على وزن الريشة كيف أصبحت ماركسيًّا ضالا؟

بذلك العنوان المثير نشر اليوناني اليساريُّ يانس فاروفاكيس وزير مالية اليونان، الّذي دفعت به أزمة بلاده الأخيرة بعد فوز حزب تسيريزا اليساري إلى الواجهة الدوليّة، نشر بيانا وُصف بأنّه ناريٌّ. فيه يتوخّى المراوحة بين مسيرته الماركسيّة الشخصيّة والّتي بدأت منذ بداية سبعينات القرن الماضي، وبين فهمه واعتناقه للنظريّة الماديّة الجدليّة وما استبطنه من عطالة في النظريّة والواقع.

البيان هو عبارة عن جرد حساب، أو نقد ذاتيٍّ كما راج مفهومه عند طليعة اليسار التونسي في بداية الاستقلال، وجرد الحساب بلغة الاقتصاديين لمناضل يساريٍّ أثينيٍّ ماركسيٍّ أوروبيٍّ عن تجربته وتجربة بلاده وتجربة أوروبا والرأسماليّة العالميّة كلّها.

البيان النّاري مترجم عن الأنجليزية في عشر صفحات ونيّف. وما يهمّنا أساسا في ذلك البيان السياسيِّ الفكريِّ، الجدير بالقراءة والتّفاعل، هو روح الحيرة الّتي تعتمل في فكر اليساريين الأوروبيين الجذريين، وكيف أنّهم يقعون في الضلال عن الصواب بوعي واختيار، حرصا منهم على إنقاذ مجتمعاتهم والتّضحية بصحّة الأيديولوجيّة، رغم ما يسود في بيان يانيس فاروفاكيس وزير الماليّة الثوري الطاعن في الشباب، وشكله يشبه شكل زين الدّين زيدان لاعب الكرة الجزائري الفرنسي، والمستقيل من منصبه بعد مباحثات مضنية ومطوّلة مع الاتّحاد الأوروبي ودوائره الماليّة الّتي تداعت على التجربة اليساريّة الناهضة في دولة أثينا، وما لأثينا من موقع محوريٍّ أصلانيٍّ في الفكر الغربيِّ عبر التّاريخ، وما لها من روايات وأشعار وأساطير، فضلا عن الفلسفة الإغريقيّة وتعدّد الآهلة والأشواق… ومهما تكبّرت أوروبا فلن تنسى جدّتها وحكمة الأحفاد، والأحفاد في القارّة العجوز يعرفون لغة بعضهم البعض…

لا يفصل تونس عن اليونان مسافة غروب شمس سباحة، وهما من الدّول المشرفة على ضفّة البحر الأبيض المتوسّط، وليس مصير اليونان علينا بالبعيد في القديم والحديث، حيث كان دائما متلازما في التّشريق والتغريب، ولعلّ تلك الأزمة الكبرى، اليونانيّة العالميّة، تشبهنا من جهة ما أسفرت عنه الانتخابات، هنا شكل وهناك شكل آخر، ولكنّها انتخابات ديمقراطيّة تماما مثل الّذي حدثت عندنا، وذلك وجه شبه جوهريٌّ في مسألة السلطة في الدّول الحديثة، وهي انتخابات أثينيّة حديثة مشوّقة نزع فيها شباب اليسار ربطة العنق، ورفض الخضوع للإتيكات البورجوزايّة الأوروبيّة، حتّى أنّ رئيس إيطاليا الشّاب أهدى لرئيس أثينا الشّاب ربطة عنق على التلفاز، كشكّل مشهديٍّ على دراميّة ربطة العنق في السلوك الأوروبيِّ. وقد جرت تلك الانتخابات الّتي اهتمّ بها كلّ العالم، متزامنة مع انتخاباتنا الثوريّة الديمقراطيّة الحالمة، الّتي كانت هي الأخرى في دائرة الضّوء العالميِّ، وفاز بها اليسار هناك، نظرا لنوعيّة الثّقافة والتّاريخ، ووجد نفسه مكبّلا بوعوده وبرامجه الاقتصاديّة وبياناته النّاريّة في الاستقلال عن صندوق النّقد الدّوليِّ والاملاءات السياسيّة والاقتصاديّة ومصالح القوى العُظمى، وهو استقلال مالي واقصادي خرافيٌّ لأثينا لا توافقها عليه الرأسماليّة العالميّة الّتي تسود العالم الحاليَّ، وخصوصا في أوروبا وأمريكا…

يهمّنا أن نقتطف بعض العيّنات من بيان يانيس فاروفاكيس دون تبويب يفصل المسيرة الذاتيّة عن الوعي الفكري، لشدّة ما بينهما من جدل لا يكاد ينفصل، وتلك ميزة جوهريّة للفكر الجدلي الّذي يمتحن النظريّة على محكّ الواقع ويقدح بعض الشرارات ويبوح بما يعتمل في خاطره…

يتحدّث اختصاصي الاقتصاد، الزّعيم اليساري الضّال عن نفسه وأفكاره ونجاحاته في اختراق حصون الرأسماليّة كمدرّس لها، وكيف كان يخفي يساريته الجذريّة، ويتكتّم عن رؤيته الخاصة بالمسائل الّتي يدرّسها وفق مناهج النظام الرأسمالي، حيث يعيد إنتاجه معرفيًّا، بالأسلوب التّالي، فالمسألة هنا أساليب تتفقّه على بعضها، ويكفينا منها مجرّد الاطلاع، لأنّ المثال التونسيِّ غير المثال اليونانيِّ، رغم التّقاطع في التّعبير وفق لغة الديمقراطيّة، إلى حدّ الآن.

يقول يانيس فاروفاكيس:
ـ ما جذبني إلى ماركس كان موهبته الفذّة في كتابة سيناريو درامي للتّاريخ الإنساني، بل في الواقع للعنة البشر الّتي هي متضافرة أيضا مع إمكانيّة الخلاص والنّقاء الأصيل.
ـ حين اخترت موضوع رسالة الدكتوراة الخّاصة بي في عام 1982، تعمّدت التركيز على موضوع رياضي تماما ليس لفكر ماركس علاقة به. لكن لاحقا حين بدأت مسيرتي الأكاديميّة كمحاضر في أقسام علم الاقتصاد التقليديّة، كان الاتّفاق الضّمني بيني وبين الأقسام الّتي عرضت عليّ أن أقوم بالتّدريس فيها هي أن أدرس نوعيّة النظريّة الاقتصاديّة الّتي لا تترك أيَّ مجال لماركس. وفي نهاية الثمانينيات، وظّفتني كليّة الاقتصاد بجامعة سيدني من أجل استبعاد مرشّح يساري التّوجه (ولم أكن أعلم هذا حينذاك)“.

ـ قد يندهش القارئ حين يسمعني أصف نفسي بالماركسي. لكن في الحقيقة كارل ماركس مسؤول عن تشكيل نظرتي للعالم الّذي نعيش فيه منذ طفولتي وحتّى اليوم. لا أتطوّع كثيرا بالحديث عن هذا في المجتمعات الراقية لأنّ مجرّد ذكر اسم ماركس ينفر المستمعين. لكنّني لم أنكره أبدا أيضا. وبعد سنوات قليلة من مخاطبة مستمعين لا أشترك معهم في الأيدلوجيّة، تسلّلت إليَّ رغبة في الحديث عن تأثير ماركس على تفكيري. فرغم أنّني ماركسي لا يعتذر عن كونه ماركسيًّا، أعتقد أنّه من الضّروري مقاومة ماركس بحماس أيضا بطرق متعدّدة. بعبارة أخرى، أن أكون ضالا في ماركسيتي. لماذا أذكر ماركس الآن رغم أنّ مسيرتي الأكاديميّة تجاهلت ماركس إلى حدّ كبير، ورغم أنّ السياسات الّتي أتبناها اليوم من المستحيل أن توصف بالماركسيّة؟ الإجابة بسيطة: حتّى علم الاقتصاد غير الماركسيِّ الّذي أعمل وفقا إليه يوجّهه ذهن متأثّر بماركس.

ـ حين طُلِب منّي التّعليق على العالم الّذي نعيش فيه، لم يكن لديَّ بديل سوى العودة للتقليد الماركسي الّذي شكّل تفكيري منذ أطلعني والدي خبير المعادن وأنا طفل صغير على آثار الابتكارات التكنولوجيّة على العمليات التّاريخيّة. كيف على سبيل المثال أسرع الانتقال من العصر البرونزيِّ للعصر الحديديِّ من حركة التّاريخ، وكيف عجل اكتشاف الصلب من الزّمن، وكيف أدّت تكنولوجيا المعلومات القائمة على السيليكون إلى تسريع مسار الانقطاعات التّاريخية والاقتصاديّة الاجتماعيّة.

انتقلت إلى انجلترا للدراسة في الجامعة في سبتمبر 1978 أي قبل فوز مارجريت تاتشر الّذي غيّر وجه بريطانيا للأبد بستّة أشهر تقريبا. شاهدت حكومة العمّال وهي تتفكك تحت ضغط برنامجها الاجتماعيِّ الديمقراطيِّ المتفسخ، وهذا دفعني لارتكاب خطأ خطير: وهو أنّني ظننت أنّ انتصار تاتشر قد يكون شيئا جيّدا لأنّه سيؤدي لتوجيه صدمة سريعة وحادّة للطبقات العاملة والوسطى صدمة ضروريّة لإعادة إحياء السياسات التّقدميّة، وإعطاء اليسار فرصة لوضع أجندة جذريّة طازجة تناسب نوعا جديدا من السياسات التّقدميّة الفعّالة.

ـ وحتّى مع تضاعف البطالة مرّة ثمّ مرّتين تحت وطأة التّدخلات اللّيبراليّة الجديدة الجذريّة لتاتشر، ظللت أربي الأمل في أنّ لينين كان على صواب: فـ”الأمور يجب أن تزداد سوءا قبل أن تتحسّن“. لكن مع زيادة سوء الحياة وقسوتها وقصر مدّتها بالنسبة للكثيرين، خطر لي أنّني كنت مخطئا بشكل مريع: فالأمور يمكن أن تزداد سوءا بشكل مستمرٍّ دون أن تتحسّن أبدا. الأمل في أنّ انهيار السلع العامّة وتدهور حياة الملايين وانتشار الحرمان في كلّ ركن من المعمورة سيؤدي بشكل أوتوماتيكي لإعادة ميلاد اليسار كان مجرّد”أمل“.

ـ خلق ماركس رواية يسكنها العمّال والرأسماليون والمسؤولون في الدّولة والعلماء باعتبارهم شخصيات التّاريخ الدراميّة الّتي صارعت من أجل تعزيز العقل والعلم في سياق تمكين الإنسانيّة، لكنّهم أطلقوا- رغما عن نواياهم- قوى الشّر الّتي اغتصبت حريّتهم وإنسانيتهم ودمّرتها.

ـ من أهمّ الأسباب الّتي جعلت الآراء السّائدة تفشل في التّعامل مع الواقع المعاصر هو أنّها لم تفهم أبدا كيف يتمّ إنتاج الديون والفوائض، والنّمو والبطالة، والثروة والفقر، بل والخير والشّر، معا بشكل جدليٍّ. فرواية ماركس هي الّتي نبهتنا لهذه الثنائيات المتناقضة باعتبارها مصدر مكر التّاريخ.


ـ الدّرس الّذي علمتني إيّاه تاتشر بخصوص قدرة الركود الطويل على تدمير السياسات التّقدميّة هو درس أحمله معي في الأزمة الأوروبيّة الحالية. وهو في الحقيقة أهمّ عامل يحدّد موقفي بالنّسبة للأزمة. وهو السبب في اعترافي عن طيب خاطر بالخطيئة الّتي يتّهمني بها بعض نقادي من اليسار: خطيئة أنّني اخترت ألّا أطرح برامج سياسيّة جذريّة تسعى لاستغلال الأزمة كفرصة للإطاحة بالرأسماليّة الأوروبيّة وتفكيك منطقة اليورو البشعة وتدمير الاتّحاد الأوروبي المكوّن من كيانات احتكاريّة ومصرفيين مفلسين.

ـ وما الّذي سنستفيده اليوم من الدّعوة لتفكيك منطقة اليورو والاتّحاد الأوروبي نفسه بينما الرأسماليّة الأوروبيّة تفعل كلّ ما بوسعها لتدمير منطقة اليورو والاتّحاد الأوروبيَّ بل وتدمير نفسها؟

ـ إن خروج اليونان أو البرتغال أو إيطاليا من منطقة اليورو سيؤدي بسرعة إلى تفكّك الرأسماليّة الأوروبيّة وهو ما سينتج عنه وجود منطقة تتّسم بفائض وبحالة ركوديّة خطيرة شرق الراين وشمال الألب، بينما تقبع باقي أوروبا في قبضة الرّكود التّضخميِّ البشع. من تظنّه المستفيد من تطوّرات كهذه؟ يسار تقدميٌّ سيصعد مثل العنقاء من رماد المؤسّسات العامّة الأوروبيّة؟ أم نازيو”الفجر الذهبيِّ” والفاشيين الجدد والمعادون للأجانب والبلطجيّة الصّغار؟ ليس لديّ أدنى شكّ بخصوص أيّ من الاثنين سيستفيد أكثر من تفكيك منطقة اليورو.

ـ دعوني أنهي ما لدي باعترافين. أولا، إنّني أقبل بأن أدافع عن أجندة متواضعة لتحقيق الاستقرار لنظام انتقده وأعتبر دفاعي هذا عملا جذريًّا أصيلا. ولن أدعي أنّني متحمّس لهذا. قد يكون هذا ما علينا فعله في الظروف الحاليّة، لكنّني حزين لأنّني على الأرجح لن أحيا لأشهد بعيني تبنّي أجندة أكثر جذريّة.

ـ اعترافي الآخر شخصي إلى حدّ بعيد. أعلم أنّني أخاطر بأن أعوّض حزني من عدم إضاءة شمعة أمل من أجل تغيير النّظام الرأسماليِّ في حياتي بالتّمتع بشعور القبول من دوائر المجتمع الرّاقي. وقد بدأ الشّعور بالرّضا من قبول الأغنياء والأقوياء لي بالفعل يزحف على روحي أحيانا. ويا له من شعور أكول وفاسد وقبيح ومحافظ.

ـ الاعترافات الجذريّة- كذلك الّذي أقوم به هنا- هي المصل البرنامجي الوحيد غالبا المضاد للانزلاق الأيدلوجي نحو التّحول لتروس في الآلة. إن كان علينا أن نشكّل تحالفات مع أعدائنا السياسيين، فعلينا أن نتجنّب أن نصبح كالاشتراكيين الّذين فشلوا في تغيير العالم لكنّهم نجحوا في تحسين ظروفهم الخاصّة. التّحدي هو أن نتجنب التّطرف الثوري الّذي يساعد في النهاية اللّيبراليين الجدد على تجاوز كلّ المعارضة أمام سياساتهم الهدّامة، وأن نبقى مدركين لمكامن الفشل الأصيلة في الرأسماليّة ونحن نحاول إنقاذها من نفسها من أجل أهدافنا الاستراتيجيّة.

ـ تلك كانت أقوال منتقاة من ترجمة لمقال (How I Became an Erratic Marxist) ليانيس ڤاروفاكيس المنشور على موقع الجارديان بالإنجليزيّة في 18 فيفري 2015 … وأنجزت التّرجمة على النّات إلهام عيداروس على السّاعة الحادية وأربعين دقيقة ليلا بتاريخ 1/8/2015 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This