ميليشيات تبتلع الدول أو تدمرها ! / مصطفى الولي

تستثير تسمية بعض القوى المسلحة في بلادنا «ميليشيا» حفيظة تلك القوى. وكأن المصطلح بحد ذاته شتيمة، بينما هو في التجربة التاريخية لعدد من البلدان، له دلالة لا تحمل أي مضمون سلبي مسبق، ولا يوضع في خانة الإساءة أو الانتقاص من مكانة من اصطلح على تشكيلاتهم «ميليشيات». وعموماً كانت وظيفة هذه الميليشيا أو سواها، هي الأساس في تحديد الموقف منها، وليس فقط لأن بنيتها وتكوينها وتنظيمها تقوم على الشكل الميلشياوي.

قاوم الفرنسيون الغزو النازي لفرنسا في الحرب العالمية الثانية بتشكيلات ليست نظامية، وكانت وظيفتها ضرورية للدفاع عن فرنسا واستعادة بناء الدولة. ولا أظن أن تسمية تلك المقاومة بالميليشيا، تثير حفيظة الفرنسيين، أو اعتراض المحللين والمفكرين السياسيين.

وفي فيتنام كان الشكل الرئيسي للقوى العسكرية التي باشرت الدفاع عن البلاد، ضد الفرنسيين، ثم اليابانيين، وأخيرا الأميركيين، يقوم على البناء الميليشياوي، أي «غير النظامي».

في الحالتين كانت الوظيفة تخدم الوطن. في الأولى(فرنسا) لصد الغزو واستعادة بناء الدولة. وفي الثانية (فيتنام)، كانت الوظيفة هي الدفاع عن البلد بمواجهة الغزو وتأسيس الدولة على أرض فيتنام.

ومن نماذج التجربة العربية تستوقفنا تجربة مصر في بناء شكل (المقاومة الشعبية) لمواجهة العدوان الثلاثي في مدن القناة، وبعد انتهاء المهمة ما عاد لها لزوم، وبقيت الدولة المصرية هي السيدة بمؤسساتها المختلفة.

وثمة شكل آخر أنتجه نظاما حزب البعث في كل من سوريا والعراق، واصطلح على تسميته (الحرس القومي) الذي قام ليخدم وظيفة تدعيم سلطة الحزبين في البلدين، وقمع كل اعتراض او منافسة لهما من القوى السياسية المعارضة.

ما أريد قوله أن تجارب « الميليشيات» التي عرفها تاريخ الشعوب والدول، تميّز إما بتدعيم الدولة بوجه الخارج، وإمّا الداخل المعارض، وإمّا تأسيس نواة مسلحة لدولة «الثورات الجديدة.»

وإن توقفنا اليوم عند الظاهرات الميليشياوية المنتشرة في عدد من البلاد العربية، ستكون المفارقة واضحة عن تجارب البلدان الاخرى، وهي مفارقة ناتجة عن وظيفة هذه الميليشيات، ثم أيضا عن «ترفع» أيديولوجيي تلك الظاهرات عن قبولهم تسمية الآخرين لهم «ميليشيا». ومن أقصدهم هنا بالتحديد هم: حزب الله في لبنان، وميليشيات أنصار الله ( الحوثيون) في اليمن، وميليشيات « الحشد الشعبي» في العراق.

الطرف الأول، بعد أن تقاعد، أو فرض عليه التقاعد عن المهمة التي استخدمها لمد نفوذه في الوسط الشعبي، وانتهى تماماً من مقاومة إسرائيل، ظهر واضحاً كميليشيا مسلحة بما يفوق تسليح الجيش، وصارت مهمته تطويع مؤسسات الدولة لأجندته الخاصة، البعيدة عن تشكيلات الحركة السياسية في لبنان التي تعتبر لبنان وطناً نهائياً لا جسراً لتحقيق ولاية الفقيه التي تدعو اليها طهران. وهو مالا ينكره قادة الحزب. بالنسبة للحزب، الدولة ليست أكثر من ديكور يتعامل مع مؤسساتها لإعطاء مشاريعه الداخلية صفة الشرعية. بينما الذي يجري هو تفريع الدولة ومؤسساتها من محتواها المرتكز الى الدستور الوطني، وبالنتيجة ابتلاع الدولة وصولاً الى تدميرها.

لننظر أيضاً إلى ما يسمى «الحشد الشعبي» في العراق، تشكيل ميليشياوي، يبرر وجوده بذريعة القضاء على داعش، وتحت هذه الخديعة يتجاوز الدولة، ويضع الجيش بالترتيب الثاني، لينتزع- الحشد – فضاء القوة المسلحة، وليفرض ما يريد على مؤسسات الدولة بكاملها.

في اليمن، مثال بارز على محاولات الميليشيا توظيف الجيش لأغراض خاصة، تمر فوق بنيان الدولة. ويصبح اسم «أنصار الله»، كما عبر عنه أحد المسؤولين في صنعاء، مبرراً لاحتلال الحوثيين مقار الشرطة، أنصار الشرطة». وصار جيش علي عبدالله صالح، أشبه ما يكون بأنصار «أنصار الله». وكأن الله قائد للحرب الأهلية التي جاء بها تغوُل الميليشيات الحوثية، وتحالفها مع المخلوع علي صالح.

النماذج الثلاثة، ترفع شعار: القتال ضد أميركا وإسرائيل، لكنها لا تقاتلهما، وتبقى الراية الطائفية هي الأوضح والأكثر فاعلية في الدعاية والترمي، ومع ذلك تحاول هذه القوى الهروب من وصفها «ميليشيات»؟ بينما هي على حقيقتها «ميليشيات طائفية» بامتياز عال.

عرفنا الميليشيات في العالم بأكثر من مضمون، وببرامج وأهداف مختلفة. منها الميليشيات القومية العنصرية، ومنها الشيوعية، والوطنية، ولكن في بلادنا، وفي العقود الأخيرة، انتشرت الميليشيات الطائفية، بمشاريعها الما دون وطنية، وها هي تقوم بتطويع الجيوش وتحجيم الدول، وتدميرها ان اقتضى الأمر. ولعل الميّزة التي جاء بها داعش، كقوى ظلامية أصولية، أوضحت وبإعلان صريح، أنها تريد تدمير الدول، وإقامة «دولة الخلافة»، فيما الأخرون يضعون قناعاً على أهدافهم، ويرفضون وصفهم بالميليشيات. فمن هم إذن؟ لا هم جيش، ولا هم قوى احتياطية لجيش الدولة، ومضت إلى غير رجعة ماكياجات المقاومة، فماذا بقي لهم من أسماء مناسبة لحقيقتهم، غير

«ميليشيات طائفية» ، تقوم بتدمير ما تم انجازه ، ولو أنه محدود، من مؤسسات للدول الحديثة.

عن ملحق نوافذ

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق