الشاعر سعدي يوسف يحيّي إرهابيّ سوسة / عادل الحاج سالم

أصدر الشاعر العراقي المقيم في لندن سعدي يوسف نصا يوم 29 جوان 2015 بعنوان “شواطئ تونس” أثار ردود فعل تردّدت بين الاستغراب والتنديد لما فيه من تلميحات إلى كون منفذها قام بعمل “تحريريّ” ومقارنات بينه وبين الشهيد خليل الوزير “أبو جهاد” والشهيدة سناء محيدلي، وقد نشرها الشاعر في موقعه الخاصّ مع صورة الإرهابي مبتسما بعد حذف الرشّاشين المحيطين به في الصورة الأصلية التي نشرتها مواقع قريبة من التنظيمات الإرهابية بعد مقتله في سوسة.

هي صدمة أخرى؟؟ لا أظنّ فالرجل في منفاه اللندنيّ منقطع عن الأرض، أيّ أرض فيها طعم العروبة، ومنقطع عن الواقع وعن تطورات الفكر الذي يتبنّاه، لم تبْق من يساريته القديمة إلا كلمات ممجوجة تعادي الدين معاداة سطحية واستعدائية أحيانا قد تفيده في تأكيد استحقاقه هذا المنفى وتنفخ في شهرته التي لم تسلم من تأثير الزمن وتغيّرات الوضع في هذا الشرق الذي لم يعد وقع الصراع بين حلفي الأطلسي وفرصوفيا غير صدى لا يكاد يفارق كتب التاريخ.

سعدي يوسف اسم ستّينيّ وربّما اعتبرناه تجاوزا سبعينيّا نال شهرة أكبر من إنجازاته الإبداعية لأنّه التصق باليسار العربيّ واليسار الفلسطينيّ تحديدا، ولأنّه كغيره من عشرات المبدعين العرب ضاقت عنه بلاده لأنها كغيرها من بلاد العرب لا تحتمل رأيا مخالفا –ولا يعني هذا إطلاقا أن هذا الرأي المخالف أفضل من الرأي السائد أو الآراء المخالفة الأخرى- فصنع منه هذا الضيق “بطلا” في عيون الكثيرين، لأننا جعلنا من المنفيين آلهة ولو كان منفاهم مخمليّا ناعما يُرزقون فيه بغير حساب…

سعدي يوسف لم يجد هذه المرّة سبيلا إلى التذكير بوجوده وعبقريته إلا محاولة استثمار المجزرة المروّعة التي “أبدعها” الإرهابيّ سيف الدين الرزقي..

هناك في لندن، عاصمة البلد الموجوع بفقدان ما لا يقلّ عن 28 من أبنائه، وفي مكتب ما، أو ركن ما من مقصف أو مقهى لندنيّ ينعم فيه بكلّ الأمان، يعقد سعدي يوسف مقارنة بين الإرهابيّ الرزقي والقياديّ الشهيد أبو جهاد…ألم يسقط كلاهما على شاطئ تونسيّ؟؟ وكأنّ هذه الحجّة مبرّر للحطّ من قيمة الشهيد أو للرفع من قيمة الإرهابيّ؟ لا أعلم تحديدا فالجمل الموالية تقول الشيء ونقيضه: تقول إنّ الرزقي لم يقتل تونسيا واحدا وكأنّ الأرواح تُصنّف بالجنسيات، وتقول إنّه كان مبتسما وكأنّ ابتسامة القاتل عنصر تخفيف، ثمّ يكشف سرّ اختيار الشاطئ عنصرا للمقارنة بين الشهيد والمجرم العتيد، فيقترف جملة إرهابية “ألا شيْ يجمع بينه وبين سناء محيدلي وهي تطأ للمرة الأولى شاطئاً فلسطينيّاً؟
شاطئاً محتلاًّ”…

هكذا إذن؟ إصرار على توصيف الجريمة بأنها “استشهاد” ومزايدة بمقارنة شاطئ سوسة بشاطئ فلسطين المحتلّة، ومقارنة –مرّة أخرى- للإرهابيّ سيف الرزقي بالفدائية البطلة سناء محيدلي التي لم تقتل سيّاحا آمنين بل قتلت جنودا في جيش عدوانيّ محتلّ…

حضور “الشاطئ” في نصّ المبدع السابق، بدأ من عنوان نصّه الخالي من الشعر ومن الشعور، ومن شاطئ سيدي بوسعيد الذي شهد استشهاد القيادي الفلسطيني على أيدي كتيبة موت صهيونية إلى شاطئ فلسطين الذي شهد استشهاد المناضلة اليسارية اللبنانية سناء محيدلي وهي تفجّر حاجزا للجنود الصهاينة (غير صحيح موتها على شاطئ فلسطيني لأنّ سناء محيدلي قامت بعمليتها الفدائية في باتر-جزين على الأراضي اللبنانية، ولكن يبدو أن سعدي يوسف نسي أو خانته ذاكرته الجغرافية) وصولا إلى شاطئ سوسة وسقوط الإرهابي الرزقي: فهل هو إيحاء بأنّ قتلته صهاينة أو مثل الصهاينة؟؟ هذا ما يوحي به النص على الأقلّ..

شاطئ فلسطينيّ محتلّ (من الصهاينة)تطؤه سناء لأوّل مرّة(مغالطة)، وشاطئ تونسيّ محتلّ يطؤه الإرهابيّ لأوّل مرّة(إمعان في المغالطة)، فالسيّد الشاعر المقيم في لندن(بين الصهاينة الذين يحتلّون شاطئا تونسيّا؟)، يستسهل الأمر وكأنّه يريد القول إنّ الشابّ التونسي “طالب العلم” كما يصرّ على تسميته قام بعمليّة “فدائية” لتحرير الشاطئ التونسيّ من “محتلّيه”..ويتّكئ في قوله على صديق “جامعي” تونسيّ قال له مرّة إنّ التونسيين ممنوعون من دخول الشواطئ التي “يحتلّها” السياح الأوربيون..فيا له من تبرير ويا لها من حجّة..

سيّدي الشاعر..نعتذر من الشعر إن حسبناك يوما شاعرا، ونعتذر عن هفوات ألسنتنا ورؤوس أقلامنا إن ألصقنا بك هذه الصفة لأنّك لا تليق أن تكون في منزلة الشعراء، ولأنّ كونك شاعرا إساءة للشعر وإساءة للشابي ودرويش وسميح القاسم وفكتور هيجو وشكسبير لأنّنا لم نعرف شعرا وشاعرا يمجّد الإرهاب ويصفّق للقتل المجانيّ ويضع الإرهابيين في منزلة الشهداء والمناضلين..وعليك لعنة أبي القاسم الشابّي الذي لم يحضر البريطانيون في شعره إلا متغزّلا بـ“سائحة” بريطانية لم يندّد بحضورها في واحته الجميلة ولم يعتبرها محتلّة، بل قال فيها :

أنتِ دنيا من الأناشيد والأحلام
والسّحر والخيال المديد

كلّ شيء موقّع فيك حتّى
لفتةُ الجيد واهتزاز النّهود

أعتقد أنّه على وزارة الثقافة أن تحتجّ على هذا “الشاعر” وأن تصدر قرارا بمنعه من المشاركة في أيّ لقاء في تونس، او استضافته في أيّ برنامج ثقافيّ، كما أظنّ أنه على وزارتي التربية والتعليم العالي إصدار منشور يمنع تدريس نصوصه، وهذا أقلّ ما يمكن فعله تجاه من يعمد إلى تبرير الإرهاب..

عن جريدة المغرب – تونس 04-07-2015

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق