مؤتمر المثقّفين التّونسيّين ضدّ الإرهاب حتّى نكون مسؤولين وفاعلين

بمبادرة من مجموعة من المثقّفين، إلتأم يوم الأربعاء 12 أوت 2015 بقصر المؤتمرات بتونس العاصمة مؤتمر “المثقّفين التّونسيّين ضدّ الإرهاب”.

وقد تجنّب منظّمو المؤتمر صيغة النّدوة الفكريّة، واعتمدوا طريقة أخرى تمثّلت في تجميع ورقات حول “ثقافة الإرهاب”، ثمّ تحرير تقرير تأليفيّ انطلاقا منها، يشخّص الأوضاع ويقدّم الحلول والمقترحات. وقد تمّ هذا التّقرير التّأليفيّ في المؤتمر وتمّ توزيعه باللّغات العربيّة، والفرنسيّة (ترجمة: قمر بن دانة)، والانكليزيّة (ترجمة:هاشمي الطّرابلسيّ)، والإيطاليّة (ترجمة:فالنتينا كولومبو Valentina Colombo) ، مع بيان ختاميّ. وأعطيت الكلمة لمثقّفين من دول الجوار ومن أوروبا جاؤوا للتّعبير عن مساندتهم لتونس في مقاومتها للإرهاب.

وفيما يلي نصّ التّقرير، وقد صاغته الأستاذتان رجاء بن سلامة وقمر بن دانة، انطلاقا من الأساتذة الآتية أسماؤهم : -حمّادي الرّديسي -عبد الحميد الأرقش -إيمان عزّوزي -سميحة خليفة -حفصي بالضّيوفي -زهيّة جويرو -فاضل موسى -هاجر خنفير – زينب التّوجاني -نجيب الجزيري -إقبال الغربيّ -يوسف الصدّيق -هالة الحبيب -علياء بكّار -إلياس عنّابي -عبد الواحد براهم -فتحي بن سلامة -الحبيب الجنحاني -علّيسة جلّول -ألفة بن حسين- صلاح الدّين الحمّادي -منير الشّرفيّ -أنس الشّابّي -عبد الرّزّاق الصّيّادي -توفيق عيّاشي -منصف قلاّتي -زياد كريشان -توفيق كركر -محمّد المشّاط -محسن البوعزيزي -آمال القرامي -آمنة جبلاوي -هاشمي الضّاوي -عبد المجيد الشّرفيّ.

تقديم:

تدخّل المثقّفون التّونسيّون في الحياة العامّة قبل 2011 باعتبارهم أفرادا، أو باعتبارهم ينتمون إلى أصناف مهنيّة (جامعيّون، محامون، إلخ). وبعد الثّورة، واصلوا تدخّلهم الفرديّ، وانصهروا أيضا في المجتمع المدنيّ الذي ازدهر بفضل انطلاق الألسنة والحرّيّات العامّة التي سمح بها السّياق الجديد. وربّما يمثّل تنظيم هذا المؤتمر تعبيرا عن توق المثقّفين إلى يكونوا قوّة مستقلّة عن السّلطة ومقترحة، ناقدة للحكومات وساعية إلى الحفاظ على الدّولة الدّستوريّة وأجهزتها في الوقت نفسه، في وجه الإرهاب الذي يستهدفها أوّلا حتّى يضمن سيطرته على الرّقاب بعد ذلك.
فرغم أنّ البلاد اجتازت انتخابات 2011 و2014 بنجاح، ورغم أنّها توصّلت بفضل التّوافق إلى إنجاز دستور يضمن حياة ديمقراطيّة، فإنّها شهدت اغتيالين سياسيّين، وأعمال عنف متنوّعة، وفقدت نتيجة الإرهاب حوالي 200 أمنيّا وجنديّا ومدنيّا وسائحا. وتصلنا من حين لآخر أرقام مفزعة عن الآلاف من التّونسيّين المنضوين تحت لواء التّنظيمات الإرهابيّة بسوريا والعراق وليبيا، وتقدّم لنا وزارة الدّاخليّة أرقاما أخرى لا تقلّ خطورة، منها أن من بين أكثر من ألف متهم بالإرهاب لدى الداخلية، فإن 30 بالمائة منهم هم من التلاميذ والطلبة. ويبدو من خلال استبيان قام به الاتحاد العام لطلبة تونس في بالجامعة التونسية أن نحو 1300 طالب تونسي، أغلبهم من الاختصاصات العلمية، منخرطون في هذه التنظيمات الجهادية خارج تونس. وقد منعت الأجهزة الأمنية منذ مارس 2013 أكثر من 12 ألف شاب من السفر لشبهة الالتحاق بمناطق القتال (صحيفة الشروق، 1 جويلية 2015).

لقد مثّلت الأحداث الإرهابيّة، مع هذه الأرقام رجّة بأتمّ معاني الكلمة. كيف يمكن لمجتمعنا أن يحوي بذور التّدمير والقتل هذه؟ هل نقف مكتوفي الأيدي أمام إيذان العنف الأقصى بالاستقرار وبالتّحوّل إلى معطى “عاديّ” من حياتنا؟

انطلقت مبادرة تنظيم “مؤتمر المثقّفين التّونسيّين ضدّ الإرهاب” من كلية الآداب والفنون والإنسانيّات بمنوبة، في دائرة من دائرة ضيقة (الأساتذة عبد الحميد الأرقش، والعميد الأستاذ الحبيب القزدغلي والأستاذة دلندة الأرقش والأستاذ الحبيب الملاخ، ورجاء سلامة)، لكن سرعانما اتّسعت الدّائرة، واستجاب جمع من الزّملاء الآخرين العاملين والمتقاعدين والنّاشطين الحقوقيّين والجمعيّاتيّين والإعلاميّين إلى النداء الأول. وما ان احتضنت كليتنا الإجتماع الأول حتى اتضح أن المبادرة تهم قطاعا أوسع من الجامعيين بكثير…عقدنا اجتماعين تحضيريّين يومي 8 جويلية و15 جويلية 2015، ثمّ انعقدت اجتماعات جهويّة في عدّة مدن (صفاقس، سوسة، الحمّامات، قليبية، نابل، سيدي عبد اللّه، توزر، إلخ). واتفقنا على أن لا ننظّم ندوة فكريّة يقدّم فيها كلّ منّا “بضاعته” ويمضي لحاله، بل طلبنا فيها من كلّ الحاضرين والمهتمّين بالشّأن العامّ-وهم طبقا لذلك “مثقّفون”- أن يقدّموا لنا ورقات حول مواضيع متّصلة بالإرهاب وثقافته، نصوغ منها تقريرا هو هذا الذي بين أيدينا. وقد تفاوتت الورقات بين أعمال تأليفيّة تمثّل عصارة تجربة مهنيّة وبحثيّة، وخواطر، ومقالات منشورة سابقا. رحّبنا بالكلّ، أملا في أن نجتمع وأن نجمّع جهودنا وأفكارنا، وقد سمح لنا إعداد هذا المؤتمر بهذه الصّيغة الجماعيّة بأن نتعرّف على زملاء لم نكن نعرفهم رغم أنّهم ينتمون أحيانا إلى المؤسّسة الجامعيّة نفسها. فربّما يتعيّن علينا اليوم، أكثر من أيّ وقت مضى، أن نزيل الحواجز والجدران التي فرضتها العادة أو الكسل أو الاحتماء بالاختصاص الضّيّق.

وقد قسّمنا هذا التّقرير التّأليفيّ إلى قسمين :

1- حضور الإرهاب وغياب الثّقافة

كيف تمّ ويتمّ إنتاج الإرهاب وشروطه ومقدّماته خارج المرتفعات والمغاور التي يختبئ فيها الإرهابيّون، وداخل مدننا وفي واضحة النّهار؟ ما هي المؤسّسات والفضاءات التي تنتج هذه الثّقافة أو تجاملها أو تدافع عنها أو تمنع من تجاوزها ومن القيام بإصلاح دينيّ ينزّل أحكام الحرب في سياقها التّاريخيّ؟

وكيف تتّسم الثّقافة الأخرى والمؤسّسات التي تنتجها بالجمود والغياب؟ ما الذي جعل ثقافة الإرهاب تستفحل وتجذب جزءا من شبابنا إليها؟

2- -ماذا نريد وماذا يمكن أن نفعل؟
كيف نفيد البلاد في محاولتها الخروج من وضع الهشاشة التي هي عليه؟ كيف نوقف النّزيف؟ لعلّنا اليوم نعيش لحظة تاريخيّة فارقة، أي مفتوحة على كلّ إمكانيّات البناء، ولعلّنا اليوم نستطيع كتابة التّاريخ، ونستطيع أن نكون قوّة مبدعة وكاسرة للأقفال اللاّمرئيّة.

1-حضور الإرهاب وغياب الثّقافة:

يستوجب البحث في تأصيل الأصول العقائدية والفكرية للإرهاب السياسي الإسلامي تجنب خطأين يهددان أي بحث في الموضوع هما الماهويّة أوّلا، أي القول بوجود جواهر ثابتة متعالية عن التّاريخ أوّلا، والإنكار ثانيا. فالتّفكير الماهويّ قد يجرّنا إلى إرجاع الظاهرة إلى القرآن والسيرة النبوية والمنظومة المغلقة للفقه الاسلامي، وهذا غير جائز لأنّه لا يوجد دين يكون في جوهره إرهابيّا. والإنكار قد يجعلنا ننزع إلى تبرئة الإسلام جملة وتفصيلا من أي علاقة بالإرهاب. الخطأ الأول غير مقبول مبدئيا (لأنه لا يوجد دين يكون في جوهره إرهابيا)، والخطأ الثاني هو تكريس لرفض الواقع والتّملّص من مسؤوليّة اعتبار الإرهاب ناتجا عن عوامل من بينها وجود مجموعة من النّصوص الدّينيّة التي تواصل الجماعات المسلّحة تفعيلها وكأنّها خارج التّاريخ.

فالإرهاب الاسلاميّ لا يعني أن جوهر الإسلام إرهابي، ولكنه مع ذلك إرهاب إسلامي، بمعنى أنه تركيب انتقائي تلفيقي بين ميثلوجيا دينية قروسطية من جهة، وسياسة حديثة وليدة عصرها من جهة أخرى.

ومن زاوية العقل النظري، يمكن إرجاع الإرهاب الى مبدأ جنيالوجي (مبدأ أصلي توليدي غير تاريخي) مفاده إلغاء الوجود الجسدي للآخر عبر القتل غيلة وبدون ضوابط العنف المشرعن. وهذا المبدأ يتقاطع مع ما سماه فتحي بن سلامة بـ“القسوة” التي تحول الكراهية الى إضرار بجسد الآخر. ويختلف هذا المنحى عن نزعات مشابهة مثل الغلو في الدين أو التزمّت أو التعصّب أو الدغمائية والرغبة الجامحة في الحقيقة، لأنّ هذه الأهواء “المعقلنة” قد لا تفضي بالضّرورة إلى فسخ الغير ماديا عبر القتل الهمجي المبرمج. ويتجاوز الإرهاب قواعد العنف الشرعي أو قوانين الحرب مهما كان مصدر الشرعنة (الدولة أو الدين أو الأيديولوجيا)، ومهما كانت مظاهر هذا العنف (عنف مادي أو معنوي) أو ضحاياه (مدنيون أو محاربون).

ويمكن اعتبار الفكر الإخواني القطبي والسلفيّة الوهابيّة والسّلفيّة الجهاديّة الثالوث المؤسّس لأخطبوط الإرهاب الإسلامي المعولم.

وتتمثل جاذبية الاسلاموية لدى العامة شبه المتعلمة في التركيب بين ثلاثة أنساق مفهومية تعمل ثلاثتها في المخيال الجمعي، هي الدين والايديولوجيا والطوبى : الدين كعقيدة مسترسلة تميز بين المقدس والمدنس، وتبعاته من جزاء وعقاب دنيويّ وآخري ؛ والأيديولوجيا باعتبارها تقوم على منطق البلوغ بالفكرة إلى أقصاها وقلب الواقع العيني لتغييره الآن وهنا ؛ والطوبى (أي اللاّمكان) التي تحلم بعالم أفضل، سواء كان هذا العالم العصر الذهبي سلفا أو قيام الساعة خلفا. وهكذا أصبح الدين إيديلوجية سياسية احتجاجية تجيّش الطاقات لتغير المجتمعات العربية والإسلامية الحديثة بالعنف الذي يستهدف الأفراد والمؤسّسات.

وتعتمد هذه الإيديولوجية السّياسيّة الاحتجاجيّة على آليّات معرفية تتمثّل في ما يلي :

1-إسقاط السابق على اللاحق، أي تطبيق آيات وقواعد صدرت في حق الكفار وغير المسلمين على المسلمين في زمن غير زمانها. وهو ما يعني رفض التّاريخ ورفض تنزيل الأحكام القرآنيّة فيه.

2-التّوسّع في مقاصد مضبوطة فقهيا والتمّسّك بالتّفسير اللّفظيّ للقرآن، وكأنّ الأمر يتعلّق باجتهاد سيّء ممنهج.

3-نزعة إقصائية عنيفة منافية للأنسة الكلاسيكية، فضلا على الأنسة الحديثة، تقوم على التّكفير من ناحية، والتّحريم من ناحية أخرى، بحيث يشمل التّكفير كامل المجتمع، ويشمل التّحريم الفنون بأنواعها، والكثير من مظاهر الثّقافة المتعلّقة بالمأكل والمشرب والملبس والسّلوك، مع تشديد على الفصل بين الجنسين وعلى تحجيب أجساد النّساء ومراقبتها.

ويؤدّي كلّ ذلك إلى الرّغبة في إلغاء التّنشئة الاجتماعيّة الأولى وتعويضها بتنشئة ثانية تعتبر مطابقة لـ“شرع اللّه”.

هذه هي الإيديولوجيّة التي تؤدّي إلى التّكفير والتّحريم، وقد تؤدّي إلى المرور إلى الفعل الذي يلغي الآخرين جسديّا، بعد الحكم بأنّهم كفّار يجوز قتلهم. وسنستعرض فيما يلي الحقول والبؤر التي تنتج ثقافة التّكفير والتّحريم، أي مقدّمات الإرهاب، وقد تنتج إضافة إلى ذلك الإرهاب نفسه.

*الجمعيّات:

نلاحظ أنّ الكثير من بؤر إنتاج ثقافة الإرهاب استفادت من الحرّيّات العامّة التي سمحت بها الثّورة، وتحديدا من إلغاء خضوع الجمعيّات إلى نظام التّأشيرة، وخضوعها إلى نظام الإعلام، طبقا للمرسوم عدد 88 المؤرّخ في 24 سبتمبر 2011. وقد قدّم “المرصد الوطني إيلاف” دراسة حول الجمعيات غير الحكومية بتونس ما بعد ثورة 14 جانفي 2011 إلى حدود شهر فيفري 2013، توصّل فيها إلى نتائج منها وجود 12053 جمعيّة نستقي من سماتها ما يلي :

– 19 %من هذه الجمعيّات غير الحكوميّة ذات أهداف خيرية، و 11 % منها ذات أهداف دينية.
– 19 %منها خاصة ذات الصبغة الخيرية و الدينية تمارس نشاطا مختلفا بصفة كاملة عن الأهداف المعلن عنها.

– 33 % منها تمثل امتدادا لهيكلة وبرامج الأحزاب السياسية و تعمل بالأخص واجهة للأحزاب في مجال الأعمال الخيرية و التعبوية.

– 13 % خاصة ذات الصبغة الخيرية و الدينية مرتبطة في تمويلها بأحزاب وتمويلات خارجية غير مصرح بها مع دخول شكل آخر من التمويل الغير خاضع للمراقبة تحت مسمى “الزكاة” لفائدة الجمعيات

– 8 %منها وخاصّة ذات الصبغة الدينية تتخذ بصفة غير معلنة من الجوامع والمساجد مقرا لها.

إنّنا لا نريد التّعميم، ولا نتّهم كلّ الجمعيّات الدّينيّة والخيريّة بإنتاج ثقافة التّكفير والتّحريم، إنّما نرى أنّ هذه الأرقام تقدّم صورة عن كثرة الجمعيّات ذات الطّابع الدّينيّ، وعدم انضباط نسبة هامّة منها، وعدم استقلاليّتها عن بعض الأحزاب، وكأنّ الهدف من هذا النّوع المخصوص من العمل الجمعيّاتيّ هو خلق مجتمع مدنيّ مواز، غير المجتمع الذي دافع عن مدنيّة الدّولة وطالب بدستور ديمقراطيّ. وبعض هذه الجمعيّات يستعمل اليوتيوب وتلسكوبب إسلاميّ، ويمثّل جامعات مفتوحة (مثل المصطفى للعلوم الدّينيّة) تنظّم رحلات “حلال” لا يختلط فيها الإناث بالذّكور. وفي جمعيّة “الخطابة والعلوم الدّينيّة” على سبيل المثال لا الحصر، حضانة للأطفال : قسم للبنات وقسم للأطفال، وقسم درس للرّجال وآخر للنّساء.

-في مجال التّربية والتّعليم : 

-المدارس القرآنيّة:

لقد لعبت الجمعيّات الدّينيّة دورا هامّا في إنشاء المدارس القرآنيّة التي تعمل خارج القانون وبلا كرّاس شروط، وتعمل على تخريج نخبة وهّابيّة تذكّرنا بتخريج المدارس القرآنيّة في أفغانستان للطالبان. وتتحدّث الكثير من المقالات عن مروّضات حاصلات على شهادة سعودية، وعن حرص القائمين على هذه المدارس على الفصل بين الجنسين، وتحريمهم الغناء والموسيقى، واعتماد بعضها على تمرين تلوين من نوع خاصّ تقدّم فيها للأطفال شخصيّات بدون أعين ولا أنف ولا فم. وقد ٍرأينا أطفالا يرتدون ملابس من نوع خاصّ ويرفعون شعار “موتوا بغيظكم”، وهناك شهادات عن طفل عاد إلى البيت ليقوم بكسر التّلفاز، وطفل يبكي خوفا من ارتكابه “الكبائر”.

كم عدد هذه المدارس، وكم نسبة ما تراقبه الدّولة، وكم عدد ما أغلقته وزارة المرأة والأسرة منذ خروج الترويكا من الحكم؟ وما أثر مرور بعض الأطفال بهذه المدارس في شخصيّتهم ونفسيّتهم؟

*التّدريس الدّينيّ الموازي:

يقدّم في جامع الزيتونة وفروعه الخمسة والعشرون تدريس دينيّ لا يخضع إلى أيّ رقابة من الدّولة، وهذا هو شأن حلقات المساجد، والدّروس التي تقدّمها بعض الجمعيّات. ويبلغ عدد الطّلبة بجامع الزيتونة بالعاصمة وحدها 675 طالبا.

وقد شهد جامع الزّيتونة عمليّة سطو عليه من قبل حسين العبيدي، عندما نصّب نفسه إماما لجامع الزّيتونة، وأقام حفل احتفال بإحياء التّعليم الزّيتونيّ يوم 12 ماي 2012، ودعا ثلاثة وزراء (التربية والتّعليم العالي والشّؤون الدّينّية) لتوقيع بروتوكول يقضي بعدم خضوع الجامع إلى الدّولة التّونسيّة. وقد ظلّ هذا الشّيخ مسيطرا على الجامع وما حوله من فضاءات اعتبرها تابعة له، إلى أن تمّ إجلاؤه بالقوّة العامّة يوم 28 مارس 2015، تنفيذا لقرار قضائيّ.

ما محتوى هذا التّدريس الذي يقدّم في جامع الزّيتونة وفروعه وفي المجالس والجمعيّات؟ وهل يؤهّل المسلم لأن يندمج في مجتمع ديمقراطيّ أم يؤهّله للمزيد من التّناقض بين عالم الفقه والشّريعة من ناحية، وعالم الدّولة المدنيّة من ناحية أخرى؟ هل يؤهّل هذا التّعليم متلقّيه إلى قبول حرّيّة الضّمير واحترام سائر المعتقدات، أم يكرّس حكم الرّدّة والقول بأنّ الإسلام أفضل من كلّ الأديان الأخرى؟

*جامعة الزّيتونة:

تضمّ 1500 طالبا أغلبهم من الفتيات، وتتوزّع على ثلاث مؤسّسات :
-المعهد الأعلى للشّريعة
– المعهد الأعلى للحضارة الإسلاميّة (حوالي 100 طالبا أجنبيّا يحظون بمنحة)
-مركز الدّراسات الإسلاميّة بالقيروان.

والاختصاصات التي تدرّس في هذه الجامعة هي علوم القرآن والتفسير، وعلوم الحديث، والتّشريع الإسلاميّ وعلوم الفقه. وهذه التقسيمات تبقى تقليديّة، كما تغلب المحافظة على محتويات هذا التّعليم، وعلى المكلّفين به، رغم الإصلاح الجريء الذي تمّ سنة 1992، بإدخال المقاربة متعدّدة الاختصاصات وتدريس علم النّفس وعلم الاجتماع والأنتروبولوجيا وتاريخ الأديان، والتّرجمة، وثقافة المؤسّسة، وتاريخ العلوم والتّوثيق والأرشيف واللّغات وحقوق الإنسان.

كيف يمكن لتدريس تقليديّ تمجيديّ يمحو الاختلافات والسّياقات التّاريخيّة أن يخرّج أساتذة أو أيمّة أو وعّاظا قادرين على بناء أشكال تديّن جديد يلائم بين الإسلام والدّيمقراطيّة؟ ولماذا تشكو بعض المدرّسات في هذه الجامعة من اضطهاد إطار التّدريس، خاصّة عندما يكنّ غير محجّبات؟ ولماذا تحرّج بعض من طلبنا منهم ورقات عن هذا التّدريس من الإدلاء بآرائهم؟

في شهر أفريل 2015 نظّمت وزارة الشّؤون الدّينيّة ندوة عن “الخطاب الدّينيّ : الثّوابت والمتغيّرات” دلّت المداخلات فيها عن صعوبة تطوير الخطاب الدّينيّ من قبل بعض المختصّين فيه : حنين إلى عهد البايات، عندما كان المفتي يلي الباي في المرتبة، وتحسّر على عدم وجود هيئة دينيّة تقريريّة، ومعاملة ما يعدّ “فسادا”، مثل حلول اتونس في المرتبة الأولى عربيّا من حيث استهلاك الكحول، في نفس المرتبة مع الإرهاب.

-المساجد والخطاب الدّينيّ السّائد فيها
أطلقت نقابة الأيمّة المنضوية تحت لواء الاتّحاد العامّ التّونسيّ للشّغل صيحة فزع عندما دعت إلى الإضراب يوم العيد في سنة 2013 (14 أو 15 أكتوبر) ونبّهت إلى وجود 200 مسجدا يسيطر عليه السّلفيّون، وهدّدت بمقاضاة وزارة الشّؤون الدّينيّة لأنّها تحمي الأيمّة الذين أفتوا بجهاد النّكاح.

وقد ساد منذ ثورة 14 جانفي مناخ سمح ببث خطاب ديني متشدد ميزته الأساسية تقسيم الناس إلى صنفين: التائبين النّاجين والعصاة الخاسرين.

فالفكر المتشدّد ليس فحسب ذاك الذي يصرّح بالدعوة إلى الجهاد بصريح العبارة فقط، بل هو أساسا هذا الذي يزرع قيم التّشدد والقلق مع الذات ومع الآخرين وعداء الفرح والحياة. ومثال ذلك تلك الخطبة التي أفتى فيها إمام الجامع الكبير بمدنين بحرمة “اللمّة العائلية الموسّعة فيما زاد على العائلة المضيّقة لعدم جواز الاختلاط بين الذكور والإناث”، ووصف من يجلس حذو عروسه بالديوث المتشبه بالخنازير .

وتذكّر هذه الخطبة بالفتاوى الوهّابيّة. وقد وفّرت آلة الدّعاية الوهّابيّة آلاف الخطب والمواعظ المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي وفي شبكة الانترنات ، بحيث تكفي طباعتها وقراءتها. .

وقد بثت قناة الزيتونة خطبة يوم الجمعة 24 جويلية 2015، كانت قائمة على المناداة بتطبيق الشريعة في تحد واضح للدستور المدني. وصرخ الإمام في مخاطبيه : “لن ننطلق من فراغ كما يراد لنا أن ننطلق…” واستغرب الحديث عن حنّبعل واستهزأ منه قائلا : “حضارة حنبعل؟ أين حنبعل؟ لماذا نتحدث عنه؟” واعتبر أن المسلم يتحدث عن العبادلة السبعة وعقبة بن نافع لا عن حنبعل. وطالب المستمعين بأن لا يناموا قدوة برسول الله الذي كان ينام ساعتين فقط، معتبرا أن كل من يستطيع أن يكتفي من النوم ربع ساعة فالأفضل أن يفعل ذلك اقتداء برسول الله، فربع ساعة تكفي، ونبه إلى ضرورة عدم الإنصات إلى ما يقوله الغرب الكافر من أن جسم الإنسان يحتاج إلى 8ساعات من النوم.

فهل يكفي غلق المساجد التي تقع “خارج سيطرة الدّولة”، لكي يبتعد خطباء المساجد عن خطاب الحقد والتّقسيم والتّحريض؟

-الأنترنيت:

لعلّ أهمّ فضاء يستعمله الإرهاب لا لترويج ثقافته فحسب بل للاتّصال والانتداب والتّدريب هو الشّبكة العنكبوتيّة. وهو ما أكدته آخر الإحصائيات التي قدمتها وزارة الداخلية لسنة 2014 والمتعلقة بالخلايا الإرهابية. فهذه الخلايا تستقطب أكثر من 90 بالمائة من عناصرها عبر الانترنيت بمختلف محركات البحث وشبكات الاتّصال والمواقع الألكترونية.

ويعود نجاح ميليشيات الإرهاب في استغلال شبكة الانترنيت وسيلة للتأطير والتّعيئة إلى عمق تأثير الاتصال الوسيط في تحقيق تفاعلية اجتماعية تقوم على إشباع رغبة في اعتزال المجتمع الأصلي.

إضافة إلى ذلك فقد ثبت استعمال تلك الصفحات للتواصل بين العناصر الإرهابية وتبادل الرسائل المشفرة حينا أو التواصل السمعي البصري عبر السكايب أو برمجيات أخرى حينا آخر، للتّدرّب على صناعة المتفجرات واستخدامها والتخطيط للعمليات الإرهابية. والأمثلة متعددة لعل آخرها الكشف عن الاتصالات التي تمت بين خلية ورغة وعناصر إرهابية متمركزة بجبال خمير والشعانبي، بل يستقر بعضها بالجزائر مثل الإرهابي أبي لقمان أبي صخر.

وقد شرعت جمعية مراقبون منذ السنة الفارطة في وضع مشروع لمراقبة مظاهر الانفلات في الفايسبوك وضبط الإخلالات التي تعكس شروخ الواقع وضعف الدّولة.

* الإعلام:

رغم أنّ وضع الإعلام تحسّن من حيث التّعاطي مع الظاهرة الإعلاميّة، فلم نعد نرى شيوخ السّلفيّة يمجّدون ابن لادن أو يعتبرون الإرهابيّين المقتولين شهداء، فإنّنا ما زلنا نجد منابر تكرّس ثقافة التّكفير والتّحريم، أو تبيّض الإرهاب أو تدافع عنه، أو تعبّر عن انجذاب إلى ساديّته بعرض صور القتل والدّماء، أو تنكره، أو تنسبه إلى الدّولة نفسها، من باب نظريّة المؤامرة. ومثال ذلك التّشكيك في الاعتداء الإرهابيذ على متحف باردو. فقد صدر هذا التّشكيك عن بعض “شهود العيان” الذين أدلوا بتصريحاتهم في برنامج تبثّه قناة الحوار التونسيّ، كما ادّعى المدوّن ماهر زيد أنّ أعوان الشّرطة هم الذين قتلوا السّيّاح (الشّروق، 22 مارس 2015).

-الرّياضة:

لقد كانت رياضات القتال حكرا على وزارة الدّاخليّة، فلم تعد كذلك بعد الثّورة. فأصبحت بعض قاعات الرّياضة وخاصة تلك التي تمارس فيها الفنون الحربيّة فضاءات لانتداب وتكوين الإرهابيّين، فهي تذكّر بما يجري في بعض المساجد غير الخاضعة للدّولة. وهذه الرياضة موجّهة نحو الغلبة والعنف.

* الحياة السّياسيّة:

انعقد “المؤتمر الوطنيّ ضدّ العنف والإرهاب” في جوان 2013، وصدرت عنه وثيقة “العهد الوطنيّ ضدّ العنف والإرهاب”. وقد وقّع هذا العهد الكثير من الجمعيّات والأحزاب، وامتنعت ستّة أحزاب عن التّوقيع من بينها حزب حركة النّهضة، وحزب المؤتمر من أجل الجمهوريّة. ورغم أنّ حركة النّهضة جزء من الائتلاف الحاكم اليوم، فإنّها تبدي امتعاضا من الإجراءات التي اتّخذتها الحكومة في نطاق حربها على الإرهاب، من إغلاق لبعض المساجد الخارجة عن سيطرة الدّولة إلى عزل بعض الأيمّة الذين اتّسم خطابهم بالتّحريض والتّشدّد.

لا شكّ أنّ حركة النّهضة قد عدّلت خطابها وأفكارها أيضا، ولم تعد على أرضية بداياتها الأولى، ولكن الإشكال الأساسي أنها لم تقطع مع “حلم البدايات” بشكل واضح وجلي، وهو حلم تشترك فيه مع الحركات السّلفيّة، ويقوم على تبني مفهوم أن “الإسلام نظام شامل للحياة” وأنه “دين ودولة” و“عقيدة وشريعة” وأن “الحكم الإسلامي” ضرورة تاريخية ودينية وأن “الحكم بما أنزل الله” أي تطبيق الشريعة هو الفيصل بين “أهل الإيمان” و“أهل الكفر”. أي أنّها لم تستخلص بعد كل الاستتباعات الفكرية والسياسية من القطع مع التيارات التكفيرية. وهي تسعى جاهدة، إلى الآن، إلى تأجيل المعارك الفكرية الحاسمة مع الجناح الأصولي المتشدد داخلها مخافة فقدانها لأجزاء هامة من قواعدها الراديكالية…

ولذلك مازلنا لا ندري هل أن تحول خطاب الإسلام السياسي في التنديد بالإرهاب هو تحول فكري عميق أم سياسي شكلي مرده العنف الدموي لهذه الجماعات لا طبيعة مشروعها العقائدي والمجتمعي الموغل في رفض الحداثة ورفض الواقع.

كما أنّ هذه “العلاقات المسترابة” بين السّلفية الجهاديّة في شكّلها المعولم والإسلام السياسي تعود لطبيعة النشأة لكلا هذين التيارين الإسلامويين. فما نسميه بالإسلام السياسي اليوم هو امتداد فكري لحركة الإخوان المسلمين التي أسسها حسن البنّا سنة 1928 بمصر بينما تمثل السلفية الجهادية مزيجا من تيارين اثنين:

الأول هو المجموعات الراديكالية العنيفة التي نشأت في أواخر الستينات وبداية السبعينات وانشقّت عن حركة الإخوان المسلمين المصريين على خلفية ما سمي بـ“الكتابات الأخيرة” لمنظر الإخوان سيد قطب وخاصة كتابه “معالم في الطريق”، أحد أناجيل السلفية الجهادية المعولمة اليوم… والرافد الثاني للجهاديين هو الجناح الأكثر تشددا داخل السلفية الوهابية. ويمكن أن نقول بأن المجموعات العنيفة المنشقة عن الإخوان قد جلبت معها مفهوم الحاكمية و“الجماعة” والعمل السري والتسلل إلى المؤسسات الأمنية والعسكرية، أما السلفية الوهابية الراديكالية فقد قدّمت التبريرات الدينية النصية لتكفير الحكّام ولجواز الخروج عليهم وكذلك مفاهيم “الفرقة الناجية” و“الولاء والبراء” بالإضافة إلى معاداة كل أصناف التدين المخالفة لمنهج “السلف الصالح” من تشيع وتصوف وحتى الأشعرية – وهي التيار العقائدي الطاغي داخل الإسلام السني – حُكِم بتبديعها وتفسيقها…

إنّ الحرب على الإرهاب تقتضي الوضوح والحسم في كل هذه القضايا. وهذا ما أخّر، إلى اليوم، الإجماع الوطني الفعلي بين كل مكونات المشهد السياسي التونسي.

كما أنّ التّنازلات التي قدّمتها حركة النّهضة في مجال الحرّيات الفرديّة والعامّة لم يعقبها نقد ذاتيّ يمكن أن يمثّل ضمانة أخرى لتطوّر الحركة وانسلاخها بلا رجعة عن الحركة الإخوانيّة. فحركة النّهضة لم تعتذر عن البيانات التي أصدرتها في تكفير الأستاذ محمّد الشّرفيّ عندما شرع في إصلاح البرامج التّعليميّة، وفي تكفير الزّعيم بورقيبة، ولم تعتذر عن ترحيبها بإعدام المفكر محمود محمّد طه في السّودان بتهمة الرّدّة سنة 1985، ولم تعتذر عن تهليلها لمقتل فرج فودة على يد الجماعة الإسلاميّة سنة 1992. وما زال السيّد راشد الغنّوشيّ زعيم الحركة يعيد طبع كتبه دون أيّ تعديل. فقد جاء في الصّفحة 184 من كتابه “الحرّيّات العامّة في الإسلام” : “ومنهم من أوجب الخروج على الحاكم الذي يحكم بغير ما أنزل الله…. فإن طاعته غير لازمة وعلى كل فرد من الأمة أن يعمل للخلاص منه لأن وجوده على رئاسة الدولة يؤدي بحدّ ذاته إلى الفتنة وحتّى لو كان ذلك عن طريق الاستعراض أي القتل غيلة”.

وهذا القول نجد ترجمة له في اغتيال السادات وفي اغتيال القضاة في مصر وفيما نشاهده اليوم في البلاد التي تمكن فيها الإخوان المسلمون ومشتقاتهم من الاستحواذ على السلطة.

2-ماذا نريد وماذا يمكن أن نفعل؟

من الواضح إذن أنّ للإرهاب ولثقافة التّكفير والتّحريم أطرا ومؤسّسات حاضنة. وفي المقابل لا نجد سياسة واضحة لاستقطاب الشّباب حتّى يهتمّ بالسّياسة والشّأن العامّ، ونجد عطالة وقلّة اعتمادات في كلّ المجالات المتعلّقة بالتّعليم وبدور الثّقافة والشّباب المخصّصة للنّشء الجديد. ونجد شرخا يفصل بين الأجيال يتمثّل أحد مظاهره في عزوف الشّباب عن المطالعة، وعزوف الكثير من نخب البلاد عن استعمال الشّبكة العنكبوتيّة. والحال أنّ نسبة مستعملي الأانترنيت في تونس تصل إلى 35 بالمائة، مع 400 ألف اشتراكا في خدمة الـADSL، ونحو 50 بالمائة من استمتاع سكّان الأرياف بخدمة 3G سنة 2012.

إنّ الانتماء إلى المجموعة الجهاديّة يحوّل الشّابّ من شخص بلا جدوى إلى بطل، ويمكّنه من سدّ حاجياته الرّوحيّة إلى الانتماء والاعتقاد وحاجيّاته الجنسيّة أيضا، بفتازمات الفردوس الموعود، وبصيغ “النّكاح” التي يبيحها الجهاديّون لأنفسهم. فيجب أن نتساءل نحن عن البدائل التي نوفّرها للشّباب حتى يسدّ حاجياته هذه، وحتّى يكون تديّنه منسجما مع مجتمعه، وحتّى لا يشعر باللاّجدوى، وبالعزلة.

-الإصلاح الدّينيّ في اتّجاه الملاءمة بين التّديّن والحياة الدّيمقراطيّة
يجب أن تطبّق الدّولة القانون لمواجهة خطاب العنف الذي هو مقدّمة للعنف، ويجب أن تواصل مراقبة المساجد حتّى لا تصبح مكانا لانتداب الإرهابيّين وتدريبهم، وثكنات لتجميع الأسلحة. ويجب أن تطبّق القانون في ما يتعلّق بالجمعيّات ذات الطّابع الدّينّي والمدارس القرآنيّة، حتّى تحدّ من انتشار النسّخة الوهّابيّة المتشدّدة للإسلام.

ولكن كلّ إجراءات المراقبة لا تكفي، والتّمسّك بـ“الإسلام السّنّيّ المالكيّ المعتدل” لا يحلّ أيّ إشكال ما دامت أبواب الاجتهاد لم تفتح حقيقة، وما دام علماء الدّين لا يأخذون بعين الاعتبار مقترحات الطّاهر الحدّاد ومحمّد الطّالبيّ وغيرهما في الملاءمة بين التّديّن والمساواة والحرّيّة.

فلا بدّ من تدريب الأيمّة والوعّاظ على قيم حقوق الإنسان القيم الكونيّة المتعلّقة بحريّة الضّمير وبالحقوق الفرديّة. ولا بدّ من تنظيم ورشات للتّعريف بمبادئ الدّستور وتبسيطها، واعتماد آليّة الاجتهاد للحدّ من تمزّق الإنسان المسلم بين الحداثة السّياسيّة والتّديّن التّقليديّ أو التّديّن الناجم عن رفض الإسلام السّياسيّ للحداثة.

ولا بدّ من لعب دور حضاريّ أساسا في إنضاج شروط تحقق الفصل النهائي بين الجماعات التكفيرية والإرهابية والتيارات السياسية التي انتمت إلى الإسلام السياسي في مرحلة نشأتها الأولى وانفصلت عنه فكريا وعقائديا لتنصهر في العمل السياسي الديمقراطي السلمي بصفة لا لُبْس ولا التباس فيها.

الأسرة والإرهاب:

لا بدّ من الاهتمام بالسّلسلة التّربويّة التّامّة من الأسرة إلى الجامعة. وفي موضوع الإرهاب بالذّات، يمكن اقتراح برنامج للاهتمام بالأسر التي تكون عرضة إلى انتماء أحد أفرادها إلى إحدى المجموعات الإرهابيّة.

– وضع برنامج عاجل لحملات تثقيف وتكوين ولدورات تدريبية مكثفة تستهدف الأسر الأكثر عرضة لتأثيرات ثقافة الإرهاب في الجهات التي تثبت أنها هي الأخرى الأكثر قابلية لاحتضان الإرهاب وللتأثر بثقافته. ويكون هذا البرنامج مبنيا على قاعدة مضمون واضح وعملي ومدروس ويكون من مواضيعه “مقومات ثقافة مقاومة الارهاب”- “موقع الدين في التنشئة الأسرية” -“الثقافة الدينية المتوازنة”- “كيف يكون التديّن عامل توازن للشخصية الفردية وإثراء لها”، “كيفية التفطن لحالات الانحراف والتطرف التي تظهر على الأبناء وكيفيات مواجهتها” “كيف تقاوم الأسرة ثقافة التكفير وبأية ثقافة بديلة؟” وغير ذلك من المواضيع التي يشارك في صوغها المختصون.

– العمل على إكساب الأسرة القدرة والكفاءة على العلاج الذاتي لحالات الانحراف أو الانسياق في النزعات المتطرفة وذلك بما يتم إكسابها إياه من معارف وخبرات تندرج في سياق مقاومة ثقافة الإرهاب، أو الحرص في الحالات الخطيرة على الاستعانة بالمختصين عند ملاحظة سلوك غير سوي يوحي بتورط أحد أفراد الأسرة مع جماعة إرهابية، مع ضرورة إقناع الأسرة بأن الاستعانة بأطراف خارجة عن الأسرة في حالات عجزها عن مواجهة حالات انحراف الأبناء أو وقوعهم فريسة الجماعات المتطرف والإرهابية ليس توريطا للأبناء أو إلقاء بهم إلى العقوبة بل هو إنقاذ لهم.

-توفير برامج تدريبية مدروسة لمساعدة الأسر على اكتساب الخبرة الضرورية التي تساعدها على التعامل السليم مع حالات التطرف والجنوح نحو التطرف التي تعتري الأبناء وعلى مواجهتها قبل أن يتورط أحد أفرادها في أعمال إرهابية . ويمكن برمجة دورات تدريب وتأهيل لفائدة الأسر الأكثر عرضة لمثل هذه الظواهر والوضعيات عن طريق مدربين مكونين في الغرض، كما يمكن تعميم فائدة هذه الدورات التدريبية عن طريق بثها تلفزيا وفي أوقات مناسبة .
-تعزيز برامج محو الأمية في الأوساط الأشد احتياجا وإدراج ثقافة مقاومة الإرهاب مادة ضمن مواد هذه البرامج حتى تمكن الأسرة ، وخاصة الأبوين، من الأدوات المناسبة لمقاومة ثقافة الإرهاب، فالأسرة التي لا تملك ثقافة بديلة لا تكون لها الاستطاعة المناسبة لمقاومة ثقافة الإرهاب المتسلحة بأدوات الاتصال الحديثة ووسائله ولا الكفاءة الضرورية لمنافستها.
-ترقية الأوضاع الاجتماعية للأسر الأشد فقرا وتمكينها من موارد عيش تحفظ كرامتها عن طريق تفعيل برنامج القروض الصغرى مثلا. فالشائع أن تمثل الأوساط الأشد فقرا بيئة مناسبة لتبني ثقافة الإرهاب.

-الرّياضة: 

كيف ننتقل من هيمنة الصيغة التّنافسيّة للرّياضة إلى تأسيس رياضة المواطنة؟ وكيف نعمل على النّهوض بالرّياضة بحيث نطوي صفحة استخدامها في الدّعاية السّياسيّة بالخارج وفي احتواء الشباب بالدّاخل، وصفحة تحوّل البيزنس الرّياضيّ إلى صندوق أسود للإخلالات وللفساد والرّشوة وتبييض الأموال؟

إنّ الشّباب إلى حدّ الآن لا يجد الفضاءات والهياكل الاجتماعيّة الرّياضيّة الكافية ليلبّي حاجته إلى تحقيق ذاته وصرف طاقته الحيويّة في الرّياضة.

* الحياة الثّقافيّة:

يرى بعض العاملين في القطاع الثّقافيّ أنّ المشكل الهيكليّ الذي يعوق دور الثقافة عن أداء عملها لا يكمن في تآكل البنية التّحتيّة ونقص التّجهيزات، بقدر ما يكمن في محدوديّة تكوين الإطارات الثّقافيّة وخطورة ما يقدّمه بعضها للأطفال والمراهقين والشّباب.

ولا بدّ من دعم المؤسسات والجمعيات التي تشتغل في الحقل الثقافي، دعما ماديا ومعنويا خاصة بعد تراجع دورها على الساحة بفعل التضييقات البيروقراطية التي طالتها. والتّعويل على القطاع الخاصّ في جانب من هذا الدّعم.

إن المطلوب من المثقفين وهياكلهم هو العمل على إرساء ثقافة بديلة ترسخ القيم الكونيّة، وتترجم محتويات الدّستور إلى قواعد سلوك، وتفضح خطر وضعف ولاجدوى ثقافة الإرهاب. ولن يتسنى لهم إنجاز ذلك ما لم تضطلع الدولة بمهام الدعم اللوجستي لهم والمتمثل في:

 – الاسناد الإعلامي: حث وتشجيع وإلزام وسائل الإعلام بمختلف أصنافها على مرافقة كل الأنشطة الثقافية والفعاليات الأدبية والفكرية لنشر وترويج المنتج الثقافي البديل.

 – الإسناد المالي: قَصْرُ الدعم الحكومي على الجمعيات والهياكل التي تقدم مشاريع ثقافية تساعد على فتح ورشات تدريب وإبداع للأطفال والمراهقين والشّباب.

-التّربية والتّعليم:

-لا بدّ من تغيير فلسفة التّعليم من التّلقين إلى بناء القدرات، وتمكين المتعلّم من أدوات التّحليل، واعتبار المتعلّم غاية العمليّة التّربويّة.

– تجاوز عقدة النقص التي يعيشها التّونسيّ والمسلم عموما. فمن قرطاج انتشرت الكتابة الخطّيّة في كامل البحر الأبيض المتوسّط، ومن تونس ترجمت المعرفة اليونانيّة، ومن تونس أصلح القدّيس أغسطينوس الكنيسة وقد ولد بسوق أهراس وكان يقيم بين سيدي بوسعيد وقرطاج. وهذا البلد قدّم خمسة بابّوات للكنيسة. وحتّى كريستوف كولومب فإنّه اكتشف العالم الجديد بأسطول ينتمي إلى أمازيغيّ.

كيف نعلّم الأجيال القادمة الاعتزاز بتونسيّتهم وعدم رفض الحداثة والمعاصرة الغربيّة بينما نحن قد ساهمنا فيها عن طريق ابن رشد وابن خلدون وغيرهما؟ يستغلّ الأصوليّون هذا الشّعور بالنّقص وكارتداد عكسيّ يصبح هذا الشّعور بالنّقص شعورا بالغلبة يؤكّده الإسلام السيّاسيّ ويستثمر في جرحه، وأوّل ضحيّة له المرأة، وكلّ صور الغيريّة.

-تنويع الأنشطة وبعث النّوادي والورشات الفنّيّة، واعتبار الفنّ والإبداع عماد العمليّة التّربويّة لا نشاطا هامشيّا.

-إيلاء أهمّية لحفلات توزيع الجوائز. و أعمال التّلاميذ وتنظيم الرّحلات الترفيهية والثّقافيّة التي تكتشف معالم البلاد ومواقعها الطّبيعيّة.

الجامعة:

– تأكيد علاقة الطّالب بمحيطه وربط الجامعة بالتّنمية البشريّة ومتطلّبات اقتصاد البلاد وقيم المواطنة.

ودعم البحث في مجال الإنسانيّات، ففي سنة 2008 كانت 4 بالمائة فقط من مخابر البحث تتعلّق بالإنسانيّات. ولا بدّ أيضا من تدريس الإنسانيّات إلى جانب الدّراسة العلميّة، فالدراسة العلميّة قد تمنح صاحبها وهم القدرة على الفهم والفعل.

-في الجامعة أيضا لا بدّ من بناء القدرات : عوض أن نروّج مباشرة لنتائج تحاليلنا و مقارباتنا ، يجب نمكن الشباب من أدوات التحليل، ومن الملاحظة الدقيقة، و تفكيك البنية الفكرية والمنطقية في الإيديولوجيا الجهادية. و بذلك يتمكن الشباب من إقناع نفسه بعدم صلاحية ذلك الحلم . يقول رابليه Rabelais : “ليس الطّفل دماغا نملأه بل نارا نوقدها”.

-إعطاء المزيد من الحوافز للباحثين الشبان حتى يتسنى انتداب المتميزين من بينهم (الزيادة في قيمة المنح المرصودة في إطارعقود البحث).

-مراجعة منح الماجستير والدكتورا لاسيما للطلبة المتفوقين.
-التشجيع على تشبيك هياكل البحث على النطاق الوطني حتى تتكون شبكات حول محاور متعددة الاختصاصات ذات الأولوية ووضع الوسائل المادية والبشرية لإنجازها.

-الاعتماد على تكنولوجيا المعلومات والتّواصل TICS لمضاعفة جاذبيّة الدّرس، وتطوير الفكر النّقديّ وكشر ثنائيّة المعلّم والمتعلّم وتحقيق تفاعل أكبر بينهما.

فإدخال وسائل الإعلام والاتّصال الحديثة في التّكوين الجامعيّ يسمح بتوسيع الإطار المكانيّ الزّمانيّ للتّبادل بين الأستاذ والطّالب خارج أوقات الدّرس بفضل الفضاءات الرّقميّة للعمل التي توفّرها الجامعة الافتراضيّة بتونس لمن يطلبها.

ويمكن استخدام وسائل الاتّصال هذه لإنتاج أدوات تساعد على تطوير الفكر النّقديّ ونشر ثقافة التّنوير باستعمال وسائل التّكوين الافتراضيّ المفتوحة للجميع MOOCs

-بعث هياكل بحثيّة في كلّ المواضيع الّتي طرحها هذا التّقرير، والسّماح للأخصّائيّين النّفسيين والاجتماعيّين بلقاء المتّهمين بالإرهاب للاستماع إليهم.

-لا تكفي كلّ عمليّات الإصلاح للنّهوض بالجامعة إن لم يقرّر الجامعيّون أنفسهم بعث الحياة في مؤسّساتهم، وإعمارها، للخروج من وضع الجمود وانعدام حياة جامعيّة حقيقيّة. فلماذا تحوّلت جامعاتنا إلى ما يشبه مدن الأشباح التي تخلو من سكّانها منذ الساعة الثّالثة أو الرّابعة بعد الظّهر؟ ولماذا أصبحت الأنشطة الثّقافيّة والرّياضيّة بالجامعات نادرة، وأصبح الأستاذ يجري إلى سيّارته بعد أن يلقي درسه، وكأنّه دخل هذا الفضاء مضطرّا وعليه أن يعود إلى برّ الأمان سريعا؟ الإصلاح يأتي من هنا أساسا : من الدّور الذي يقوم به الأستاذ، لا من إصلاح البرامج والشّهائد وتصنيف الجامعات فحسب.

*السّياحة:

يظلّ هذا القطاع هشّا، وسيظلّ ربّما هدفا للإرهاب ما لم تتغيّر سياسات البلاد في ها المجال.
إنّه قطاع موجّه للأجانب وخاصّة الأوروبّيّين، وهو تبعا لذلك ارتبط أشدّ الارتباط بالوضع الاقتصاديّ لهذه القارّة.

في السّبعينات والثّمانينات ظلّت تونس بلد الأحلام للسّوّاح. وبعد اعتداءات سوسة والمنستير في سنة 1986 لم تتضرّر السّياحة كثيرا لأنّ الأزمة الاقتصاديّة الأوروبّية لم تتأكّد بعد. وبعد أحداث 11 سبتمبر 2001 واعتداء جربة يوم 11 أفريل 2002 بدأت تحتدّ أزمة السّياحة في تونس.
والحلّ أو أحد الحلول يتمثّل في تطوير الخدمة الفندقيّة البيئيّة والرياضيّة، وفي التّوجّه إلى التّونسيّين بحيث يكون الهدف هو مضاعفة عدد التّونسيّين الذي ينزلون في الفنادق ليصل إلى مليون خلال السّنوات الخمس القادمة.

الخلاصة

أوّل خطوة يمكن أن نقوم بها ونحن نقترح الحلول ونستشرف إمكانيّات إيقاف نزيف الإرهاب، هي أن ننتقل من موقع إدانة الآخرين إلى موقع تحمّل المسؤوليّة، وأن نتخلّى عن دور المثقّف الذي يشعر بالتّفوّق على غيره، ويغمره الأسف على تدنّي وضع المعرفة لدى الشّباب، والحنين إلى الماضي. كلّ هذه الكليشيهات لا تزيد إلاّ في تعميق الهوّة بيننا وبين الشّباب، فالأفضل هو أن نعوّضها بالمساهمة في بعث الحياة في المؤسّسات، وبعث روح المواطنة في كلّ مجالات الحياة العامّة، والإيمان بالإبداع باعتباره قوّة تعبير وتغيير.

وفيما يخصّ الجامعيّين تحديدا، آن الآوان للتّخلّي عن دور “الأستاذ الشّبح”، ووضع الجامعة باعتبارها “مدينة أشباح” للتّعبير عن رغبتنا في تعمير هذا الفضاء، وخلق حياة يوميّة مشتركة داخله، ولا يتسنّى ذلك إلاّ بالتّخلّي عن عادة تجميع الدّروس في يوم واحد، وخاصّة في المؤسّسات الجامعيّة الدّاخليّة.

وأوّل قرارات نتّخذها هي أن نواصل العمل المشترك ضمن جبهة المثقّفين ضدّ الإرهاب، وستكون هذه الجبهة موجودة على الشبكة، وفي حوار مع الشّباب، وعلى استعداد لإنتاج أدوات ثقافيّة. وربّما نستعمل صيغة Conférence TED(Technology, Entertainment and Design) حتّى نتمكّن من عرض محتويات هذا التّقرير وما تضمّنه هذا المؤتمر عرضا جديدا يستفيد منه الجميع.

وسنساهم في تحقيق المقترح الذي تقدّم به الأستاذ يوسف صدّيق، ويتمثّل في بعث “نوادي الاختلاف” كلّ يوم جمعة في كلّ المؤسّسات التّربويّة والجامعات، مع ضمان حرّيّة التّعبير للجميع، يتمّ فيها التّداول في كلّ القضايا الإنسانيّة انطلاقا من كتب أو أفلام أو فيديوهات أو أفكار.

 

وآخر ما نختم به هو عبارة “الإحاطة الفنّيّة لتكريس القوّة الشّبابيّة”. هذه العبارة نطق بها تلميذ كان أوّل من أخذ الكلمة في اجتماع قليبية التّحضيريّ لهذا المؤتمر، يوم 6 أوت 2015. وعندما تحاورنا معه في نهاية الاجتماع، تبيّن أنّه خاض بداية تجربة انخراط في مجموعة جهاديّة، وابتعد عنها. وأصبح ينادي بضرورة الفنّ وضرورة “تكريس القوّة الشّبابيّة”.

هذه العبارة ربّما كانت الرّوح التي سرت فينا وتسرّبت إلى الورقات التي كتبنا من خلالها هذا التّقرير التّأليفيّ الأوّليّ، وحاولنا أن نؤدّي ما فيها قدر المستطاع.

الهامش:
1 -التّطرّف-في-جوامع-مدنين حرّم/ http://elhasade.com/

2- انظر مثلا:
خطب جمعة جاهزة . . اطبع واخطب[ منبر المضايف ] – شمر،
خطب الجمعة مكتوبة – موقع أهل السنة والجماعة

3- UIT, 2014. Measuring the Information Society Report. P4

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق