إستعادة أسئلة الماضي وخصوماته

 أوّل مرّة لفت انتباهي اسم «ابن سبعين» حين عثرت عليه مبثوثا في مقالة للسيد راشد الغنوشي في كتاب له صادر خلال الثمانينات من القرن الماضي، وتعرّض فيه الغنوشي بالتشنيع والتفظيع لـ «ابن سبعين»، لأنّه في نظره، من الفلاسفة المتصوّفة الّذين ساهموا في تدمير الحضارة العربيّة الإسلاميّة، وتخريبها من الداخل، من حيث نقض ما استقرّ من شرعها وفقهها وعلومها، وذلك شأن حركات التصوّف في نسبتها الغالبة، الّتي ينصّبها الإسلام السياسي، الإخواني منه تحديدا، عداء شديدا، ويعتبرها من مجهودات عرفانيّة فاسدة تنتهك جوهر الدّين الإسلامي، بما تطرحه من هرطقات… ويبدو أن السيّد راشد الغنوشي لم يطّلع مباشرة على أفكار ومؤلفات ابن سبعين ولكنّه اعتمد على المرجع الأساسي للإسلام السياسي، وهو شيخ الإسلام ابن تيميّة الّذي ألّف كتاب «السبعينيّة»، أو (بغية المرتاد في الردّ على المتفلسفة والقرامطة والباطنيّة أهل الإلحاد من القائلين بالحلول والاتّحاد) وهو كتاب لابن تيميّة، حسب وكيبيديا، يردّ فيه على «ابن سبعين» ابن سبعين أحد أعلام الصوفيّة وأمثاله من الفلاسفة القائلين بالجمع بين الفلسفة والشريعة، ويحتوي الكتاب على حكاية مذاهب الفلاسفة المنتسبين إلى الإسلام والمقارنة بينها ومناقشتها والرّد عليها.

 


 من المهمّ التذكير أنّ حياة ابن سبعين كانت في فترة بلغت فيها الأندلس ذروة الحضارة العربية الإسلاميّة وبدأت في طور الانغلاق الفكري ومحاكمة المفكّرين والتضييق عليهم، فضلا عن التفكك الحضاري وبداية سقوط القلعة الحضارية الإسلاميّة المتقدّمة في طرف القارّة الأوروبيّة. ولد عبد الحقّ ابن سبعين في الأندلس سنة 1217 وتوفي بمكّة عام 1269. وله مسيرة عجيبة غريبة، حيث بدأ التأليف وعمره خمسة عشر سنة، ومات عن اثنين وخمسين سنة، وفي موته هناك العديد من الروايات ومنها أنّه انتحر بتصفية دمه من جسده للفناء في خالقه، حسب تعبير ساخر يدلّ على الشماتة بالنهاية المؤسفة لعلم من أعلام التصوّف الإسلامي النابض بالحياة، وثمّة من ينسب موته إلى مكائد سياسيّة ودسائس الحكام والحكماء… وإذا كانت مسيرته عجيبة غريبة فإنّ مؤلفاته وطريقته في الكتابة أشدّ عجبا وغرابة، ومن هذه الزاوية يُعتبر ابن سبعين من الكتّاب الكبار القلائل الّتي تنافس مسيرته الحياتيّة العميقة والاستثنائيّة مسيرته الفكريّة والعرفانيّة. ومن دلائل ذلك أنّه ألّف كتاب «المسائل الصقليّة» بطلب من ملك صقلية فردريك الثاني، وهو شخصيّة مسيحيّة تاريخيّة مرجعيّة، حول مسائل لاهوتيّة وطبيعيّة وسياسيّة وفلسفيّة وتنظيميّة، وذلك يشير إلى المنزلة الفكريّة الرفيعة الّتي كان عليها ابن سبعين الّذي اشتهر صيته في أوروبا في ذلك الزّمن. ولقد ذكر البابا، رأس الكنيسة المسيحيّة الغربية، حينها، بأنّ ابن سبعين: «ليس للمسلمين اليوم أعلم بالله منه». أي من ابن سبعين.

 


 أمّا شيخ الإسلام تقيّ الدّين أحمد ابن تيميّة فقد ولد سنة 1264، قبل وفاة ابن سبعين بخمس سنوات، في حران بالأقاليم السوريّة الشماليّة داخل الحدود التركيّة على مقربة من الحدود السوريّة، وفي تلك الفترة استولى المغول على بلاد حران واعتدوا على أهلها فانتقل ابن تيميّة في طفولته مع أهله إلى دمشق. وهناك نشأ في أجوائها الفقهيّة وما يخيّم عليها من ظروف بداية تفكّك الحضارة الإسلاميّة مشرقا، بعدما كانت تعانيه في الأندلس غربا من غارات وبداية تهاوي الملك وتهديد وجود المسلمين في شبه الجزيرة الأيبيريّة. انخرط ابن تيميّة في الجهاد والدفاع عن حياض الإسلام بفقهه وفتاويه وانخراطه في التحشيد نصرة لدار الإسلام من أفكار المخالفين وغزوات الأعداء، في لحظات من التوتر والذعر الحضاري ونذر أفول شمس حضارة الإسلام. وكان عمله كلّه عبارة عن مجهودات دفاعيّة انغلاقيّة لسدّ الفجوات والذرائع الّتي قد يتسلل منها أعداء الدّين والدنيا. ومن حيث كان الإسلام فاتحا ومهاجما صار في تلك الفترة مغلّقا للأبواب ومنكفئا على ذاته المهدّدة من الخارج ومن الداخل.

 


من المستحيل استعادة الماضي ومشاكله واحتقاناته وظروفه ووراثة عداواته وطريقته في النقل والعقل والنظر والتحقيق، مع أنّ الإسلام السياسي مغرم غراما شديدا باستبدال خلافات الحاضر بخلافات الماضي، والدليل الأكبر على ذلك أنّه يحيي المذهبيّة بين الشيعة والسنّة حيث العداوة والقتال والدّماء إلى الركب. الإسلام السياسي السنّي وكذلك الشيعي، ممثلة في ولاية الفقيه والدولة الإسلاميّة الإيرانيّة الّتي ستقابلها دولة سنّية للقضاء عليها، حسب تخطيطات أصحاب الزّمان من أمريكان وما كان في ركابهم، ولذلك فإنّ تفكيك ألغام الماضي ومعرفة لغز تفكّك الحضارة العربية الإسلاميّة ودخولها في سبات عميق وغيبوبة حضاريّة منذ سقوط الأندلس قبل ما ينيف عن خمسمائة عام، متزامنا ذلك مع اكتشاف أمريكا، في الفترة الزمنيّة ذاتها، هو من أسباب الدعوة للعناية بأسئلة تلك الفترة الّتي شغلت جوهريًّا عقول أبناء تلك الحضارة العظيمة، وكانت الإجابات متنافرة ومتعارضة ومتعاديّة بين رجال الفكر والفلسفة والتصوّف والفقه، وكلّ فريق كان ينازع الآخر بالاستئثار بتمثيل الحقيقة الجوهريّة للدّين الإسلامي وحضارته واحتكار فهمه والنطق باسمه…

 


 الكثير من مؤلفات ابن سبعين منسوخة على النات، ويمكن تصفحها بيسر، وقد استغرقنا في بعض معانيه الخطيرة وطريقته في الكتابة، طيلة المدّة الأخيرة، ومن ذلك بعض المقتطفات الطريفة من كتبه، للفت الانتباه لهذه الشخصيّة التاريخيّة الفكريّة المحيّرة في طريقته المخصوصة في الكتابة وتأوّهاته وتجلياته ومعارفه العميقة المتراميّة الأطراف، فضلا عمّا كان بينه وبين رموز الفكر في عصره من تفاعلات عنيفة نسوق منها بعض العيّنات.

 


 في تقديمه لكتاب «الإحاطة» وما ضمّه من رسائل ابن سبعين يقول عبد الرحمان بدوي: ـ «الصوفي الحقّ يجب عليه أن يحيا في الحاضر باستمرار، وأن يطرح الماضي، إنّ حياته ووجوده في حاضر سرمدي مستمر». 

 


نقد ابن سبعين ابن رشد لشدّة افتتانه بأرسطو وتقليده الأعمى له بالقول: «حتّى لو سمع أرسطو يقول إنّ القائم قاعد في زمان واحد لقال هو أيضا بذلك واعتقده». وكتب عن ابن رشد الّذي كان صيته كبيرا قبل مولد ابن سبعين، كتب عنه «قصير الباع، قليل المعرفة، بليد التصوّر غيرُ مدرك، غير أنّه إنسان جيّد قليل الفضل، ومنصف وعالم بعجزه».

 


أمّا خصمه الألدّ فهو ابن سينا، فهو يرى أنّ ابن سينا «مموّه، مُسَفسِط، كثير الطنطنة، قليل الفائدة، وماله من التآليف لا يصلح لشيء. ويزعم أنّه أدرك الفلسفة المشرقيّة، ولو أدركها لتضوّع ريحها عليه». 

 


وحلّل ابن سبعين شخصيّة الغزالي تحليلا عميقا فقال إنّ «الغزالي لسان دون بيان، وصوت دون كلام، وتخليط يجمع الأضداد، وحيرة تقطع الأكباد. مرّة صوفي، وأخرى فيلسوف، وثالثة أشعري، ورابعة فقيه، وخامسة مُحَيَّر. وإدراكه في العلوم القديمة أضعف من خيط العنكبوت. وفي التصوّف كذلك لأنّه دخل الطريق بالاضطرار الّذي دعاه لذلك من عدم الإدراك». لكنّه يعقب على ذلك فإنصافه فيقول: «وينبغي أن يعذر، ويشكر لكونه من علماء الإسلام على اعتقاد الجمهور، ولكنّه عظّم التصوّف ومال بالجملة إليه، ومات عليه بحس ما أعطاه كلامه وفهم من أغراضه». 

 


ومن تطويحات وتجلياته وتفاعلات مع لحظات وشخصيات زمنه:
ـ وسلّم على ابن العريف وعرّفه لا بتعريفه وخطه على عريفه ونكرة معرفته وكفر معروفه وسرى معروفه وسدّ معارفه سبحان الفرد الزوج الحضيض الأوج
من كان يبصر شأن الله في الصّور/ فإنّه شاخص في أنقص الصور بل شأنه كونه،
بل كونه كُنْهُهْ/ لأنّه جملة من بعضها وَطَرٍي
إيه! فأبصرني، إيه! فأبصرته/ إيه! فَلِم قلت لي: النّفع في الضرر

 


 ومن أساليبه في الكتابة حين يشتدّ به الوجد وتدلهمّ المعاني وتجلو، قوله:
ـ إيه فقط! إيه الملّة أعظم من أهلها! إيه عزّ على إيه ليت شعري إيه! فهم البعضُ وجهل الكلّ بوجه ما. إيه للحروف معنى! إيه وللأسماء أسماء! وإيه والعادة مهلكة! إيه ومن انصرف إلى نفسه نُفِّس عنه. الدور عجيب! إيه القرآن كنه الكامل. إيه! الله فقط، لا شكّ في ذلك! إيه! أردت بإيه أن هذه المخاطبات نشأت بين مخاطب طابت أنفاسه وبين مخاطب طيبة أنفاسه! إيه الوهم يضرّ وينفع الخاطر القويّ. يقال التوجه شيخ البصير. ذكر أنّ المطلوب في الخلد محبّة الشوق يهدي ….. 
إيه! قل أعوذ بالله من. ثمّ أعوذ بالله عن. ثمّ أعوذ بالله لن. إيه! هذا الوهم هو الملك، وهو البحر والفلك، وهو الأرض والسّماء، وهو القصد والعمى، وهو الذر والهباء.

 


  ومن تضميناته وشواهد الصالحين ما يورده عن الإمام جعفر الصادق الّذي يُجلّه الشيعة كثيرا:
ـ وجاء عن جعفر الصادق ـ رضي الله عنه ـ أنّه كان يوما يذكر الله فجاءه بعض النّاس فقال له: ما أقوى دليل على وجود الله الّذي أنت ذاكره؟ قال له: وجودي، وذلك لأنّ وجودي حدث بعد أن لم يكن، بأي فاعل؟ يمتنع أن يقال فاعل وجودي أنا، لأنّه لا يخلو إمّا أن يقال أحدثت نفسي حالما كنت موجودا أو حالما كنت معدوما، فإن أحدثت نفسي حالما كنت موجودا فالموجود أي حاجة له إلى الوجود؟! وإن أحدثتُ نفسي حالما كنت معدوما فالمعدوم كيف يكون موجِدًا للموجود! فدلّ على أنّ الّذي أنا ذاكره هو الّذي نشير إليه بالاشتقاق وهو الصانع الفاعل لوجودي ووجود غيري، عز وجلّ، ظاهر لا بتأويل المباشرة، باطن لا بتأويل المباعدة، يسمع بغير آلة، ويبصر بغير حدقة، لا تحدّه الصفات ولا تأخذه السّنات، القديم وجوده، والأبد أزله الّذي أيَّنَ الأين لا يقال له: أين كان.

 


 كلّ كلام هو لله أو من أجله أو يذكر به أو بوظائفه فهو ذكر. ومن فضيلته أنّك تذكره بوضوء وغير وضوء، وطاهرا وغير طاهر، وعلى جملة تصرفاتك: إن كنت واقفا أو قاعدا أو راقدا أو على جنبك ـ فافهم. قال: «يقول الله عزّ وجلّ إذا كان الغالب على عبدي ذكري عَشِقَني وعشقتُه».

 


 تلك كانت بعض عيّنات من تفكير السّلف الصوفي الإسلامي، الّذي يظلّ مهملا ومسكوتا عنه ومطموسا، مقارنة بالسّلف الفقهي والسّلف السلطاني والسّلف الدموي، وما بقي من تفكير الصوفيّة مجرّد أطلال ورسوم دارسة ودروشة هنا وهناك… وتظلّ المجتمعات لا تطرح على أنفسها إلّا الأسئلة الّتي تقدر على الإجابة عليها، ويبدو أنّ أسئلة الفلاسفة الصوفيين ليست من أسئلة مجتمعاتنا في ظروفها الذهنيّة الرثّة… ولنا عودة لابن سبعين وما تزخر به مؤلفاته وكتبه من طروحات وشذرات وفيض عجيب…
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This