المثقّف والغيريّة*

هناك صعوبة راهنة في فهم وظيفة المثقّف وتقبّلها لأنّ النّظام الإعلاميّ والثّقافيّ السّائد يخضع حسب رأيي إلى إغراءات صور “الخبير” و“المحلّل السيّاسيّ”، و“النّاشط الحقوقيّ”، وكأنّ “المثقّف” ينتمي إلى عصر غير عصرنا. ولذلك رأيت أن ألتفت إلى كتاب أدواردسعيد (1935-2003) عن “المثقفين والسّلطة”(1) لكي أكتشف من جديد فرادة وظيفة المثقّف وضرورتها. فنحن نحتاج اليوم إلى كتابة هوامش على هذا الكتاب يكون موضوعها “المثقّفين والثّورة”. فما وظيفة المثقّف النّقدية عندما تقوم ثورة، وعندما يسقط نظام وينشأ نظام آخر وتنتقل السّلطة من جهة إلى أخرى، وتتغيّر الطّبقات السّياسيّة، وتختلط الأوراق، وتظهر الثّورة المضادّة، فيعوّض مطلب الهويّة مطلب الحرّيّة، أي يحلّ الحرص على التّطابق مع نموذج محدّد سلفا محلّ توق الإنسان إلى أن يكون آ خر؟

لن تكون هذه الهوامش غريبة عن الكتاب.لا شكّ أنّ الكتاب في أصله سلسلة محاضرات قدّمها أدوارد سعيد سنة 1993 في البي بي سي، أي أنّه مكتوب قبل الهزّة التي شهدها العالم العربيّ بدءا بالثّورة التّونسيّة. ولكنّه هو نفسه يمثّل “هزّة” في طريقة تصوّر المثقّف ووظيفته. فلا يحتاج المثقّفون والمفكرّون الكبار مثل أدوارد سعيد إلى ثورة حتّى يكون فكرهم ثوريّا، أو حتّى يكون فكرهم “ثورة” هادرة باستمرار.

عشنا تغييرا كاذبا مع“تغيير” 7 نوفمبر 1987 . خُدعنا وعاد الاستبداد ومعه الفساد. كنّا شبابا سنة 1987، واليوم نحن كهول، ولا نريد أن نلدغ من جحر مرّتين. هذا معنى من معاني اهتمامي بالثّورة وبالمثقّف. إنّه اهتمام بها من باب الغيرة عليها. فمن تعرّض إلى تحرّش الكبار وهو طفل لا يمكن أن يسمح بالتّحرّش أو الاغتصاب وهو كبير. تغيير، غيرة… لاحظوا أهمّيّة هذا الجذر : [غير]. إنّه جذر الغيريّة. ستكون الغيريّة أو الغيريّات محور هذه الهوامش. وستكون الكلمة المشعّة في هذا التّطريز عبارة outsider التي يصف بها أدوارد سعيد نفسه والمثقّف. ولتكن ترجمتنا لهذه الكلمة : “البرّانيّ الغريب”.


البرّانيّ الغريب : خارج السّلطة، وخارج الملّة
المثقّف كما يتحدّث عنه أدوارد سعيد يقع خارج السّلطة. فهو يتكلّم في السيّاسة بطريقة غير سياسيّة، ويفضح أقنعة الهيمنة، وكيلها بمكيالين. يقول أدوارد سعيد : “المثقّف بالمعنى الحقيقيّ للكلمة، وأقولها مجدّدا، يتكلّم باسم قيم ومواقف مبدئيّة تضعه في موقع من يقول الحقيقة للسّلطة.”(2) ولكن ألا يؤسّس ادّعاء الحقيقة لسلطة أخرى قد تجعل وظيفة المثقّف شبيهة بوظيفة النّبيّ أو رجل الدّين ومن يملك الحقيقة عن الإله وعالم الغيب؟ هنا يدخل أدوارد سعيد معطى العلمانيّة، ليميّز بين الحقيقة المطلقة وحقيقة أخرى مرتبطة بالرّغبة والحلم.

لا يفوت أدوارد سعيد أن ينبّهنا إلى ضرورة التّواضع في الحديث عن “الحقيقة”. فهو لا يستعمل كلمة الحقيقة ب-“أسلوب العهد القديم”، أي أسلوب المطلقات الدّينيّة، وهو يرى أنّ المثقّف “لا يمكن أن يعمل إلاّ بأدوات علمانيّة”(3) ويقول عن نفسه إنّه “علمانيّ عنيد” un laïc bêtement obstiné(4) ويقـول : “في هذا الصدد، يمكن أن أذهب إلى أنّ على المثقّف أن يتجنّد بلا هوادة ضدّ من يتبنّون رؤى ومشاريع سياسيّة مؤسّسة على النّصوص المقدّسة، أي ضدّ كلّ من لا يمكن أن نحصي تجاوزاتهم وكلّ من لا يسمحون بأيّ مساءلة وبأيّ تنوّع بطبيعة الحال.(5)” فالحقيقة التي يقصدها أدوارد سعيد هي معايير حقوق الإنسان، والحدّ من الألم واعتماد نفس المعايير في كلّ البلدان. إنها ليست أفكارا متجلّية أو موجودة في عالم المثل، بل هي طموحات ترتبط بالرّغبة، وترتسم في الأفق. ولذلك فإنّ المثقّف لا يقع فحسب خارج السّلطة، بل إنّه، من حيث علاقته بالحقيقة وبـ“أسلوبها”، يمارس هوايته خارج الانتماءات والخصوصيّات و“الاصطفافات” التي تزيّن للإنسان ادّعاء الحقائق المطلقة، وتزيّن له التّقوقع في فضاء الهويّة.


ومع هذا الرّبيع العربيّ وما أخرجته صناديق الاقتراع، يمتحن المثقّف في قدرته على الحفاظ على علمانيّته. كيف نبقى علمانيّين بعد أن أصبحت كلمة العلمانيّ منبوذة من الجميع؟ الكلمة قد تختفي ولكنّ القضية العلمانيّة مازالت مطروحة في الممارسة السياسيّة وفي الخيارات الدّستوريّة والقانونيّة. المثقّف فعلا لا يتكلّم الأسبرنتو، بل يولد داخل بلاد وثقافة بعينها، لكنّه يبقى كونيّا، خارج الملّة، ويبقى مترجما بين اللّغات المختلفة. المثقّف، ومنذ العصر الوسيط ليس صاحب السّلطة، وليس رجل الدّين. إنّه وإن كان ينحدر من ملّة معيّنة، يقع فوق الملّة أو خارجها. فالحكمة وحبّ الحكمة هما ما جمع مثقّفي القرن الرّابع الهجريّ في بغداد في مجالس يجتمع فيها المجوسيّ مع النّصرانيّ مع المسلم. وأدب التّوحيديّ هو المرآة العاكسة لمنزلة المثقّف في العصر الوسيط، ولهذا التّوق عنده إلى الكونيّ. وكم هو قريب منّا هذا التوحيديّ، رغم شكواه الملحّة وماليخوليته.

البرّانيّ الغريب القريب : داخل “المعترك”
قلنا إنّ المثقّف يقع “خارج” دائرة السّلطة والملّة. لكنّه في الوقت نفسه، ولا مُحال في الأمر، يقع في الدّاخل، على نحو ما.
إنّه هاو وليس محترفا. وما أحلى كلمة هاو لترجمة amateur. هاو : من الهوى، والهوى شوق، والشّوق حركة ونزوع. إنّه، إذ يقول الحقيقة دون ادّعاء امتلاك الحقيقة، لا يدّعي اتّخاذ مسافة موضوعيّة، ولا ينتظر مقابلا لالتزامه، خلافا للمثقّف المحترف أو الخبير. إنّه يخطئ ويصيب وهو قابل لهذه المنزلة. فالمثقّف لا يؤمن بأيّ إله سياسيّ، و“هذا لا يعني أنّه يجب أن يبقى على الضّفّة، جافّا، وأنّه يغمس من حين إلى آخر أحد أصابع قدميه في الماء(6).” يجب أن يدخل ما نسمّيه بـ“المعترك”، أي يجب أن ينزل إلى النّهر ويبتلّ بمائه، حتّى وإن تبيّن خطأ النّزول، وثبتت رداءة الماء فيما بعد. لا بأس، فهو لا يدّعي العصمة، ولا يمكن أن يكون معصوما، ولا يمكن أن يطمح إلى أن يكون معصوما.


عندما ألقى أدوارد سعيد محاضراته هذه، لم تكن الشّبكات الاجتماعيّة موجودة، هذه الوسائط الجديدة التي لعبت دورا قبل الثورة وبعدها. لكنّ أدوارد سعيد يقول : “كلمة أخيرة حول نمط تدخّل المثقّف. إنه لا ينشد من فوق جبل، بل إنّه يتمنّى، وهذا بديهيّ، أن يقول كلمته حيث تكون مسموعة بصفة أكبر، وأن يمثّل رسالته بحيث يؤثّر في مسار جار”.(7)

كان عنوان أدوارد سعيد الألكترونيّ متاحا للكثيرين قبل موته. وأذكر أنّني تجرّأت على استعماله لإرسال بيانات أو أشياء من هذا القبيل. ولو أسعفته الحياة لاستعمل التويتروالفايسبوك ربّما كما كان يعزف على البيانو، وبالأناقة نفسها، وبالكرم نفسه.

ولهذا الافتراض أساس. فأدوارد سعيد يخالف جوليان بانداJulien Benda (1867-1956)(8) في اعتبار المثقّف صاحب رسالة نورانيّة، ويخالف أنتونيوقرامشيAntonio Gramsci(1891-(9)1937) في اعتباره المثقّف مضطلعا بفعل مباشر في الواقع. المثقّف برّانيّ وغريب outsider ، لكنّه يمكن أن يكون قريبا بحيث يسكن هذه السّاحة العامّة التي يختلط فيها الحابل بالنّابل، كما يقولون.


لقد ورثنا ثقافة عدم “اختلاط الحابل بالنّابل”، وثقافة “لجم العوامّ عن علم الكلام”، وورثنا حبّ طائر مينرفا الذي يأتي عند الغروب. وكم سمعت أصدقاء ومشفقين يقولون لي : لا بدّ من المسافة من الأحداث، لا بدّ من تجنّب السّجال وردّ الفعل المباشر… ربّما أكون مخطئة، ولكنّني لا أريد أن أرث هذه الثّقافة. فالمثقّف من حيث هو برّانيّ وغريب يرث ولا يرث. يرث لغة وتقليدا لأنّه لا يتكلّم الأسبرنتو، ولا يرث شيئا لأنّه فارس للكونيّ chevalier de l’universel . نحتاج إلى تثوير لمفهوم المثقّف ولمفهوم الميراث والإرث، حتّى نكون جديرين بالثورات. لاحظوا التّجانس بين الثّورة والميراث، رغم أنّ الثّورة رفض لميراث ما.

الباحث عن المطبخ
هل هي ثورات “ربيع” و“ياسمين” فقط؟ هل هي صور ناريّة نورانيّة عن الغضب المحمود الذي يعصف بالطّغاة فحسب؟
ليست الثوراتتخلّصامنالغيرالجلاّد فحسب،بلإنّهالقاءمعالغيرالدّفينفيالمطبخ أو بالأحرى في خلفيّة المطبخ. ألم تنتشر تعبيرات مطبخيّة تسميّ الثّورة وما بعدها، مثل صور الصّرف الصّحّيّ والقمامة والقدر البخاريّة المنفجرة؟ ولكن صاحبت هذه الاستعارات والتّشابيه صور الحشرات والقوارض التي تختبئ عادة في المطابخ الكبيرة أو القديمة أو الوسخة.


جمعت صورا كثيرة من الشّبكات الاجتماعيّة لهذا المطبخ : صور جرذان وفئران وخنافس… بشريّة. لا تتّسع المساحة الأكاديميّة لعرضها في هذا المجموع المهدى إلى الأستاذ عبد المجيد الشّرفيّ. بل ربّما يكون من سوء الذّوق استنساخها هنا. لكنّنيشعرت بأنّ في الصّور مدخلا هامّا إلى ما سأقول. ما هو؟ اعتقدت أنّ في هذه الصّور مفتاحا آخر لطرق مسألة المثقف والثّورة، لأنّها ستمكّنني من الحديث عن علاقة أخرى بالغيريّة، وعن مشهد آخر يختبئ وراء الصّور النّورانيّة للثّورة. 

خنافس وجرذان. الجرذ بوجه خاصّ يمكن أن يعتبر حيوان “الرّبيع العربيّ” وأحد رموزه. إنّها ولا شكّ الشّتيمة في أقبح مظاهرها المتمثّلة في نزع الإنسانيّة عن الخصم. ولكنّ ما نلاحظه هو أنّ هذه الشّتيمة لا تتعلّق بالصّراع بين الثّوريّين وأصحاب النّظام القديم، فهي لا تطلق أبدا على “التّجمّعيّين”. أطلقها القذّافي على المحتجّين في ليبيا، ثمّ أصبحت تطلق على الإسلاميّين. ورأينا بعد الثّورة جدولين من الشّتائم : “شلائكيّة، ماسونيّة، صهيونيّة…”في تسمية الإسلاميّين لخصومهم “العلمانيّين”، وجرذان وخنافس في حديث غير الإسلاميين عن الإسلاميّين. الإسلاميّون يقصون خصومهم لأنّهم آتون من الخارج، مختلفون، غرباء، وغير الإسلاميّين يقصون الإسلاميّين على أساس أنّهم آتون من خارج الإنسانيّة. ولكن أليست الجرذان والخنافس حيوانات أليفة تنتمي إلى البيت وإن كانت مخبوءة في الغالب؟


إنّهم الغرباء الأليفون. يعرّف فرويد “الأليف الموحش” بأنّه “هذه الخاصية الفريدة من المريع الذي يعود إلى ما نعرفه منذ مدة طويلة، ما هو أليف منذ مدّة”(10) . هو ما يجب أن يبقى في الخفاء وما ينكشف. فالثورات ليست فحسب تخلّصا من الغير الجلاّد، بل إنّها لقاء مع الغير الدّفين في المطبخ. ليست فحسب صور ياسمين ونور ونار، بل إنّها مطابخ فيها ما لا يرى، وفيها خلطات لا يمكن التّنبّؤ بنتائجها. وطلوع الأليف الموحش من مطابخ الثّورة ليس بالضّرورة انهزاما لها، بل الوجه الآخر لها. 
هناك تمرين شعريّ كان يستسيغه القدامى، ويتمثّل في وصف كره الخنفساء للورد. وقد حدّثنا الجاحظ في كتاب الحيوان عن الخنفساء كيف تحبّ الرّوث، ويغمى عليها عندما توضع في الوردة. ما نعيشه في الواقع لا يخضع إلى منطق الثّنائيّات المتضادّة : إنّه الورد والخنفساء، والياسمين والرّوث. لا يكون هذا متاحا بدون ذاك.


حارس الفراغ أو الغيريّة المطلقة
يقول أدوارد سعيد : “ليس المثقّف من يريد الصّلح pacificateur أو من يبني التّوافق bâtisseur de consensus بل هو شخص يلتزم ويخاطر باستمرار بكل كينونته على أساس وعي نقديّ…”
هنا نجد صورة أخرى من صور برّانيّة المثقّف وغرابته وغربته. لن تجده حيثما بحثت عنه. لن يقوم بدور الواسطة، ودور الباحث بالضّرورة عن التّوافق. يجب أن يحتفظ على قدر من راديكاليّته في طلب الحرّيّة، وفي المشاكسة، بعيدا عن انتظاراتالسّلطة والحسّ المشترك. يخاطر المثقّف بأمور منها الدّفاععن القضايا التي تركها الجميع لأنّها قضايا “غير محترمة”. هناك politically correctمتجدّد وفي كلّ المجالات، بما في ذلك مجال الدّفاع عن حقوق الإنسان. وتوسيع مجال ممكنات الفعل والقول يقتضي أحيانا المغامرة بالدّفاع عمّا لا يدافع عنه أحد وعمّن لا يدافع عنهم أحد : عن غير المؤمن المجاهر بسخريته من الأديان، والنسّويّة التي تعرّي جسدها على سبيل الاحتجاج لتكتب عليه : “جسدي ملك لي”، وكلّ ما يعدّ استفزازا غير مفيد . لم لا؟ إن قبلنا بوجود أشخاص ومجموعات ترفض المجتمع، لأنّها تعتقد أنّها مكلّفة بالعيش كما عاش السّلف الصّالح منذ أربعة عشر قرنا، أو كما يخيّل إليها أنّ السّلف الصّالح كان يعيش، وإذا اشترطنا على هذه المجموعات أن تكون مسالمة، فلماذا لا نقبل بوجود المختلف في وجوده وفي تعبيراته الفنّيّة والاحتجاجيّة عمّا يعدّ عاديّا ومقبولا اجتماعيّا، إذا اشترطنا عليه أيضا أن يكون مسالما؟


المثقّف حارس للفراغ، أي لكلّ المواقع التي يجب أن لا يحلّ فيها أحد : موقع الإله، ولذلك فهو يدافع عن العلمانيّة، وموقع الدّوالّ الكبرى التي ترمز إلى العيش معا، ولذلك فهو يدافع عن الدّيمقراطيّة، وعن عدم التباس أيّ شخص بالدّولة وإرادة الشّعب، وموقع الحقيقة، ولذلك فهو يدافع عن الفنّ والخيال والفكاهة والهزل. إنّه حارس للغيريّة المطلقة. ولذلك لا يكاد يحتمل أهل السّلط المختلفة صورته ووظيفته، فتختزله في كونه “مثيرا للجدل”.

الهوامش:

* صدر في  كتاب جماعيّ مهدى إلى الأستاذ عبد المجيد الشرفي.

1- Edward W. Said, Des intellectuels et du Pouvoir, traduction de Paul Chemla, Paris, Éditions du Seuil, 1994

2 – المرجع نفسه، ص 113.
3- المرجع نفسه، ص 104
4- المرجع نفسه، ص ص 122-123.
5- المرجع نفسه، ص 105.
6- المرجع نفسه، ص 125.
7- المرجع نفسه، ص 117.
8- صاحب كتاب “خيانة المثقّفين” :La Trahison des Clercs, Grasset, Paris,1927

 

9- انظر خاصّة : Cahiers de prison (5 tomes) textes présentés par Robert Paris, Gallimard, Paris, 1983
10- Freud Sigmund : L’Inquiètanteétrangeté et autresessais, trad. Bertrand Férou, Gallimard, 1985, p215.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق