوان “كنتم خير أمة أخرجت للناس”، اتخذ قراره في صبغ سيقان الفتيات اللواتي يرتدين الميني جوب، وشقّ بناطيل الفتية الذين يرتدون الشارلستون، ومعاقبة كل شاب أطال شعره بالحلاقة الفورية أمام المارة.

كانوا يقفون عند الناصية في انتظارنا. أفراد شركته التي أسسها على عجل، وهم حشود من الصبّاغين وحاملي المقصات. كما لو أن الجميع في النهاية قد خضعوا لملاحظات مخرج خفي، ليبدأ التمرين النهائي على مشهد قد ينتهي بالصراخ والبكاء أو بالضحك اللاهي حين تتأكد النجاة.

هيبّيو الوقت الضائع

كنا يومذاك أطفالا نصف بورجوازيين. وكنا هيبّيين بجمل من البيان الشيوعي، نتلوها بصوت تروتسكي، وكان لدينا الكثير مما نخسره. لم نكن مثلاً على استعداد لأن نرى العالم إلاّ من خلال ساقين تلمعان بالأنوثة. كانت الأنوثة كلها تقيم هناك، وكان نصف ألمنا يقيم هناك أيضاً، أما النصف الثاني فكان يقيم في الكتب والأفلام واسطوانات الموسيقى والرسوم ومكاتب السفر والخرائط السياحية وأسعار صرف العملات. سنتيمتر فوق الركبة كان يرتفع بنا إلى الكوكب الذي سنقيم عليه جمهوريتنا.

كانت الأطالس بأنواعها تحتل الجزء الأكبر من مكتباتنا الخيالية، فالجغرافيا كانت لنا نوعاً فاخراً من أنواع الأدب.

“نقِّل فؤادك”، نسمعها فنضحك. كنا لا نزال في المنزل الأول. منزل رثّ، هامشي وعتيق، لم نفارقه بعد. لم نكن قد جرّبنا الإقامة في المنزل الثاني، وكان البعض منا يحلم في أن تكون له منازل بعدد النساء اللواتي حلم بتقبيلهن أو الخروج معهن في تظاهرات تطالب بعالم أخضر أو باعتناق البوذية. كان عالمنا يتمدد خارج المطابخ بالنسبة لأميراتنا الصغيرات المتمردات، وخارج الحانات بالنسبة لنا. غير أن نهاية ذلك العالم كانت تقع دائماً في بيروت. سيكون في إمكاننا هناك على الأقل أن نرى البحر.

صاحبنا القادم لتوّه من هناك يحرّك حاجبيه “وأي بحر بالبيكيني رأيت؟ من الجبل حتى الساحل، عليك أن تحتاط للمصادفات التي قد تودي بك إلى حتفك بسعادة. هناك دائما أنثى متوحشة، يمكنها أن تلتهمك. أيها الساقي إليك المشتكى. كنا نجلس في حانة المرايا بشارع السعدون، قبل الكرادة بشارعين، وكنا لا نزال أطفالاً شبه يساريين أفسدتهم قراءة الروايات الأجنبية. كم كان مكلفاً الحديث عن آخر صيحات الميني جوب في بيروت في الوقت الذي كنا نشهد حرب شوارع بين صديقاتنا الأمازونيات، وهنّ فتياتنا الجامعيات، وبين مقاتلي الآوس والخزرج من أتباع طلفحاح الواقفين عند مخرج كل شارع كأنهم بقايا آلهة شمعية ذوّبتها شمس تموز. كانت الحرب يومها قائمة.

المعقدون في مقهى

كان النظام السياسي قد وضع أعداءه على جبهات مختلفة، وكان هناك قصر النهاية الذي يديره ناظم كزار، بشغف قاتلٍ خرج لتوّه من روايات التعذيب الذي شهدته القرون الوسطى. كان على مقهى المعقدين أن يستعد للغزوات اليومية على الرغم من أن الشيوعيين، وهم العدوّ المتخيل للسلطة، لم يكونوا من روّاد ذلك المقهى. كان الزبائن في معظمهم عبثيين، عدميين، باعة أفكار لا تصلح للتسويق، وكانوا مشاريع انتحار زائفة. صار ابرهيم زاير الذي انتحر في بيروت نبيّهم. لم يكن لدينا يوم التحقنا هاربين بذلك المقهى، سوى أن نفكر في تلك الحرب التي شنّها النظام على السنتيمتر الذي يقع فوق الركبة، وهو عالمنا الاستثنائي، الذي تنزلق على تلاله قصائدنا.

”طالعلك يا عدوي طالع/ من كل بيت وحارة وشارع“. مَن أعلن الحرب على الآخر؟ كان علينا أن نجرّب تقنيات حرب المدن بأسلوب”الألوية الحمر“. نختفي ونظهر بين توقيتين، أحدهما شتوي وقد اختارته الحكومة استجابة لرغبتها في النوم ساعة إضافية، والآخر صيفي توهم الكثيرون أنه من صنع الطبيعة. كما لو أنهم رأوا من قبل شجرة تضع ساعة على معصمها. كانت حرب الميني جوب واحدة من أعظم الحروب الأهلية وأكثرها نبلاً. يومها رأيت شرطيا يبكي.”مَن رأى منكم شرطيا فليذبحه“، كان يسار اليسار ينادي من المستنقعات المائية في الجنوب، هناك حيث بدأ الكفاح المسلح مستنيراً بفكر الالباني أنور خوجه. كم كنا سذّجاً لنضحّي بالميني جوب من أجل خوجه الذي لم يكن أحدٌ منا قد رأى صورته. لم نكن نعرف يومذاك أن خوجه كان فقاعة صينية. كانت الصين يومذاك بالنسبة لنا عبارة عن شو إن لاي. كان خوجه طارئاً على المشهد، وهناك مَن يقول في بغداد”خوجه علي ملا علي”، أي مثلما بدأنا انتهينا. الفوضى تعيدنا كائنات جنينية إلى الأرحام، يحميها خفاؤها من الحسد. لكننا حتى وإن كنا في تلك الحال، فقد كنا نملك عيوناً لترى. كنا نفرّق بين ركبة وأخرى. من الألف إلى الياء، كانت الركب النسائية تأخذ تسلسلاً أبجدياً من حيث قوة جمالها.

غير أن ما يجب أن أعترف به هنا، أننا كنا على ثقة بأن ما من ركبة نسائية ليست جميلة. وهذا ما جرى الاتفاق عليه بعيداً من الخلافات العقائدية. كانت الركبة يومذاك ميزان معاصرتنا الوحيد، فيما كان ثوار الكفاح المسلح يأكلون السمك المسقوف ويفطرون بقشطة حليب الجواميس ويغازلون نساء المعدان في الأهوار التي صارت هدفاً عسكرياً. لا أحد منا في تلك الأزمنة كان يفكر في إعادة صياغة صورة بغداد، بما يجعلها مدينة أخرى. كنا بغداديين، وإن كان أجدادنا مهاجرين إلى بغداد من ممالك واقطاعيات تاريخية غطّاها الزمن بغباره.

اقتراح بغداد الذهبي

كان الميني جوب الذي جمعنا من حوله، اقتراحاً بغدادياً خالصاً. معجزته أنه وضع المرأة البغدادية في قلب دورها التاريخي رائدة تغيير وعنوان تحول نحو المستقبل. هذا ما جعل السلطة تشعر بالغيرة منه. كان التغيير الذي أحدثه الميني جوب أمضّ اثراً وأكثر ثوريةً من خطط التنمية الخمسية التي لن تضفي قدرا من السعادة على الحياة، مثلما فعلت تلك التنورة القصيرة. أما كان في إمكان السلطة أن تثق بشعب سعيد؟

حين شنّ طلفاح حربه على الميني جوب لم يكن يفكر في سعادتنا.

لقد انتصرت السلطة على التمرد النسائي. انتصرت علينا وانحسر الميني جوب يومذاك، غير أن ذلك التمرد لم يختف إلاّ بعدما دوّن درسه التأريخي في متحف الخيال البشري. تركت تلك الحقبة صوراً، والصور لا تكذب (لم تكن تقنية الفوتو شوب قد اخترُعت، لذلك كانت كل الصور حقيقية). كانت البغداديات يفاخرن بأناقة أجسادهن التي تخترع نسبة ذهبية أخرى للجمال، لم يكن دافنشي قد تعرف إليها. لم يكن كل جزء من أجسادهن في مكانه، غير أن الجمال كان يجهش بالبكاء. البغداديات حلوات وهنّ يخرجن من الماء مثل الحوريات.

سترى المنقبات صوراً لجداتهن بالبيكيني وهنّ مستلقيات على الارائك في مسبح نادي العلوية، مطمئنات إلى غزل شمس حزيران. ألم تكن هناك تكية يومذاك أو حسينية؟ تنظر الفتيات القادمات من عصر آخر إلى تلك الصور بحسد يغلب عليه الهيجان. حتى بيروت كانت قد هُزمت حين أُجهض تمرد الميني جوب في بغداد. بيروت لم تعد بيروت المحلوم فيها. بيروت التي تضع ساقاً على ساق وتتطلع إلى صخرة الروشة، ذهبت هي الأخرى إلى ألبوم الصور القديمة. كم تغيّرنا! ولكن هل تغيّرنا حقاً؟

النفط الذي أحرق المراكب

كان من الممكن أن يكون الميني جوب فاصلة بين زمنين، وكان اليغداديون الذين سمحوا لبناتهم بالخروج بملابس قصيرة يستعدون لبناء بلد خيالي يشبههم. بلد تكون فيه حرية المرأة عنوان ذهابه إلى المستقبل. غير أن البدو، وقد عصفت بعقولهم ثروة النفط المفاجئة بعد التأميم، كانوا يرسمون خرائط لبلد سيكون منسجماً مع مقاساتهم. خرائط لا تتسع لسيقان النساء اللامعة. لقد انتهى يومذاك زمننا. زمن الهيبّيين بجمل مستلهمة من البيان الشيوعي. لقد هُزمنا. كانت بيروت هي الآخرى تستعد لهزيمتها الكبرى. كم كنا نعتقد أن رأس بيروت هو رأس العالم.

هرب يساريّونا (الطفيليون) يومذاك إلى بيروت من أجل عينَي أنور خوجه أيضاً. كانت خزانات الملابس مكرهة على استقبال أجمل الملابس القصيرة التي تم غسلها وكيّها وترتيبها بطريقة ملكية باعتبارها ذكرى من بلد لا يمكن استعادته. أما كنا نقف جميعاً من أجل تحية العلم يوم الخميس؟ كان السبت موعدنا ولم يكن السبت بقريب. كان علينا أن نقفز على جمعة، لم تكن في حقيقتها إلا هدنة بين شعبين متحاربين. كل شعب بجمعته يخترع سبتاً يكون مناسباً لخيال خميسه. هل كانت للأسبوع سبعة أيام دائماً؟ كان نهاراً إلهياً ذلك الوقت الذي قرر فيه طلفحاح، وهو والد زوجة الرئيس المستقبلي، أن يواجه الجمال بالعصا. بدأ العصيان في الخميس وانتهى في السبت، ولا تزال التنورات القصيرة في الخزانة المنزلية مكوية تنتظر أن تمتد إليها يد.

كانت ثورة الميني جوب التي لم ينتبه إليها المؤرخون واحدة من أعظم الثورات التي شهدها العالم العربي في تاريخه المعاصر.

عن ملحق النهار

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق