عند العرافة

جلسْتُ.. تبدو في الأربعين من عمرها رغم أن وجهها يشع شبابا كأنها لا تزال بسن العشرين، شكلها ولباسها عادي، يبدو كل شيء طبيعيا، لا وجود لشموع أو ظلام أو ما سواها مما يتعلق بالشعوذة، ليست كما تصفها الحكايات الشعبية أو كما تظهرها الأفلام ! أدخلت يدي في جيبي وأخرجت 20 درهما مكوّنة من قطعيتين نقديتين هي كل ما لدي أعطيتها قطعة 10 دراهم واحتفظت بالقطعة الأخرى. أخدتها، فابتسمت وقالت : ـ أما زلت تدرس ؟

ـ نعم، السنة الأخيرة ..

اختارت بطاقتين من الكارت الذي تحمله وأمرتني بأن أضعهما بيدي اليمنى على الجانب الأيسر من صدري (فوق القلب)، فعلتُ ما أرادت، أعدت لها البطاقتين فوضعتهما بين البطاقات الأخرى وأعادت ترتيبهم بحركة كأنه سبق لها واشتغلت بنادي للقمار! وضعت الكارت على الطاولة مقسما إلى ثلاث مجموعات وقالت :

ـ ضع سبابة يدك اليمنى على المجموعة الأولى وقل “ما أفكر فيه”، وعلى الثانية وقل “ما أريده”، والثالثه“”ما سيأتيني“..

ـ ما أفكر فيه، ما أريده، ما سيأتيني.

ـ كرِّرها مرتين (رَدّدَت) ..

بعدها جمعت البطاقات وأعادت ترتيبها بنفس الحركة السابقة، وفرشتها على الطاولة بشكل أربع بطاقات أفقيا وعشرة عموديا، كمستطيل من أربعين بطاقة. ظلت لبرهة صامتة ثم قالت : ـ أنت تفكر في فتاة سمراء.

أردفت أنا ساخرا : بل قولي سمراوات !!

ارتسمت ابتسامة بالكاد حركت فيها شفتيها وردّت: ـ السمراء تفكر فيك كذلك لهذا ظهرت فلا تقاطعني مرة أخرى.

ـ أيعقل أن تكون”هند“(قلت في نفسي)..

ـ أنت تريد الحصول على وظيفة ؟ (”كيف عَرَفَت “!) ستحصل عليها بعد ثلاث أزمنة.

ـ قاطعتها متسائلا : ثلات أزمنة ؟

ـ ردّت : يعني ثلاث مدد زمنية، أي بعد ثلاث شهور أو ثلاث فصول أو حتى ثلاث سنوات، الكارت لايحدد..

قلت لنفسي : سيكون رائعا لو حصلت عليها بعد ثلاث شهور مباشرة مع نهاية الصيف.

جمعت الكارت ونظرت إلي. سألتها مستغربا : ماذا عن الثالثة ؟

ـ أي ثالثة ؟

ـ”ما سيأتيني“؟

ـ لقد أخبرتك أنك ستحصل على وظيفة !

.. آه فعلا، أفكر في السمراء وأريد الوظيفة وسأحصل عليها !

ـ العملية الواحدة ب10 دراهم، إن كنت لن تدفع يلزمك الانصراف فلدي العديد من الزبائن بالانتظار.

يكفي هذه المرة، شكرتها وقبل أن أنصرف سألتها: ألم يظهر لك أني سأتزوج تلك السمراء ؟!

ـ لقد أخبرتك كل ما رأيت..

خرجتُ من الصالة والخادمة ترافقني لباب البيت وإحساس غريب يتملّكني، كأنني دخلت وخرجت شخصا آخر ! كأن حالتي النفسية تغيّرت !

********************************

تمعّنتْ جيدا في الكارت المفروش أمامها، ثم نظرت إلي وقالت : أتفكرين في الزواج ؟

ـ طبعا فأنا في الثامنة والعشرين ولازلت أنتظر فرصة (أجبتها).

ـ انظري إنني أرى هنا عريسا، لكن شيء ما يمنعه من الظهور (وتابَعت) لست متأكدة إن كان هذا ما.. هل سبق وأن فشلت علاقاتك السابقة في أمور الزواج ؟

ـ فعلا، إما نتخاصم أو يتراجعون عند آخر لحظة !

أعادت للكارت تحاول كشف رموزه، ثم نظرت إلي مجددا وقالت: ـ إن إحدى صديقاتك هي السبب.

ـ هل تعنين بذلك أنها قامت لي بعمل سحر ؟

ـ ردت: لا ! لاأقصد هذا! ما قصدته هو أن إحدى صديقاتك تتدخل لإفشال هذا الأمر.

ـ لا زلت لم أفهم بعد ؟

ـ هل لديك صديقة تعرف الكثير من الأمور عنك ؟

ـ بل قولي أغلب صديقاتي.

ـ جيد، فما أريد أن أقوله أن إحداهن تخبر كل من يتقدم لخطبتك أمورا سيئة عنك.

صدمني هذا الأمر!! لكني تداركت نفسي وقلت لها : ـ كان يخامرني بعض الشك، لكني الآن صرت متأكدة وهذا بفضلك.

ابتسمت وجمعت بطاقات الكارت، ثم أعادت ترتيبها. وضعتها أمامي مرةً ثانية مقسّمة لثلاث مجموعات، لأكرر الأمر كما سبق: ”ما أفكر فيه“، ”ما أريده“، ”ما سيأتيني“ لثلاث مرات متتالية. فجمعتها وأعادت ترتيبها لتفرشها من جديد فوق الطاولة.

ـ هل تفكرين في السفر ؟ (سألتني).

ـ نعم أحب أن أقضي العطلة في مكانٍ مختلف.

ـ ستسافرين في القريب، لكن قبله ستحصلين على قدر من المال غير محدد.. قاطعتُها : ـ فعلاً أخبرني أخي أنه سيرسل لي مالاً قبل حلول العطلة.

ـ هل لديك مشكل عائلي ؟

أجبت باندهاش :

ـ نعم إن والدي.. قاطعتني : ـ قصدت مشكلا عائليا يتعلق بك.

صمتتُ لبرهة ثم قلت : ـ أمي تريد أن تزوجني لابن أختها، وأنا أرفض ذلك.

ـ هل لأنك لا تحبينه ؟

ـ ليس هذا فقط، ماديا لا يستطيع أن يحقق لي ما أرغب فيه أي لا يمكنه أن يوفر لي الحياة التي أريد.

ابتسمت وقالت: ـ ماذا لو أخبرتك أنه سيصبح ثريا ؟!

لم أدري بماذا أجيب : ـ يجب أن أفكر في الأمر ! هل فعلا سيصبح غنيا ؟!!

ردت وهي تحاول كتمان ضحكتها: ـ لاأظن! لكن كوني متأكدة أنك ستتزوجين آجلا من شخصٍ من النوع الذي تفضلين.

حاولت أن أخفي فرحتي حتى لا تظهر على وجهي. شكرتها بعد أن قامت بجمع الكارت للمرة الثانية.. يكفيني كل ما سمعته اليوم.

رغم حيرتي حول شخصية هذه العرّافة، أهي فعلا تمتلك قدرة على كشف الأحداث ؟ أم تقرأ أفكاري؟ أم أن لديها مهارة تمكّنها من التلاعب بعقلي؟! هذا لايهم، ما يهمني هو أنني صرت متأكدة أن”منال” كانت خلف فشل زيجاتي، الحسودة ! كنت أعاملها مثل أختي. فقط فارس أحلامي الذي أخبرتني العرافة أنه آتٍ، هو من خفّف عني وقع طعناتها عليّ. وهذه المرة لن أعرّفه علي أيٍ من إحداهن !
*************************************************************************

ـ هل تعلمين أن زوجك يخونك ؟ (سألتِ العرافة).

ـ منذ مدة وأنا أشك بذلك ! هل ظهر لك ذلك فعلاً ؟!

ـ ليس بالتأكيد، لكن أظن أنه تربطه علاقة بامرأة أخرى !

ـ امرأة اخرى؟! هل تستطيعين تحديدها، أرجوك !!

ـ هذا ليس بيدي، أنا فقط أحاول تفكيك رموز الكارت.

ـ فككي فككي، ولك مني ضعف المبلغ..

لم تقم بأي رد فعل، ظل تركيزها منصبا على أوراقها وكأنها لم تسمع جملتي الأخيرة. نظرت إلي بعد برهة ثم قالت: ـ أنا أعرف أنك تنتظرين مني أن أحدد لك المرأة، لأنك تشكين بإحدى رفيقاتك أو معارفك.. (كنت أود مقاطعتها وتأكيد ما قالته لكنني فضلت الصمت حتى تُكمل) لا ولا واحدة منهن، إنها مجهولة بالنسبة لك .

ـ الخائن!! عشرين سنة من العِشرة وفي الأخير يفضل عاهرة عني، ما الذي ينقصني، مالذي تقدمه هذه العاهرة ولا أستطيع تقديمه أنا.. (فجأة تداركت أني أتكلم بصوت مرتفع) لما أخجل وهي تعرف عني كل شيء ؟! تابعتُ ما كنت أقوله (أفكره) بصوت مرتفع : ـ لن أسمح بالخسيس أن يستبدلني بها، لن أترك العاهرة تنعم به..

أخرجتني من فورة غضبي بقولها (هامسة كأن أحداً سيسمعنا) : ـ سأساعدك ؟

لم أعرف ماذا انتابني عندما نطقتها. استطاعت أن تخمد ثورة غضبي ! لأسألها : كيف ؟

ـ يكفي أن تحضري لي ديكا أسود.

ـ ديك أسود ؟!!

ـ أجل.

لم أرغب في المزيد من التوضيح أو سؤالها عما ستفعله، لقد وصلنا لهذا الحد وهذا كاف !! ـ هل تعلمين .. صمتتُ لبرهة ثم تابعت: هل تعلمين أني بعد زواجي صرت أداوم على زيارة العرافات؟ (تنظر إلي دون أن تنبس بكلمة كأنها تنتظر مني أن أُكمل) بعد زواجي بمدة، أصبحت أشك في تصرفات زوجي، وتأكد شكي بصديقاتي اللواتي كن يلمّحن لي ومنهن من كانت تخبرني بصراحة عن رؤية زوجي مع امرأة أخرى.. مع ذلك كنت أصبّر نفسي متوهمة أنهن يحاولن إغاظتي بسبب حياتي، فكل شيء متوفر لدي، أقتني كل ما أريد، لم نتخاصم أنا وزوجي يوما بسبب المال. بخلافهن، يعشن في خلاف وصراع مع أزواجهن بسبب مشاكل اقتصادية. أما أنا فلا أشكو من هذا الأمر، أقتني كل ما أريد وحتى ما لا أريد.. أحس كأن زوجي يعوّض عن ذنبه في هذه المسألة ! فهو لم يسألني أو يحاسبني يوما عن ماله في ما أُبذرّه ! أين سأجد حياة مثل هذه ؟! لا لن أجدها، فأنا تربيت في أسرة فقيرة وأقدّر جيدا ما أنا فيه بسبب هذا الزوج، لهذا كنت أزور العرافات لأنني أحتاج لمن أحكي له عن هذا الأمر وأفرّغ له، ولا أجد غير العرافة أبوح لها بما لا أستطيع أن أبوح به لشخصٍ آخر، وعندما أخبرتِني بأنك تريدين مساعدتي وعن الديك والسحر وما سوى ذلك. لا أرجوك! لا أريد أن أخسر زوجي أو أتسبب في أذيته.. لا.. لا أضمن أن رجلا آخر قد يحقق لي نفس المستوى المعيشي، هذا إن لم يخني كذلك. تخيلي الفقر والخيانة !! لا لن أطيق الأمر!! أما عن الشابة التي أخبرتني عنها فهي فتاة تشتغل بالحانة التي يرتادها. يوم أُغمي عليه في الحانة نقلوه للمستشفى، وعندما ذهبت لزيارته بعدما اتصلوا بي، وجدتها هناك، فأخبرتني أنها صاحَبته بسيارة الإسعاف حتى تطمئن على حالته لأنه من الزبائن المهمّين .. عرفت ساعتها أن علاقة تربطهما !

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق