نحو ديموقراطية من دون «ولكن» دعوة لتحالف الديموقراطيين / فؤاد سلامة

تتعدد وجهات النظر حول الديموقراطية بين مختلف الأطراف المنخرطة في الصراع السياسي. معظم التيارات المعاصرة تتكلم عن الديموقراطية. كل منها ناسباً لنفسه فضيلة ممارسة الديموقراطية، ومبرراً وصول جماعته إلى السلطة بالاستفادة من هامش الديموقراطية المتاح. يكفي إجراء المقارنة بين ما تدعيه مختلف أطراف الطيف السياسي العربي، وما تمارسه في الواقع، لرؤية مدى التباعد، إن لم يكن التناقض، بين القول والفعل. تتفق معظم القوى السياسية الوازنة في المعارضة والسلطة في العالم العربي، على أن الديموقراطية غدت الوسيلة المثلى للدعاية، الديماغوجية غالباً، بهدف وضع قدم في السلطة، مقدمة لاحتكارها ورفض مبدأ التداول فيما بعد. هم يقولون في معظمهم «نعم للديموقراطية ولكن». إنهم يستعملون الديموقراطية كتعويذة سحرية، وكيافطة عصرية وشعبية في لعبة الصراع على السلطة.

الكثير من القوميين يخوضون سجالات إعلامية ضد بعضهم البعض وضد الآخرين لأسباب ثانوية. يستجلب ذلك مثلاً انتقادات حادة منهم للإسلام السياسي، الإخواني بالتحديد، أو انتقادات قاسية وسطحية للعلمانية والليبرالية، كما يستجلب دفاعاً، صريحاً أو مستتراً، عن بعث عراقي كان «حامياً للبوابة الشرقية»، وكأنه لم يخض حروباً مدمرة ضد جيرانه وضد أهله من طوائف وإثنيات مختلفة، ولم يحكم شعبه بالحديد والنار مثل توأمه السوري. ثمة «قوميون» يميزون بين «بعث» مجيد غير طائفي، و»بعث» كريه وطائفي، علماً بأن بعثيّ العراق وسوريا تنافسوا في الطائفية المقيتة وفي الإجرام واحتكار وهدر ثروات بلادهم، ونفي الكوادر العلمية إلى الخارج، وسحق شعوبهم وتهيئة الأرضية لصعود القوى الطائفية، التي لم تفعل غير وراثة الأساليب البعثية ومنافسة البعثيين في الإجرام والقسوة والبربرية (داعش التي يؤطرها من وراء الستار جلاوزة «البعث» الصدّامي).

هذا فيما يمضي العديد من اليساريين، الماركسيين والقوميين، الكثير من وقتهم في توجيه السهام ضد الليبراليين الديموقراطيين، يساريين ويمينيين، وضد القوميين الديموقراطيين، والإسلاميين الإخوانيين، بحجة أن الليبراليين، اليساريين بالأخص، ليسوا ثوريين كفاية، وأن الإسلاميين ظلاميون ومتخلفون واستبداديون، بحكم العقيدة الدينية أو المنبت المذهبي. إنها طريقة إقصائية اختزالية لخلق الأعداء الوهميين، لتبرير خوض معارك دونكيشوتية، في الوقت الذي يظهر فيه جلياً أن العدو الحقيقي هم الحكام الأبديون الذين يصادرون كل السلطات والثروات، ويسومون شعوبهم مختلف صنوف القهر والعذاب ويحرمون مواطنيهم كرامتهم وأبسط حقوقهم الإنسانية.

يختلف القوميون، ومنهم ناصريون وبعثيون وقوميون سوريون، واليساريون ومنهم شيوعيون وماركسيون وقوميون، والإسلاميون ومنهم إخوانيون وسلفيون وجهاديون، يختلفون على كل شيء في ما بينهم، ولكنهم يتفقون على شيء واحد، هو الردح ضد الديموقراطيين، يساريين ويمينيين، بحجة ليبراليتهم السياسية، متعمدين الخلط بين الليبرالية السياسية والنيوليبرالية الاقتصادية اليمينية المتوحشة، أو بحجة علمانيتهم وإعجابهم بالنموذج الديموقراطي الغربي، أو بسبب اضطرار بعضهم للعمل في مؤسسات إعلامية دون غيرها، بعد أن طردوا أو منعوا من مؤسسات شديدة القيود السياسية والفكرية، كل ذلك من دون النظر لمضمون أفكارهم. ويجمع بين أغلبية القوميين والإسلاميين واليساريين التقليديين حساسيتهم المفرطة تجاه القيم الغربية، التي هي في جوهرها قيم إنسانية لا غربية ولا شرقية، ولكنهم يخلطون بين تلك القيم وبعض مظاهر الحداثة، مثل الدفاع عن المثليين وتحرر المرأة في الزي والعادات، والسخرية من الرموز الدينية. كما يخلطون بين القيم الإنسانية العالمية المستندة إلى شرعة حقوق الإنسان، وحروب الإبادة الاستعمارية القديمة، والمظاهر العنصرية المتفشية في أوساط اليمين واليسار ومدّعي اليسار من أمثال برنار ليفي وغيره من المفكرين المتصهينين.

«الخطر الثقافي» الذي يتهدد النخب المتعلمة والمثقفة من مختلف المشارب الفكرية والسياسية، وبالأخص القومية واليسارية، هو الوقوع عمداً أو جهلاً تحت إغراءات الفكر الشمولي، الذي يختزل الأفكار والعقائد في كليشيهات وشعارات لا تتطابق مع حقيقة الممارسة، كما يختزل الناس بين موالين للسلطة المستبدة أو الحاكم المستبد(العادل أو «الحديث»!)، ومعارضين يبرر سحقهم ويُتغاضى عن إبادتهم، من خلال وضعهم في خانة الأعداء التكفيريين أو الكفار أو الخونة التابعين للخارج. ويتمثل أيضاً في إغراء النموذج الذي يُستحب الدفاع عنه واعتباره صديقاً مهماً ارتكب من موبقات، طالما هو يقدم الدعم والسلاح لقوى وميليشيات نصبت نفسها مدافعة وحيدة عن الأمة ضد الخصوم والأعداء.

من هنا نفهم الانحياز لنماذج فاشية بائدة أو سائدة، مثل النموذج السوفياتي، أو النموذج الصدامي ـ الأسدي، أو النموذج التيوقراطي الإيراني، أو النموذج الأوتوقراطي الخليجي. جميع هذه النماذج تتشابه، وإن لم تكن متساوية، في آليات حكمها المخابراتي، وأساليبها الفاشية، ونزوعها لاحتكار وهدر ثروات البلاد، ودمويتها المفرطة، والسعي لإبادة المنتفضين على جورها.

وأما المثقفون الإسلاميون، «السنة» بالتحديد، فإنهم يقعون بسهولة تحت إغواء وسحر القادة «المجاهدين». هؤلاء القادة الذين يعدون بإقامة الخلافة العادلة واستعادة الأمجاد الغابرة وتحقيق أحكام الشريعة، من خلال الحاكمية الإلهية التي يتولى السلطة باسمها قادة جاهلون، شبه أميين، من أمثال الجولاني والبغدادي وزهران علوش. قادة لا يعرفون من السياسة وعلومها إلا النذر اليسير من خلال كتابات شديدة الضحالة ومراجع فكرية وفقهية محدودة التفكير، من أمثال حسن البنا وسيد قطب وابن تيمية، مستندين إلى أحاديث قديمة وتفسيرات سطحية للدين والآيات القرآنية وقصص الأنبياء وسير الخلفاء. ولا يقل عنهم جهالة وتطرفاً السائرون في ركاب معمّمين شيعة، عرباً وفرساً، يؤمنون بالخرافات والأساطير، ويقدمون تفسيرات خرافية للتاريخ والأحداث القديمة والمستجدة، ويدعون للجهاد ضد إخوانهم، الذين يضعون معظمهم في خانة التكفير سراً أو علانية. وفي الجهتين يقوم الأخوة الأعداء، سنة وشيعة، بإشراك الملائكة في معاركهم الوجودية، واستجلاب الانتصارات الإلهية، واستحضار شخصياتهم التاريخية، ونساء وبنات نبيهم وأئمتهم، في حروبهم الوجودية التي تمهد لإقامة دولة الخلافة العادلة أو دولة المهدي المنتظر.

أسئلة بشكل خلاصة، لكل الديموقراطيين:

هل يتنبه الديموقراطيون الفعليون، أصحاب الرأي والموقف الحر، قوميين ويساريين ويمينيين وإسلاميين وليبراليين، لضرورة مواجهة تشتتهم من خلال تعاونهم وائتلافهم، في جبهة سياسية واسعة ومرنة، عابرة للطوائف والأحزاب، لخوض النضال السلمي مشتركين، مختلفين ومتوحدين، من أجل إرساء ديموقراطية عربية حديثة محايدة دينياً، حامية لحرية المعتقدات والطقوس والشعائر ضمن القانون؟ هل ثمة فرصة مؤاتية، بعد زلزال الربيع العربي، لترجمة الشعارات الكبرى سعياً حثيثاً لقيام الدولة المدنية، التي ينادي بها كل طرف لتحقيق طموحاته، في مجتمع الحق والقانون، الذي يرعى تداول السلطة عبر انتخابات تعددية حرة، وفي حماية جيش وطني محايد وغير عقائدي؟ هل هناك رغبة حقيقية بقيام جيش وطني، غير محكوم بأجهزة مخابراتية ترسم له دوره وتعين قادته بما يتناسب مع تأبيد سلطة الحاكم، الذي يتولى توزيع المناصب والثروات على أهله وأقاربه وخدمه وأحبابه؟ السؤال موجه للنخب المتعلمة والمثقفة، من أصول أو ذوي تطلعات قومية ويسارية وإسلامية، وبالأخص منها تلك النخب المؤيدة للربيع العربي في بداياته الواعدة، قبل أن يتم حرفه بالقوة والمجازر والبراميل والغازات، عن مساراته الديموقراطية السلمية الأولى؟ سؤال موجه للنخب التي تأخذ بالديموقراطية منهجاً ونظاماً، من كل التيارات والبيئات، قبل أن يكون موجهاً للمواطنين العاديين المسحوقين بلقمة عيشهم، المغلوبين على أمرهم بخوفهم من أصحاب الجاه والمال والسلاح، الجاثمين فوق صدورهم وصدور أهلهم وأحبائهم.

عن ملحق نوافذ

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق