من كتاب التّعرف لمذهب أهل التّصوف للكلاباذي (ت 380 هـ)

عُلُوم الصُّوفِيَّة عُلُوم الْأَحْوَال


أَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق اعْلَم أَن عُلُوم الصُّوفِيَّة عُلُوم الْأَحْوَال وَالْأَحْوَال مَوَارِيث الْأَعْمَال وَلَا يَرث الْأَحْوَال إِلَّا من صحّح الْأَعْمَال وَأوّل تَصْحِيح الْأَعْمَال معرفَة علومها وهى علم الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة من أصُول الْفِقْه وفروعه من الصَّلَاة وَالصَّوْم وَسَائِر الْفَرَائِض إِلَى علم الْمُعَامَلَات من النِّكَاح وَالطَّلَاق والمبايعات وَسَائِر مَا أوجب الله تَعَالَى وَندب إِلَيْهِ وَمَا لاغناء بِهِ عَنهُ من أُمُور المعاش
وَهَذِه عُلُوم التَّعَلُّم والاكتساب فَأول مَا يلْزم العَبْد الِاجْتِهَاد فى طلب هَذَا الْعلم وإحكامه على قدر مَا أمكنه ووسعه طبعه وقوى عَلَيْهِ فهمه بعد إحكام علم التَّوْحِيد والمعرفة على طَرِيق الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع السّلف الصَّالح عَلَيْهِ الْقدر الَّذِي يتَيَقَّن بِصِحَّة مَا عَلَيْهِ أهل السّنة وَالْجَمَاعَة فَإِن وفْق لما فَوْقه من نفى الشّبَه الَّتِى تعترضه من خاطر أَو نَاظر فَذَاك وَإِن أعرض عَن خواطر السوء اعتصاما بِالْجُمْلَةِ الَّتِي عرفهَا وتجافى عَن المناظر الَّذِي يحاجه فِيهِ ويجادله عَلَيْهِ وباعده فَهُوَ فِي سَعَة إِن شَاءَ الله عزّ وَجلّ واشتغل بِاسْتِعْمَال علمه وَعمل بِمَا علم فَأوّل مَا يلْزمه علم آفَات النَّفس ومعرفتها ورياضتها وتهذيب أخلاقها ومكائد الْعَدو وفتنة الدُّنْيَا وسبيل الِاحْتِرَاز مِنْهَا وَهَذَا الْعلم علم الْحِكْمَة فَإِذا استقامت النَّفس على الْوَاجِب وصلحت طباعها وتأدبت بآداب الله عزّ وَجلّ من زم جوارحها وَحفظ أطرافها وَجمع حواسها سهل عَلَيْهِ إصْلَاح أخلاقها وتطهير الظَّاهِر مِنْهَا والفراغ مِمَّا لَهَا وعزوفها عَن الدُّنْيَا وإعراضها عَنْهَا فَعِنْدَ ذَلِك يُمكن العَبْد مراقبة الخواطر وتطهير السرائر وَهَذَا هُوَ علم الْمعرفَة ثمَّ وَرَاء هَذَا عُلُوم الخواطر وعلوم المشاهدات المكاشفات وهى الَّتِى تخْتَص بِعلم الْإِشَارَة وَهُوَ الْعلم الّذى تفردت بِهِ الصُّوفِيَّة بعد جمعهَا سَائِر الْعُلُوم الَّتِى وصفناها وَإِنَّمَا قيل علم الْإِشَارَة لِأَن مشاهدات الْقُلُوب ومكاشفات الْأَسْرَار لَا يُمكن الْعبارَة عَنْهَا على التَّحْقِيق بل تعلم بالمنازلات والمواحيد وَلَا يعرفهَا إِلَّا من نَازل تِلْكَ الْأَحْوَال وَحلّ تِلْكَ المقامات.

روى سعيد بن الْمسيب عَن أَبى هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن من الْعلم كَهَيئَةِ الْمكنون لَا يُعلمهُ إِلَّا أهل الْمعرفَة بِاللَّه فَإِذا نطقوا بِهِ لم يُنكره إِلَّا أهل الْغرَّة بِاللَّه وَعَن عبد الْوَاحِد بن زيد قَالَ سَأَلت الْحسن عَن علم الْبَاطِن فَقَالَ سَأَلت حُذَيْفَة بن الْيَمَان عَن علم الْبَاطِن فَقَالَ سَأَلت رَسُول الله عَن علم الْبَاطِن فَقَالَ سَأَلت جِبْرِيل عَن علم الْبَاطِن فَقَالَ سَأَلت الله عزّ وَجلّ عَن علم الْبَاطِن فَقَالَ هُوَ سرّ من سرى أجعله فى قلب عبدى لَا يقف عَلَيْهِ أحد من خلقى قَالَ أَبُو الْحسن بن أَبى ذَر فى كِتَابه منهاج الدّين أنشدونا للشبلى . علم التصوف علم لَا نفاد لَهُ … علم سنى سماوى ربوبى … فِيهِ الْفَوَائِد للأرباب يعرفهَا … أهل الجزالة والصنع الخصوصى …

ثمَّ لكلّ مقَام بَدْء وَنِهَايَة وَبَينهمَا أَحْوَال مُتَفَاوِتَة وَلكُل مقَام علم وَإِلَى كلّ حَال إِشَارَة وَمَعَ كل مقَام إِثْبَات وَنفى وَلَيْسَ كلّ مَا نفى فى مقَام كَانَ منفيا فِيمَا قبله وَلَا كل مَا أثبت فِيهِ كَانَ مثبتا فِيمَا دونه
وَهُوَ كَمَا روى عَن النّبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ لَا إِيمَان لمن لَا أَمَانَة لَهُ فنفى إِيمَان الْأَمَانَة لَا ايمان العقد والمخاطبون أدركوا ذَلِك إِذْ كَانُوا قد حلّوا مقَام الْأَمَانَة أَو جاوزوه إِلَى مَا فَوْقه وَكَانَ عَلَيْهِ السَّلَام مشرفا على أَحْوَالهم فَصرحَ لَهُم فَأَما من لم يشرف على أَحْوَال السامعين وَعبر عَن مقَام فنفى فِيهِ وَأثبت جَازَ أَن يكون فى السّامعين من لم يحل ذَلِك الْمقَام وَكَانَ الذى نَفَاهُ الْقَائِل مثبتا فى مقَام السَّامع فَيَسْبق إِلَى وهم السَّامع أَنّه نفى مَا أثْبته الْعلم فخطأ قَائِله أَو بدعه وَرُبمَا كفره
فَلَمَّا كَانَ الْأَمر كَذَلِك اصطلحت هَذِه الطَّائِفَة على أَلْفَاظ فى علومها تعارفوها بَينهم ورمزوا بهَا فأدركه صَاحبه وخفى على السَّامع الذى لم يحل مقَامه فَأَما أَن يحسن ظَنّه بالقائل فيقبله وَيرجع إِلَى نَفسه فَيحكم عَلَيْهَا بقصور فهمه عَنهُ أَو يسوء ظَنّه بِهِ فيهوس قَائِله وينبه إِلَى الهذيان وَهَذَا أسلم لَهُ من رد حق وإنكاره قَالَ بعض الْمُتَكَلِّمين لأبي الْعَبَّاس بن عَطاء مَا بالكم أَيهَا المتصوفة قد اشتققتم ألفاظا أغربتم بهَا على السامعين وخرجتم عَن اللِّسَان الْمُعْتَاد هَل هَذَا إِلَّا طلب للتمويه أَو ستر لعوار الْمَذْهَب فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس مَا فعلنَا ذَلِك إِلَّا لغيرتنا عَلَيْهِ لعزته علينا كَيْلا يشْربهَا غير طائفتنا ثمَّ انْدفع يَقُول … أحسن مَا أظهره ونظهره … بادئ حق للقلوب نشعره … يُخْبِرنِي عني وَعنهُ أخبرهُ … أكسوه من رونقه مَا يستره … عَن جَاهِل لَا يَسْتَطِيع ينشره يفْسد مَعْنَاهُ إِذا مَا يعبره … فَلَا يطبق اللَّفْظ بل لَا يعشره … ثمَّ يوافي غَيره فيخبره … فَيظْهر الْجَهْل وتبدو زمره … ويدرس الْعلم وَيَعْفُو أَثَره … 

وأنشدونا أَيْضا لَهُ … إِذا أهل الْعبارَة ساءلونا … أجبناهم بأعلام الإشاره … نشِير بهَا فنجعلها غموضا … تقصر عَنهُ تَرْجَمَة العباره … ونشهدها وتشهدنا سُرُورًا … لَهُ فِي كل جارحة إثاره … ترى الْأَقْوَال فِي الْأَحْوَال أسرى … كأسر العارفين ذَوي الخسارة …

الْبَاب الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ
فِي التّصوف مَا هُوَ


سَمِعت أَبَا الْحسن مُحَمَّد بن أَحْمد الْفَارِسِي يَقُول أَرْكَان التّصوف عشرَة أَوّلهَا تَجْرِيد التَّوْحِيد ثمَّ فهم السّماع وَحسن الْعشْرَة وإيثار الإيثار وَترك الِاخْتِيَار وَسُرْعَة الوجد والكشف عَن الخواطر وَكَثْرَة الْأَسْفَار وَترك الِاكْتِسَاب وَتَحْرِيم الادخار معنى تَجْرِيد التَّوْحِيد أَن لَا يشوبه خاطر تَشْبِيه أَو تَعْطِيل وَفهم السّماع أَن يسمع بِحَالهِ لَا بِالْعلمِ فَقَط وإيثار الإيثار أَن يُؤثر على نَفسه غَيره بالإيثار ليَكُون فضل الإيثار لغيره وَسُرْعَة الوجد أن لَا يكون فارغ السِّرّ مِمَّا يثير الوجد وَلَا ممتلئ السِّرّ مِمَّا يمْنَع من سَماع زواجر الْحقّ والكشف عَن الخواطر أَن يبْحَث عَن كل مَا يخْطر على سرّه فيتابع مَا للحق ويدع مَا لَيْسَ لَهُ وَكَثْرَة الْأَسْفَار لشهود الِاعْتِبَار فِي الْآفَاق والأقطار قَالَ الله تَعَالَى أولم يَسِيرُوا فِي الأَرْض فينظروا كَيفَ كَانَ عَاقِبَة الَّذين كَانُوا من قبلهم قل سِيرُوا فِي الأَرْض فانظروا كَيفَ بَدَأَ الْخلق قيل فِي قَوْله عزّ وَجلّ قل سِيرُوا فِي الأَرْض قَالَ بضياء الْمعرفَة لَا بظلمة النكرَة ولقطع الْأَسْبَاب ورياضة النُّفُوس وَترك الِاكْتِسَاب لمطالبة النُّفُوس بالتوكّل وَتَحْرِيم الادخار فِي حَالَة لَا فِي وَاجِب الْعلم كَمَا قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الَّذِي مَاتَ من أهل الصّفة وَترك دِينَارا فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كيه.

قَوْلهم فِي كرامات الْأَوْلِيَاء

اجْمَعُوا على إِثْبَات كرامات الْأَوْلِيَاء وَإِن كَانَت تدخل فِي بَاب المعجزات كالمشي على المَاء وَكَلَام الْبَهَائِم وطي الأَرْض وَظُهُور الشئ فِي غير مَوْضِعه وَوَقته وَقد جَاءَت الْأَخْبَار بهَا وَصحت الرِّوَايَات ونطق بهَا التَّنْزِيل من قصَّة الَّذِي عِنْده علم من الْكتاب فِي قَوْله تَعَالَى أَنا آتِيك بِهِ قبل أَن يرْتَد إِلَيْك طرفك وقصّة مَرْيَم حِين قَالَ لَهَا زَكَرِيَّا أَنى لَك هَذَا قَالَت هُوَ من عِنْد الله وقصّة الرجلَيْن اللَّذين كَانَا عِنْد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ خرجا فأضاء لَهما سوطاهما وَغير ذَلِك وَجَوَاز ذَلِك فِي عصر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَغير عصره وَاحِد وَذَلِكَ أَنّه إِذا كَانَت فِي عصر النَّبِي للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على معنى التَّصْدِيق لَهُ كَانَ فِي غير عصره على معنى التَّصْدِيق وَقد كَانَ بعد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لعمر بن الْخطاب حِين نَادَى سَارِيَة قَالَ لسارية يَا سَارِيَة بن حصن الْجَبَل الْجَبَل وَعمر بِالْمَدِينَةِ على الْمِنْبَر وسارية فِي وَجه الْعَدو على مسيرَة شهر وَالْأَخْبَار فِي هَذَا كَثِيرَة وافرة وَإِنَّمَا أنكر جَوَاز ذَلِك من أنكر لِأَن فِيهِ زعم إبِْطَال النّبوات لِأَن النَّبِي لَا يظْهر عَن غَيره إِلَّا بمعجزة يَأْتِي بهَا تدل على صدقه ويعجز عَنْهَا غَيره فَإِذا ظَهرت على يَدي غَيره لم يكن بَينه وَبَين من لَيْسَ بِنَبِي فرق وَلَا دَلِيل على صدقه قَالُوا وَفِيه تعجيز الله عَن إِظْهَار نَبِي عَن من لَيْسَ بِنَبِي وَقَالَ أَبُو بكر الْوراق النَّبِي لم يكن نَبيّا للمعجزة وَإِنَّمَا كَانَ نَبيّا بإرسال الله تَعَالَى إِيَّاه ووحيه إِلَيْهِ فَمن أرْسلهُ الله وَأوحى إِلَيْهِ فَهُوَ نَبِي كَانَت مَعَه معْجزَة أَو لم تكن وَوَجَب على من دَعَاهُ الرَّسُول الْإِجَابَة لَهُ وَإِن لم يره معْجزَة وَإِنَّمَا كَانَت المعجزات لإِثْبَات الْحجَّة على من أنكر وَوُجُوب كلمة الْعَذَاب على من عاند وَكفر وَإِنَّمَا وَجَبت الْإِجَابَة للنَّبِي بدعوته لِأَنَّهُ يَدعُوهُ إِلَى مَا أوجب الله عَلَيْهِ من وَالْأَصْل فِي ذَلِك أَنَّهُمَا عينان نَبِي ومتنبي فالنبي صَادِق والمتنبي كَاذِب وهما يشتبهان فِي الصُّورَة والتركيب وَأَجْمعُوا أَن الصَّادِق يُؤَيّدهُ الله بالمعجزة والكاذب لَا يجوز لَهُ مَا يكون للصادق لِأَن فِي هَذَا تعجيز الله عَن إِظْهَار الصَّادِق من الْكَاذِب فَأَمّا إِذا كَانَ ولي صَادِق وَلَيْسَ بِنَبِي فَإِنَّهُ لَا لَا يَدعِي النُّبُوَّة وَلَا مَا هُوَ كذب وباطل وَإِنَّمَا يَدْعُو إِلَى مَا هُوَ حق وَصدق فَإِن أظهر الله عَلَيْهِ كَرَامَة لم يقْدَح ذَلِك فِي نبوة النَّبِي وَلَا أوجب شُبْهَة فِيهَا لِأَن الصَّادِق يَقُول مَا يَقُوله النَّبِي وَيَدْعُو إِلَى مَا يدعوا إِلَيْهِ النَّبِي فظهور الْكَرَامَة لَهُ تأييد لنَبِيّ وَإِظْهَار لدعوته وإلزام لحجته وتصديقه فِيمَا يَدعُوهُ ويدعيه من النُّبُوَّة وَإِثْبَات تَوْحِيد الله عزّ وَجلّ وَجوز بَعضهم أَن يرى الله أعداءه فِي خَاصَّة أنفسهم وَفِيمَا لَا يُوجب شُبْهَة مَا يخرج من الْعَادَات وَيكون ذَلِك استدراجا لَهُم وسببا لهلاكهم وَذَلِكَ انها تولد فِي أنفسهم تَعَظُّمًا وكبرياء ويرون أَنَّهَا كرامات لَهُم استأهلوها بأعمالهم واستوجبوها بأفعالهم فيتكلون على أَعْمَالهم ويرون لَهُم الْفضل على الْخلق فيزرون بعباده ويأمنون مكره ويستطيلون على عباده وَأمّا الْأَوْلِيَاء فَإِنَّهُم إِذا ظهر لَهُم من كرامات الله شئ ازدادوا لله تذللا وخضوعا وخشية واستكانة وإزراء بنفوسهم وإيجابا لحقّ الله عَلَيْهِم فَيكون ذَلِك زِيَادَة لَهُم فِي أُمُورهم وَقُوَّة على مجاهداتهم وشكرا لله تَعَالَى على مَا أَعْطَاهُم فَالَّذِي للأنبياء معجزات وللأولياء كرامات وللأعداء مخادعات يخْشَى عَلَيْهِم الْفِتْنَة مَعَ عدم الْعِصْمَة والأنبياء لَا يخْشَى عَلَيْهِم الْفِتْنَة بهَا لأَنهم معصومون قَالُوا وكرامة الْوَلِيّ بإجابة عوة وَتَمام حَال وَقُوَّة على فعل وكفاية مُؤنَة يقوم لَهُم الْحقّ بهَا وَهِي مِمَّا يخرج عَن الْعَادَات ومعجزات الْأَنْبِيَاء إِخْرَاج الشئ من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود وتقليب الْأَعْيَان وَجوز بعض الْمُتَكَلِّمين وَقوم من الصُّوفِيَّة إظهارها على الْكَذَّابين من حَيْثُ لَا يعلمُونَ وَقت مَا يدعونها فِيمَا لَا يُوجب شُبْهَة كَمَا روى فِي قصَّة فِرْعَوْن من جرى النّيل مَعَه وكما أخبر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلّم فِي قصَّة الدَّجَّال أَنّه يقتل رجلا ثمَّ يحيية فِيمَا يخيل إِلَيْهِ قَالُوا إِنَّمَا جَازَ ذَلِك لِأَنَّهُمَا ادّعَيَا مَا لَا يُوجب شُبْهَة لِأَن أعيانهما تشهد على كذبهما فِيمَا ادعياه من الربوبية وَاخْتلفُوا فِي الْوَلِيّ هَل يجوز أَن يعرف أَنّه ولي ام لَا فَقَالَ بَعضهم لَا يجوز ذَلِك لِأَن معرفَة ذَلِك تزيل عَنهُ خوف الْعَاقِبَة وَزَوَال خوف الْعَاقِبَة يُوجب الْأَمْن وَفِي وجوب الْمَنّ زَوَال الْعُبُودِيَّة لِأَن العَبْد بَين الْخَوْف والرجاء قَالَ الله تَعَالَى ويدعوننا رغبا ورهبا وَقَالَ الأجلة مِنْهُم والكبار يجوز أَن يعرف الْوَلِيّ ولَايَته لِأَنَّهَا كَرَامَة من الله تَعَالَى للْعَبد والكرامات وَالنّعَم يجوز أَن يعلم ذَلِك فَيَقْتَضِي زِيَادَة الشُّكْر.

 قَوْلهم فِي الْأَطْفَال

وأقروا أَن أَطْفَال الْمُؤمنِينَ مَعَ آبَائِهِم فِي الْجنَّة وَاخْتلفُوا فِي أَطْفَال الْمُشْركين فَمنهمْ من قَالَ لَا يعذب الله بالنَّار إِلَّا بعد لُزُوم الْحجَّة على من عاند وَكفر وَوَجَبَت عَلَيْهِ الْأَحْكَام وأرجأ الْأَكْثَرُونَ أَمرهم إِلَى الله تَعَالَى وجوزوا تعذيبهم وتنعيمهم وَأَجْمعُوا على أَنّ الْمسْح على الْخُفَّيْنِ حقّ وجوزوا أَن يرْزق الله الْحَرَام وأنكروا الْجِدَال والمراء فِي الدّين وَالْخُصُومَة فِي الْقدر والتنازع فِيهِ وَرَأَوا التشاغل بِمَا لَهُم وَعَلَيْهِم أولى من الْخُصُومَات فِي الدّين وَرَأَوا طلب الْعلم أفضل الْأَعْمَال وَهُوَ علم الْوَقْت بِمَا يجب عَلَيْهِم ظَاهرا وَبَاطنا وهم أشْفق النَّاس على خلق الله من فصيح وأعجم وأبذل النَّاس بِمَا فِي أَيْديهم وأزهدهم عَمَّا فِي أَيدي النَّاس واشدهم إعْرَاضًا عَن الدُّنْيَا وَأَكْثَرهم طلبا للسّنة والْآثَار وأحرصهم على اتّباعها.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This