الحضارة الحديثة تصنع آلهتها لباربرو غوستافسون روسنكفيست

هل كانت الآيديولوجيات الشّموليّة في فترة مّا بين الحربين العالميتين – الفاشيّة الإيطالية والنّازيّة الألمانيّة والبلشفيّة الروسيّة – ضربًا من الأديان؟ هذا ما ذهب إليه بعض المؤرخين الّذين درسوا تلك الحركات. وفي كتابه الواسع التأثير The sacralization of politics in fascist Italy الصادر عام 1993 قدّم المؤرخ الإيطالي إيميليو جنتيل تفسيرًا للفاشيّة الإيطالية بوصفها “دينًا سياسيًا”. وفيما بعد وسع جنتيل وآخرون نطاق هذا التّفسير ليشمل حتّى النّازية والشّيوعيّة.

كانت العلْمَنة خلال القرن التّاسع عشر قد خلقت نوعًا من الفراغ، وكنست الإيمان القديم مستأصلةً التعاليم الّتي كانت من قَبْل تبعث الإطمئنان، كما أدّت إلى الشّعور بانعدام الجذور وانعدام الوجهة. لكن المفارقة اللاّفتة هي أنّ ذلك قد أدى إلى ظهور الاهتمام بالدّين من جديد. فقد عمل الرّعب الّذي أحدثته الحرب العالميّة الأولى على تقوية الشّعور العام بالأزمة، وخلق يأسًا كبيرًا، بل وخلق أيضًا جوعًا إلى أمل جديد، فلبّت الحركات الشّموليّة في وقتها، والّتي كانت لا دينيّة أو حتّى معادية للدّين، هذه الحاجة – كثمرة من ثمار العلمانيّة – عبر تأليهها لما هو من خَلْق الإنسان نفسه: الدّولة والأمّة قبل كلّ شيء من خلال رموزهما، ولكن أيضًا التكنيك والحداثة فيما بعد. وهكذا يمكن تصوّر الولاء والتّأثر الوجداني اللّذين كُرِّسا لهذه الرّموز بعدما كانا في السّابق يكرسان للدّين.

أكّدت تلك الحركات اللاّديمقراطيّة، والّتي لم يكن في برامجها ذكر للحريّة أو للتّفكير المستقلّ، على أنّ الانسان يمكن له، وواجب عليه، أن يصوغ مستقبله بنفسه. وما حصل هو أنّ الأمل الدّيني بتدخّل إلهي في نهاية الزّمان قد استُبدِلَ بتصوّر تاريخي لمسيرة تتّجه صوب مجتمع يوتوبي يتكوّن من أناس أقوياء ونبلاء. فقد كانت النّازيّة تَعتبر أنّها اصطُفيَت لكي تخلق “المملكة الثالثة” الّتي ستعمّر ألف سنة؛ وروّاد الشيوعيّة والبلاشفة السوفييت رأوا في “المجتمع اللاّطبقي” جنّة السّماء على الأرض الّتي حتمًا ستحلّ محل الرأسماليّة وصراعها الطبقي. “سنشيد الجنّة هنا في الأرض”، هكذا نظم هنريك هاينه، صديق كارل ماركس، سنة 1844، وبعد ذلك بأربع سنوات سيَصدر “البيان الشيوعي” حاملاً الرسالة ذاتها.

إنّ تلك التصوّرات شبه الدينيّة كانت تتقاسمها حلقات واسعة من المثقّفين على امتداد أوروبا بعد الحرب العالميّة الأولى. فصارت الرّغبة في الكفاح من أجل مستقبل أفضل تجد تعبيرات كثيرة في أدب ذلك العصر. وصار الاستعداد لأي تضحية قِيمةً يتغنّى بها الشّعراء الّذين لم يكونوا يحلمون بأن يصبحوا ذات يوم خدمًا للربّ! وكما نعرف اليوم فقد أعقبت تلك الأمنيات العليا خيبة كبيرة، فلا المملكة الثالثة ولا روسيا الشّيوعيّة صارت البلدَ الّذي صوّرته الوعود. وراح العديد من المفكّرين الأوروبيين المثاليين ينظرون إلى آمالهم العميقة وهي تتحطّم أمام أعينهم على يد الواقع الرّوسي حيث استبدلت الحريّة بالظّلم وتحوّلت المساواة إلى تسطيح إجتماعي فيما حلّ التّباعد والريبة محلّ الأخوّة. لقد وصف كتّاب مثل أندريه جيّد وآرثر كوستلر في أعمالهم كيف أنّ حماسهم للإتّحاد السوفييتي جاء نتيجة خطأ حساباتهم. كذلك عبر الشاعران السويديان يوجين زامياتين (في روايته “نحن” الصادرة سنة 1924) وكارين بوْيَه (في روايتها “كالوكاين” الصادرة سنة 1940) عن خيبتهما ومخاوفهما في نصوصهما الديستوبية (*) المضادّة للشموليّة.

حين يجعل الكاتب أحداث عمله الأدبي تجري في المستقبل فقد يكون غرضه قولَ شيء حول زمنه الرّاهن؛ فالتكنيك القصصي هو الّذي يكمن وراء وضع القصّة في زمن معين. وقد تكون قصّة متشائمة عن المستقبل، أو نصّا ديستوبيا، واسطةً لاطلاق إنذار حول ما سوف يحدث فيما لو استمرّت المسيرة السلبيّة الرّاهنة، هذه المسيرة الّتي تؤدي غالبًا إلى الإيمان الأعمى بالتكنولوجيا، وبالتّالي فهي نتيجة لنضوب روحي. وعندما ينظر الكاتب إلى الحاضر من وجهة نظر المستقبل، بواسطة اختلاقه مرآةً خلفيّة، فإنّ الحريّة الشعريّة تفتح إمكاناتها لإبراز ما يستحقّ الانتباه أو النقد، وعندها يصبح ممكنًا توكيد الأشياء المعاصرة وتصبح ألوان الواقع أقوى وتصبح الرسالة أوضح. ومن المفارقة أنّ الواقع المختلَق يمكنه بلا شكّ أن يحسّن فهمنا للواقع المعاش. هكذا نلحظ في رواية “نحن” ورواية “كالوكاين” أنّ مواطني الدولتين الديكتاتوريتين اللّتين اختلقهما الكاتبان يعبدون نظامهم السياسي بشكل أشدّ ممّا كان فعلاً في الاتّحاد السوفييتي وألمانيا النّازيّة (وهما النموذجان الملهِمان الأقرب آنذاك لعالم الروايتين). وهذه المبالغة بالذّات هي الّتي تخلق إدراكًا أعمق للواقع الّذي يصورّه العملان بطريقة غير مباشرة.

كان يوجين زامياتين مهندسًا في سلاح البحريّة وفي الوقت نفسه كاتبًا نثريًّا وروائيًّا. أصبح منذ وقت مبكر من حياته ناشطًا بلشفيًّا، لكنّ المثير للدّهشة هو أنّه بعد الثّورة مباشرة فقد إيمانه بالشّيوعيّة وبالدّولة الشّيوعيّة النّاشئة، وهو ما حاول إخفاءه بكلّ الوسائل. وبالطبع لم يمكن نشر أعماله في بلده، فانتشرت سرًّا بطريقة الساميزدات (كلمة روسية تعني الكتابات المعارضة في الإتّحاد السوفييتي ودول الكتلة الشّيوعيّة والّتي كانت تكتب يدويًّا وتوزع سرًّا). وظهرت أوّل طبعة لروايته “نحن”، النّاقدة لنظام الحكم، عام 1924 في نيويورك. وتبعتها بعد ذلك بوقت قصير ترجمات فرنسيّة وألمانيّة. وترسم الرواية صورة معتمة، متخيّلة للاتّحاد السوفييتي، حيث تكون عبادة المجتمع الشّمولي حالة مقصودة بشكل واضح وممنهجة. فيصف الرّاوي دولة تحمل اسم “الدّولة الوحيدة”، حاكمها يدعى “الخَيِّر” ومن الواضح أنّه يرمز إلى لينين. ويقدَّم حاكم الدّولة كإله، فحين يستحث مواطن مواطنًا آخر فإنّه يستحلفه “بحقّ الخَيّر!”، وحين يتنفّس المرء الصعداء يقول: “ليتمجد الخيّر!”، وترى النّاس تهتف: “الخيّر العظيم!”.

يقوم الشّخص الرئيسي في الرّواية بتصميم سفينة فضاء ستجعل من الممكن نشر الكتاب المقدّس للدّولة حتّى إلى الكواكب البعيدة. إنّه فخور بالنفع الّذي يقدّمه للدّولة. ويصف زامياتين، منذ مفتتح الرواية، كيف إنّ بطل روايته يعبد الكمال التكنولوجي، فما صمّمه الإنسان يوقض المشاعر الدينيّة؛ وبالتّالي فما خلقه الإنسان قد أخذ مكان الله، حتّى في معنى القدسيّة. ليس “الخيّر” وحده الّذي جُعِل إلهًا وإنّما حتّى الدّولة أيضًا، فالأخيرة – كما زُعِم – قد انتصرت على “الإله القديم”. ونرى في عدّة طقوس مقدّسة النّاسَ يقفون وينشدون “ترنيمة الدّولة الوحيدة” تعبيرًا عن العبادة والولاء، وكان يُمَجَّد “لوح الشرائع” ويُنظَر إلى الرّقابة والتنظيمات، الّتي خلقها البشر، على إنّها إلهيّة. كانت الدّولة، “الإله الجديد”، أكبر قيمة من إلاههم القديم. وهنا نجد صدى لحكاية دستويفسكي عن “المحقّق الكبير” (في الفصل الّذي يحمل هذا العنوان من رواية الأخوة كارامازوف) وذلك عندما يتحدّث بطل زامياتين عن أسطورة قديمة حول الجنّة فحواها: “سعادة بلا حريّة أو حريّة بلا سعادة”.

رواية “نحن” هي أوّل عمل معروف في القرن العشرين في الأدب الديستوبي، ثمّ جاءت ضمن هذا الأدب تحفة الشّاعرة السويديّة كارين بوْيَه “كالوكاين”. ومؤلفة الرواية كانت من قيادات منظمة كلارتي الاشتراكيّة، لكنّها كان ينمو لديها تشكّك في إمكانيّة إقامة مجتمع في السويد على الطريقة السوفييتيّة. الراوي في رواية كالوكاين هو كيميائيٌّ، وهو مخترع مثله مثل بطل رواية “نحن”، حيث يبتكر عقار الحقيقة الّذي يسميه “كالوكاين” والّذي يجعل الأفراد يكشفون أفكارهم الحقيقيّة؛ وهو ابتكار ينفع الدّولة كثيرًا حيث يتيح لها اكتشاف الخونة بسرعة وإقصاءهم. وهذا ليس التّشابه الوحيد بين هذين العملين الديستوبيين فبينهما تشابه واضح حتّى في التفاصيل. فبطل “كالوكاين” فخور هو الآخر بمجهوده من أجل دولته، وهو أيضًا يحاول قمع شكوكه. كما أنّ الدّولة في كلتا الروايتين تتألفان من دويلات صغيرة، وتعطيان صورة متطرّفة عن المجتمع السوفييتي الّذي سبق أن آمن الكاتبان به. وتصف رواية كارين بويه الدّولة كإله متعال ومعبود، فتقام الاحتفالات على شرفها بصحبة الطبول والخطب والهتافات المشتركة وتلاوة المقتبسات والشعارات. وفي هذا الوسط تصبح التّضحية بالنّفس من أجل الدّولة هي أقصى سعادة، فالمرء يتوق إلى أن يحسّ بأنّه ليس سوى أداة لشيء أرقى. 

لكن ماذا عن تقديس الأشياء الّتي يصنعها البشر في ديستوبيا تصوّر نوعًا مختلفًا تمامًا من المجتمعات؟ أعني هنا رواية ألدوس هكسلي “عالم رائع جديد” الصادرة عام 1932، والّتي كتبها بعد رحلة إلى الولايات المتّحدة، وتتوجّه ضدّ الميول السائدة في المجتمع الاستهلاكي الحديث، تلك الميول الّتي يشكّل مذهب اللّذة نغمتها الرئيسيّة. يصف هكسلي مجتمعًا يركز على الأنانيّة والاستهلاك وطلب التّرف، وأقصى الإشباع الجنسيِّ، بوصفها أهمّ من أي شيء آخر. ويوحي عنوان الرواية، المستعار من مسرحيّة شكسبير “العاصفة”، بالتّهكم. وتصوّر الرواية كيف إنّ سعادة الأفراد ليست أصيلة رغم كلّ مظاهر التّرف: من إمكانيّة الاختيار بين ثماني عطور في حنفيات الحمامات، إلى الرحلات الترفيهيّة، إلى النّشاط والبراعة الجنسيتين لدرجة تثير الدّهشة، إلى حبوب منع الحمل الّتي يقال أنّها تعالج كلّ الأحزان وتحلّ جميع الصعوبات. وفي ثنايا الرفاهيّة وحريّة الاختيار في هذا المجتمع فإنّه يتّسم بشموليّة تختلف طرقها عن تلك الموصوفة في الديستوبيات المستوحاة من الاتّحاد السوفييتي؛ فالفرد هنا ليس حرًّا، إنّما هو منغلق داخل ستهلاكيته الإجباريّة وأنانيته. وكما هو الحال في “نحن” و“كالوكاين”، يُبطَل في هذه الرواية أيضًا الاله القديم، لكن شيئًا يحلّ محلّه: فتقديس ما خلقه الإنسان أصبح أمًرا ضروريًّا حتّى في المجتمع الاستهلاكي، وذلك في محاكاة ساخرة للغرب. ولم يعد الرّب يدعى “Our Lord” وإنّما “Our Ford”! فالتقنية، مرموزًا لها بماركة السيارات هذه، صارت مقدّسة. فترى أحدهم يصيح: “يا فورد كم أكرههم!” (بدلاً من “يا إلهي كم أكرههم!”) وترى النّاس يحتفلون بـ “عيد فورد” مرددين نشيد الاتّحاد.

وكما هو الحال في الصور الكاريكاتورية عن الدّول الشّموليّة، المستلهمة عن النّموذج السوفييتي، حيث يعيش النّاس في تقشّف شديد، يصف المؤلف وصفًا ساخرًا التّطورَ التكنولوجي الّذي رغم كونه متقدّمًا إلّا إنّه يكاد يكون عديم الفائدة للبشر. وفي المجالات السيكولوجيّة – وهي كثيرة، حيث يغالى في الاهتمام بعلم النفس ويعتبر موضة راقية- أصبح الإله، لسبب غير معروف، يدعى “Our Freud”! فالمقدّس حاضر، حتّى وإن كان هذا المقدّس بالمعنى الدّيني هو شيء صنعه البشر في مجتمع علمانيٍّ.

كان يوجين زامياتين وكارين بوْيَه يدركان بشكل واضح، ومنذ وقت مبكر، ما كشف عنه علماء الاجتماع مؤخرّا: التّأليه الّذي صنعه النّاس في المجتمعات الشّموليّة في القرن العشرين. ويمضي ألدوس هكسلي أبعد من ذلك في رواية“عالم رائع جديد” فيُظهِر أنّ تأليه الأشياء الّتي يصنعها البشر لا يجري في الديكتاتوريات الحديثة فقط. فعلى الرّغم من أنّ العالم الرّائع الجديد – كما وصفه – هو مجتمع شمولي إلّا أنّ هذا العالم قد استعار كذلك ملامح من المجتمع الاستهلاكي الغربي. فمن حيث الهويّة هو مجتمع حديث وعلمانيٌّ، تطغى عليه – وبشكل كامل – التكنولوجيا الحديثة وما دعاه ماكس فيبر بـ “كشف الغموض عن العالم”. فتأليه أشياء من صنع البشر يمكن أن يجد أشكالاً أخرى غير عبادة الدّولة، أشكالاً قد نراها واردة حتّى في يومنا هذا وحتّى بالنسبة لنا.

الهامش:  

(باربرو غوستافسون روسنكفيست: كاتبة سويدية، دكتوراه في علم الأدب بجامعة أوبسالا في السويد).

(*) الديستوبيا Dystopiaرؤية سوداوية للمجتمع في شكل أدبي. هي عكس اليوتوبيا.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This