إمرسون والإغريق

” كل إنسان يمر شخصيا بفترة إغريقية ” رالف والدو إمرسون

 

« Je me promène dans une nature semblable à celle où marchèrent les anciens prophètes et poètes, Manu, Moïse, Homère et Chaucer» Henri David Thoreau

أبادر إلى التأكيد على أن وقع عبارة “إمرسون والإغريق”، يختلف عن وقع  عبارة مارتن هايدغر “هيغل والإغريق”، التي تأسست على  التفكير في الإغريق كبداية للفلسفة وفي هيغل كتمام وانهيار لها(1). وللتخفيف من وقع هذا الحكم، وجب التنبيه إلى أن العبارتين تجمعهما  قضية الفكر ومهمة الفلسفة ، ويفرقهما  كيفية العودة إلى الأصول الكلاسيكية للفكر، والموقف من الثنائية الصلبة التي شغلت الفلاسفة والحكماء واللاهوتيين : ثنائية الروح والجسد. ما يهمنا في هذه المقالة هو بسط تلك العلاقة التي ربطت والف والدو إمرسون بالإغريق، واستعادة تساؤله حول  ذلك الإهتمام الذي يحمله جميع البشر بتاريخ الإغريق، وكتاباتهم، وفنونهم، وأشعارهم(2). ففي هذه الأعمال، يكون السحر الأسمى، هو اللغة الكونية التي تتحدث بها هذه الأعمال(3).

الإغريق: تمجيد الجسد والحواس

يعتبر  الأديب والشاعر والفيلسوف الأمريكي رالف والدو إمرسون(1803-1882)، من أعلام الفلسفة المتعالية، ودعاة الفردانية والإعتماد على الذات. تأثر خلال تكوينه الفكري بالفلسفة الألمانية (كانط أساسا)، والشعر الأنجليزي(وردزورث وكولريدج) ومعتقدات الحركة التطهيرية والفلسفات الشرقية واليونانية(أفلاطون بالخصوص). ويبدو أن تأثير الفلسفة اليونانية على إمرسون كان ضعيفا مقارنة مع  النزعات المثالية والرومانسية. لكن لقاء إمرسون بالإغريق من خلا كتابات هيرودوتس وثيوسيدايديس وزينوفون وبلوتارك، واطلاعه على فنونهم وآدابهم وفلسفاتهم وأساطيرهم،  كان له وقع خاص على فكره و نظرته لنفسه و للناس وللطبيعة.

تظهر علاقة إمرسون بالإغريق في ذلك الإعجاب الكبير بالإنسان الإغريقي نفسه، فلا يتعلق الأمر عنده باكتشاف الفكر لذاته ولا الوصول إلى الحقيقية، ولا الإعلاء من شأن مملكة الحقيقة الخالصة/الفلسفة. فإغريق إمرسون هم حالة، أي مرحلة الطبيعة الجسمانية واكتمال الحواس، إنها الطبيعة الروحانية التي تتجلى في وحدة الجسم(4). تلك الوحدة التي تظهر في التنسيق المتكامل بين الوجه وملامحه المحددة، والعينين ونظرتهما الحادة. إنها مزايا الشخصية الإغريقية التي  عملت كل ما في  جهدها كي تتملك ذاتها وتبنيها، عبر ذلك العمل الشاق والمران الدؤوب، غاية في اكتساب قيم الشجاعة والقوة والخفة؛ قيم الأداء الرائع بتعبير إمرسون. فالإغريقي يعطي بقدرما يأخذ، يؤكد والف والدو إمرسون.

الإغريق: أطفال مبدعون

إن إعجاب إمرسون بالإغريق، راجع إلى بساطتهم، وفتنتهم، وتصرفاتهم كأطفال. إنهم يجمعون بين طاقة الرجولة وعفوية الطفولة الآسرة وجاذبية السمات(5)، التي مكنتهم من فك شيفرة “معنى الوجود”. يظهر ذلك في التأثير “المخدر” الذي تحدثه أعمالهم الإبداعية على الفكر والجسم، الشئ الذي دفع إمرسون إلى التأكيد على عظمة الإبتكار والإتقان في إبداعاتهم وكأنها خرجت من المشغل المتفرد لفنان واحد. إنه إبداع فنان، أراد خلق عمله دون أي نموذج آخر سوى الحياة، الحياة المنزلية، والعلاقات الشخصية الحلوة والذكية، ونبض القلوب، والقاء العيون؛ والفاقة والضرورة والأمل والخوف(6). نفس التأثير مارسته الأساطير الإغريقية على إمرسون، يقول :”عند قراءة تلك المناجات التي كتبوها للنوم، وللنجوم، والصخور، والجبال، والأمواج، أشعر بالزمن يرحل مثل البحر في حالة الجزر، أحس أبدية الإنسان، ووحدة الفكر(7). إن أساطير الإغريق الجميلة، عبارة عن حقائق أبدية لكونها  من نتاج المخيلة لا الخيال، أي مدى للمعاني وأي علاقة دائمة مودعة في قصة بروميثوس”(8). أما في فن العمارة، فيظهر ذلك التعنيف الذى مارسته قوى الطبيعة على الإنسان الإغريقي، والذي استحال إلى أسلوب في الهندسة المعمارية، يقول إمرسون:” لقد رأيت في السماء سلسلة من البروق الصيفية التي أظهرت لي على الفور أن الإغريق نقلوا عن الطبيعة الصاعقة التي رسموها بيد جوبيتر وقد رأيت تكدس الثلج على جوانب الجدار الحجري الذي لا شك أنه أعطى الفكرة القائمة وراء الطريقة المعمارية المألوفة في التشييد الإرتكازي للأبراج(9). لن نبالغ إذن، إذا قررنا بأن الفن الإغريقي علامة على العبقرية والتفوق والرغبة في الأبدية.

علاقة الإغريق بالطبيعة والحياة

لا يمكن كشف سر حب الإغريق للحياة دون إبراز علاقتهم بالطبيعة ومحاورتهم لها. تلك العلاقة التي تطلبت منهم بناء ذواتهم ونحث أجسادهم بواسطة التمارين والمنافسات الرياضية، وإنعاش عقولهم عن طريق التفلسف والرياضيات والفلك، وفنون الموسيقى والشعر والرقص، والتي سمحت لهم بفك وتركيب الأجنحة للطبيعة. بل تحولت هذه العلاقة إلى افتتان وصداقة، تريد الثرثرة المدرسية أن تقنعنا بازدرائها(10).

ينبع إعجاب إمرسون بالإغريق، أيضا، من تلك العلاقة المتميزة  التي أقاموها مع الوجود. لقد كانوا مفعمين بالطيبة تجاه الحياة، متعطشين إلى الجديد والمهم والمثير، ومهووسين بالرغبة الشرهة في إثيات الذات. إنها رغبة مبنية على تفعيل مجهودات الأفراد وقدراتهم، غاية في تحقيق النمو الذاتي والجماعي، وترك “ذكرى حلوى” لأجيال المستقبل ممثلة في الأعمال الفنية والأدبية والفلسفية والعلمية والعمرانية الخالدة. إن الأعمال الإبداعية للإغريق هي علامات على القدرة، إنها موجات أو ترقرق في النهر الجاري؛ دلائل على الجهد الدائم من أجل الإنتاج (11)، والحياة، وإثارة الإبتهاج والفرح والسمو.

إن لقاء إمرسون بالإغريق جعله يدرك الحقيقة كعلاقة بالتجارب السرية، ويؤمن بدور الفكر في حل مشاكل العصر. لذلك دعا إلى الرجوع إلى المصنفات الكلاسيكية ومصاحبتها، لأنها تنمي ملكة اليقظة والإنتباه إلى ما يجري في الحاضر، وتعلم كيفية ممارسة الحياة والعيش بقدسية، وتحرض على إقامة علاقة أصيلة مع الكون، بتعبير إمرسون. في هذا السياق يأتي تشجيع رالف والدو إمرسون على الإنفتاح على التجارب الإنسانية الفردية والجماعية الناجحة وإمكانية تكرارها، ومناداته إلى تحقيق الذات، هنا والآن، عبر اكتشاف أرض جديدة مع شعب جديد، كما كان يأمل نيتشه.

الهوامش:

1-مارتن هايدغر: هيغل والإغريق، مجلة الجدل، عدد2، خريف 1999، ص80.

2-رالف والدو إمرسون، مقالات إمرسون، السلسلة الأولى والثانية، ترجمة أمل الشرقي، الدار الأهلية للنشر والتوزيع، عمان، 1999، ص17.

3-إمرسون: مقالات إمرسون، ص175,

4-مقالات إمرسون، ص17.

5-مقالات إمرسون، ص18.

6-مقلات إمرسون، 175.

7-مقالات إمرسون، ص19.

8-مقالات إمرسون: ص20 وص21.

9-مقالات إمرسون: ص15

10-مقالات إمرسون: ص260.

11-مقالات إمرسون: ص177.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق