هذه النّسخة الحربيّة من الإسلام

بمناسبة ذكرى غزوة بدر، 17 أو 18 رمضان، أراق الجهاديّون دماء جنودنا في تونس لسنتين على التّوالي، ويهدّدون اليوم بالمزيد من إراقة الدّماء في كلّ البلدان العربيّة التي تشهد تناميا أو طغيانا لهذا الحلقة الأخيرة من حلقات الإسلام السّياسيّ الحاملة حلما مزدوجا هو تطبيق الشّريعة وإقامة الخلافة مجدّدا.

وقد ظلّ الوعي المؤامراتيّ مهيمنا على فكرنا وخيالنا السّياسيّين، بحيث نسقط العوامل الخارجيّة على علاقتنا بالدين، فنرى أنّ المخابرات الأجنبيّة وإسرائيل والقوى العظمى التي تحميها ي المتسبّبة الوحيدة والمباشرة في العنف الدّينيّ والإرهاب.

إنّ للرّهانات الاستراتيجييّة، وللسّينيزم التي تتعامل به القوى العظمى مع قضايا الشّرق الأوسط دورا في تنامي الإرهاب، وفي اتّخاذه مؤخّرا شكل دولة خلافة مدّت أطرافها على سوريا والعراق ووصلت إلى ليبيا. لكنّ ما يفسّر انجذاب الشّبّان إلى يوطوبيا الخلافة والشّريعة وهجرتهم إلى مناطق الصّراع ثمّ إلى “الدّولة الإسلاميّة” ليس من هذا القبيل. هناك حاليّا الكثير من المخابر البحثيّة الأوروبّيّة والتي تدرس ما يسمّى بـ“مسارات التشدّد”. وما تتّفق فيه هذه الأبحاث، أو على الأقلّ ما أتيح لي الاطّرع عليه هو أنّ هؤلاء الشّبّان ينحدرون من بيئات مختلفة، ولهم تركيبات نفسيّة مختلفة، لكنّ ما يشتركون فيه هو انزلاقهم بسرعة كبيرة إلى تجربة الهجرة والجهاد، وانعزالهم عن أسرهم واعتزالهم تعليمهم أو أعمالهم، وتغييرهم أسماءهم ونمط حياتهم، ولامبالاتهم بالموت والقتل. وهو ما يؤكّد أهمّيّة العوامل العقديّة، وأهميّة عامل التّماهي في هذه التّجارب.

ما أريد أن ألفت إليه الاهتمام هو نقطة كارثيّة تتعلّق بهذا التّماهي، وتتعلّق بأهمّيّة صورة النّبيّ المحارب، وبشيوع صورة للإسلام في تدريسه والدّعاية له، هي صورة الإسلام في نسخته الحربيّة المتمثّلة في الحروب والغزوات وكسر الأصنام. هذا التّماهي وهذه النّسخة من الإسلام هما المحرّك الأساسيّ لنزعات الجهاد لدى هؤلاء الأفراد.

هناك إسلام شعبيّ متنوّع أنتروبولوجيّا هو بمنأى عن هذه النّزعة الحربيّة، وهناك إسلام روحانيّ صوفيّ، أنتج فلسفات راقية وتجارب باطنيّة مدهشة مثل تجربة الشّيخ محيي الدّين بن عربيّ. لكنّ الدّعاية الوهابيّة والحركة الإخوانيّة وما تفرّع عنها من حركات جهاديّة أدّت إلى تكريس هذا النّوع من الإسلام الحاقد المدمّر.

وبما أنّ عيد الفطر على الأبواب، وبما أنّنا منذ كنّا أطفالا قد عوّدونا على عرض شريط “الرّسالة” كلّ يوم عيد، أقول إنّ أوّل طريق على درب اتّخاذ مسافة من هذا الإسلام الحربيّ هو الامتناع عن عرض هذا الشّريط الذي يكرّس مشاهد الحرب والقتل. فأنا أعتقد أنّه ساهم في تماهي الكثير من الشّبّان مع الغازي المسلم، وساهم في نشر الإسلام من حيث هو حرب على الكفر، لا من حيث هو تجربة روحيّة ذاتيّة أو من حيث هو بعد من الأبعاد الثّقافيّة لمجتمعاتنا. 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق