نفايات وطواعين وحروب أهلية وطوفانات مهدوية / وضاح شرارة

هذه المرة، لم يضرب عمال التنظيفات، وهم الزبالون في اللغة السائرة والمتداولة، ولم يغرقوا المدن التي تتولى مجالسها البلدية جمع النفايات أو الزبالة من الطرق والمستوعبات بنفايات سكانها المتراكمة التي يقايض العمال المضربون، حين يضربون، تحميلها المستمر بزيادة أجر أو بتثبيت أو بمنحة دراسية. وهذا كله غير ذي موضوع اليوم. فعمال التنظيفات، تهذيباً، كفوا مكرهين عن الالتحاق ببلدية بيروت الممتازة، وصاحبُ عملهم شركة مناقِصة على دفتر شروط وتكلفة. وهم ليسوا، ما عدا «كوادرهم»، محليين وطنيين، أي لبنانيين، منذ بدايات الانماء والاعمار وأواخر الحروب الملبننة. ومعظمهم يد عاملة مهاجرة من بلدانها الأسيوية والشرق أوسطية القريبة والافريقية المجاورة. وهؤلاء يعز عليهم، الى حد الامتناع، التظلم وطلب التثبيت والضمانات الاجتماعية والحقوق المكتسبة.

فما يغرق المدن بالنفايات، أو من يغرقها، ليسوا إلا أهلها أو من أنابوهم عنهم وندبوهم الى تدبير شؤونهم العامة. وهذه تتولى الحسبة، على قول المسلمين قديماً، أو تتولى «البوليس»، على قول الفرنجة حديثاً (منذ 4 قرون أو ربما أكثر)، تصريفها وتسييرها. فالاهل الذين ارتضوا الى اليوم إيواء كتل النفايات التي «ينتجها» سكان المدن، وفي صدارتها المدينة الكبيرة او العظيمة، أو يطّرحونها ويخرجونها فضلات من استهلاكهم المتعاظم والمتنوع، يرجعون في رضاهم المتعب ويعودون عنه. وبعد نحو ربع القرن على استقبالهم النفايات في ضواحي بلداتهم أو مدنهم الصغيرة في المحافظات القريبة، وذيول النفايات القبيحة والمضرة، ثاروا على «تخصيصهم» بهذه الهبة، وأقفلوا الطرق المفضية الى المكبات وجبالها المتعالية، أو الى المطامر وبطونها المنتفخة والمضطربة. فاضطر السكان، الشطر المدني أو المديني منهم، الى اختبار ما لم يسبق ان اختبروه: احتمال أثقال فضلاتهم وبقاياهم التي يتخففون منها ويُلقونها الى من يلمونها ويجمعونها وينقلونها الى حيث لا يعلم السكان ولا يرون ولا يتنفسون.

وفي اعقاب ربع القرن تقريباً، أو أقل بقليل، على التزام شركة خاصة ومناقِصة جمع النفايات ورميها بعيداً من دوائر السكن، وهذا أعفى البلديات وناخبيها من هذه التبعة، نسي السكان والاهالي عهداً سابقاً أناخت فيه النفايات بكلكلها الثقيل والساحق على صدر بيروت، والمدن الاخرى، وأنفاس أهلها أو المقيمين بها. والعهد السابق هذا هو أعوام الحروب الميمونة، دفاعاً عن عروبة لبنان (وليس وجهه العربي وحسب) وفي سبيل استتمام الوطن الناقص ووحدته الوطنية الجامعة وديموقراطيته المسلحة. فيومها، ابتكرت عبقرية الشعب المقاوم، وحليف «البندقية الفلسطينية» الصامدة وسوق تصريف الهبات القذافية والصدامية والاسدية، حلاً حاسماً لمعضلة النفايات: رمتها في بحر «منطقة الفنادق» الفخمة والغربية، فأغلقت الفنادق ومنطقتها، ونفت معظم الاهالي المسيحيين المقيمين بجوارها القريب وكل اليهود من بيوتهم وأحيائهم، وأعدت لإيواء المهجرين من ضواحي بيروت الشرقية. وفَتحت ساحات القتال الحر والاقتتال امام المقاتلين المحترفين للفداء، ووهبتهم مكباً خفياً ومستتراً لجثث بعض من لا يليق بمقابر المؤمنين دفنهم أو قبرهم فيها.

وارتفعت جبال النفايات قبل أن تمهدها شركة سوليدير، غداة 15 عاماً على نتوئها وتسويتها سهلاً. وألحقت بالمعمور نحو 4.5 كلم2 من اليابسة استخلصتها، بعد معالجة دقيقة، من البحر الملوث ومن أرض مائعة وعقيمة. وعوَّض المالكون القدامى والشركة الجديدة المهجرين، وأخلوا «المحلة» وجوارها ممن اضطروا الى اللجوء اليها، وأقاموا بها نصف جيلٍ أو قرنٍ من الناس حوله بعضهم استثماراً مجزياً بمعونة حركة أهلية صدرت عن التهجير والمهجرين وعن سياساتهم المضمرة والمعلنة. وقبل ذلك ترك هذا الشطر من خليج مار جاورجيوس، على ما كانت تعرفه الخرائط المدرسية، نهباً لطوفان البقايا والقذارات والجيف والنتن، وما يتقيأه الاهل ويطرحونه ويهيلون عليه عتمات القبور وظلام النسيان، من غير أنصاب ولا شواهد هذه المرة.

واتفقت هذه الاعوام، وقتاً وزمناً، ثم ابتداء سكان لبنان وبيروت على الاخص عصراً جديداً مع «السلم» السوري، والانماء والإعمار، وعودة شطر من المهجرين المهاجرين الى مواطنهم الاولى (اتفقت) مع فورة استهلاك اكثر أو اشد حداثة أعقب اقتصاد السلع المعمرة (البرادات والغسالات و»الغاز» والسيارات بعد الراديوات والساعات وقبل أجهزة التلفزيون…)، ونهض على رمي الادوات الآلية وأوعيتها حال استعمالها تقريباً. فنجم عن هذا، وعن هجرة متفاقمة، أهلية وسياسية واجتماعية الى بيروت، واتصال الضواحي بالمدينة الكبيرة والتصاقها بها والتغلغل فيها قبل السيطرة العسكرية والامنية والسياسية عليها، تعاظمُ «نفي» السكان ما يفضل عنهم، ويتخلف عن استهلاكهم ويرمونه في مستوعبات مختلطة تجمعه وتقبره حيث لا عين رأت، ولا قلب توجَّع.

وعلى شاكلة امور كثيرة أخرى، مثل استهلاك الكهرباء والماء أو المواصلات والمحروقات والسكن في المدينة الكبيرة وخارجها، صوّر «السلم» السوري، الامني والردعي، ومن ورائه «الرعاية» العربية، المرافق العامة هذه- وسماها الانتداب الاوروبي «مصالح مشتركة» و»احتكارات» ورهن بها تسديد السلطنة جبل ديونها- في صورة منحة أو هبة سنية تنزل على الناس لقاء لزومهم السكينة والسلم الاهليين. فلا تغير سُلَّم الاستهلاك احتُسب ولُحظ، ولا احتسب تعاظم العدد والكم طرداً مع انقلاب نوع السلع و»تحديثه». ولما خرج اللبنانيون من الحروب المتعاقبة والمركبة فرقاً وشيعاً فوق ما كانوا عدداً، وأعمق فروقاً، وأشد اختلالاً وتفاوتاً، وناطوا وحدتهم ومشتركهم بـ»قوة» وصاية متحكمة تشكو من أمراضهم فوق ما يشكون هم، صدعوا بتحكيم الوصاية الفاتحة، على اشكال التحكيم وصوره. ونزَّهوا البت في مشكلاتهم المعقدة والمتراكمة من انقسامات المجالس المنتخبة والمنتدبة، وبطئها وترددها ومنازعاتها.

وماشوا ترويج قوة الاحتلال والتسلط لنوع الإدارة الذي تعرفه، وألفته وحسبته الدواء الشافي للانقسامات والخلافات، وهو (اي نوع الادارة) الجمع بين النفخ في الفروق القائمة وتغذيتها وتثبيتها، وبين «حلول» ظاهرة التقنية تعفي الناس من النظر في المسائل وتحمل تبعاتهم عنها وعن مآلاتها. ففي «المسألة الكهربائية»، على سبيل المثل، أغضوا فرحين ومكرهين معاً وعلى مقادير متفاوتة، عن استهلاك شطر من اللبنانيين حصصاً من التيار والتوزيع خلسة وعلى رؤوس الاشهاد، في ظروف تجمع المهانة والقلة الى الوصمة والتمييز السالب والمنتَقِص. وفي «المسألة السكنية»، اضطر من يسمون قدامى المالكين، اصحاب العقارات المؤجرة قبل إهلال الحروب المباركة وفي أثناء العقد ونصف العقد بعده، والمستأجرون الى المساكنة على كراهية وإكراه متبادلين. وترتب على هذه المساكنة تردي أحوال الابنية الى حد الانهيار، وتردي احوال معظم اصحابها الى حد الإدقاع. وترتب استئنافُ الايجارات في الابنية الجديدة على اساس دخول وعوائد بعيدة من الدخول والعوائد المتوسطة، ومن متناول اصحابها. وأعملت جماعات محظية وبائسة «قانونها» العقاري الاهلي والخاص في بناء عشوائي التهم سريعاً الاحتياط المائي، وممرات الهواء الجاري، وهوامش المساحات الفاصلة بين المباني، وضوابط سلامة السكن والملاحة الجوية.

وهذه، وغيرها على شاكلتها، من علامات «نظام» جديد تضافر على صنعه اختلالُ موازين الاجتماع السياسي اللبناني التقليدي، وعصفُ النزعات العصبية والعامية المحلية والعربية الاقليمية بهذه الموازين واستبدالها، في لبنان وجواره القريب والابعد، بالاستيلاء العصبي والبيروقراطي العسكري على «دولة» أمنية وإدارية تتربع في خواء اجتماعي فاغر. وأسرع سياسيون ومعلقون ودعاة كثر الى حمل «مسألة النفايات» على «النظام» اللبناني- وعلى «بنيته» الطائفية التي صاغتها الحركة «الوطنية» المحلية مثالها وشخصتها في شراكة عميقة مع المنظمات الفلسطينية المسلحة، وأجهزة الامن والاستخبارات السورية، وقبضايات الاحياء البيروتية والطرابلسية والصيداوية وصاغها مثقفوهم العروبيون- حين يُظهر فحصٌ سريع صدور المسألة عن عوامل أقحمت معظمَها على الاجتماع اللبناني الانظمةُ المتفجرة اليوم تحت وطأة خوائها السياسي الاجتماعي، واختلال موازين جماعاتها وأجهزة دولها، وفساد طواقم حكمها وموالي هذه الطواقم، وتخففها من المراقبة ومعايير الاداء على حدها الادنى.

ولا ريب في ان رؤيوية هذه الانظمة الأخروية والكارثية، أو اختبارَها الزمن تحت شارة «الابوكاليبس»، على قول ستاتوس أحد المدونين، ولواء ملاك التاريخ على ما تداعى آخر، وامتلاء الارض جوراً عشية امتلائها عدلاً، وحاجتَها الى التماسك تحت حوافر وسنابك حرب أهلية وكونية- تتفق وفكرة الطوفان التي يمثل عليها تراكمُ الزبالة، وعمومُها الطرق والحارات، وسدها المنافذ على الانتقال السيَّار وعلى الصدور والزلاعيم والعيون، وقطعها الاتصالات الهاتفية، وتشديدها الحصار على الناس في بيوتهم الموصدة النوافذ والابواب، وتسللها الى بطن الارض وتلويثها المياه، ونشرها الغازات المسرطنة… فهذه الحال، الحميمة الصلة بالحياة في «عهد» الطواعين والحروب الاهلية المتمادية (واستعارة وباء الطاعون للكناية عن الحرب الاهلية من الاستعارات السائرة والمطروقة)، وظلها أو قبضتها، تنم بالشبه الشديد بين تسلط الوباء وحصاره وبين سلاطة الاستبداد الاهلي وحروبه. وقد يُراد الكلام على الواحد فيصيب الآخر ويجري عليه.

عن ملحق نوافذ

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق