الخمريات من كتاب من غاب عنه المطرب للثّعالبي

الباب الخامس الخمريات وما يتّصل بها

مدح النّبيذ

قال كسرى: النّبيذ صابون الهمّ.
وقال جالينوس: الرّاح صديق الروح.
وقال أرسطاطاليس: الرّاح كيمياء الفرح.
وقال عبد الملك بن صالح الهاشمي: ما جمشت الدّنيا بأظرف من النّبيذ، وكان ابن الرّومي يقول: قد أفلح شارب النّبيذ لأنّه يقيه الشّحّ، وقال الله تعالى: “ومن يوق شحّ نفسه فأولئك هم المفلحون”.
وقد نظم بعضهم هذا المعنى فقال:
أعاذل إنَّ شربَ الرّاحِ رشدٌ … لأنّ الرّاحَ يأمرُ بالسّماحِ
يقينا شحَّ أنفسِنا وذاكم … إذا ذُكِرَ الفلاحُ من الفلاحِ

 

وصف الخمر من كلام البلغاء

مدامة تورد ريح الورد، وتحكي نار إبراهيم في اللّين والبرد. راحًا كالنّور والنّار. راحًا أحسن من الدّنيا المقبلة. وهي من نعم الله المكملة. راحًا أرقّ من الصبا وعهد الصبى. وألذّ من الشّماتة بالأعداء. ساقٍ كأنّ الرّاح من خده معصورة، وملاحة الصورة عليه مقصورة.

مدح السّماع

قال بعض الفلاسفة: أمّهات لذَّاتِ الدنيا أربع. لذّة الطعام، ولذّة الشّراب، ولذّة النّكاح، ولذّة السّماع فاللّذات الثلاث الأوّل لا يوصل إلى واحدة منها إلّا بحركة وتعب ومشقّة، ولها مضار ّإذا استكثر منها. ولذّة السّماع صافية من التعب خالصة من الضرر.
وكان بعض المتكلمين يقول: قد اختلف النّاس في السّماع فأباحه قوم، وحظره آخرون. وأنا أخالف الفريقين. فأقول بوجوبه لكثرة منافعه ومرافقه، وحاجة النفوس إليه، وحسن أثر استمتاعه به.
وقال بعض الخلفاء: إنّي لأجد للسّماع أريحية، لو سئلت عندها الخلافة لأعطيتها، وسمع معاوية عند عبد الله بن جعفر الغناء، فحرّك رأسه ورجليه، وصفق بيديه ثمّ ثاب إليه رأيه فقال كالمعتذر من فعله: إنّ الكريم طروب ولا خير فيمن لا يطرب.
وقال يحيى بن خالد: خير الغناء ما أشجاك وأبكاك وأطربك وألهاك.
ومن المطربات قول أبي محمد الحمامي:
قمْ فاسقني بين خفقِ النّاي والعودِ … ولا تبعْ طيبَ موجودٍ بمفقودِ
نحن الشّهودُ وخفقُ العود خاطبُنا … نزوِّجُ ابنَ سحابٍ بنتَ عنقودِ
ومن أحسن ما قال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
إن آن عيدٌ فهذا يومُ تعييدِ … فاشربْ على الأخوينِ النّاي والعودِ
كأسًا تَسوغُ فتجري من لطافتها … في باطن الجسم جريَ الماءِ في العودِ
ولأبي عثمان النّاجم:
شدْوُ ألذُّ من ابتدا … ءِ العين في إغفائِها
أشهى وأحلى من منى … نفسي ونيل رجائها

أوصاف النّدماء

وصف المأمون ثمامة بن أشرس فقال: كان والله أعلى النّاس في الجدّ وأحلاهم في الهزل. وكان يتصرّف مع القلوب تصرّف السّحاب مع الجنوب.
وذكر المهلبي الوزير أبا القاسم التنوخيِّ فقال: هو ريحاننا في القدح، وذريعتنا إلى الفرح. ووصف الصاحب بعض بني المنجِّم فقال: عشرته ألطف من نسيم الشّمال على أديم الماء الزلال. ومن أحسن ما جاء في وصف الظرف واللّباقة قول أبي خلاد المصريِّ في مولى لأبي أحمد بن طولون، يسمىّ ريحانًا فقال:
ريحان ريحانتي إذا مُلِىءَ الكأسُ ومنه يُؤَدَّبُ الأدبُ
تشربهُ الكأسُ ليس يشربُها … يطربُ من حسنِ وجهه الطَرَبُ

الاستظهار بالرّاح على الزّمان ودفع الأحزان

كان المأمون وهو ملك ملوك الزّمان يستعين بها على الزّمان. قال أبو نواس:
أما ترى الأرضَ ما تفنى عجائبُها … والدّهرُ يخلطُ ميسوراً بمعسورِ
وليس للهمّ إلا كُلُّ صافيةٍ … كأنّها دمعةٌ في عينِ مهجورِ
وقال أيضًا رحمه الله:
إذا ما أتتْ دون اللّهاةِ من الفتى … دعا هَمُّه من صدرِه برحيلِ
ومن ملحِ أحاسن ابن المعتز قوله:
سَلِّطْ على الأحزان بنت الدنانْ … وارحل إلى السّكر برطل وثانْ
نعمَ قِرى السّمعِ على شربها … صوتُ المزامير وعَزْفُ القيانْ
ومن مطربات الصاحب قوله:
رَقّ الزجاجُ وراقتِ الخمرُ … فتشابها فتشاكلَ الأمرُ
فكأنما خمرٌ ولا قدحٌ … وكأنما قدحٌ ولا خمرُ
ومن مطربات ابن المعتز قوله:
وندمانٍ سقتني الراحَ صرفاً … وأفقُ اللّيل منسدلُ السجوفِ
صفتْ وصفتْ زجاجتُها عليها … كمعنى دَقَّ في معنىً لطيفِ
وقول مؤلف الكتاب:
يا واصفَ الكأسِ بتشبيهها … دونَكَ وصفًا عاليَ القَدْرِ
كأنَّ عينَ الشّمسِ قد أُفْرِغَتْ … في قالبٍ صيغَ من الدُّرِ
ومن مطربات السري قوله:
وبكر شربناها على الروضِ بكرةً … فكانت لنا وِردًا إلى ضحوةِ الغدِ
إذا قام مبيضُ اللّباسِ يُديرُها … توهمته يسعى بكمٍّ مورَّدِ
وأحسن من هذا كلّه قول أبي الحسن الجوهري الجرجاني:
جنحَ الظلامُ فبادري بمدامةٍ … بسطتْ إليَّ من العقيقِ جناحا
صهباءُ لو مرّت بها قمريةٌ … أذكى عليك بريقُها مصباحا
رعتِ الزّمانَ ربيعَه وخريفَهُ … فأتتْكَ تهدي الوردَ والتفاحا

سائر الأجناس من مطربات أوصافها

قول أبي نوّاس:
اسقِنا إنّ يومَنا يومُ رامِ … ولرامس فضلٌ على الأيامِ
من شرابٍ ألذَّ من نظرِ المعشوقِ … في وجهِ عاشقٍ بابتسامِ
لا غليظٍ تنبو الطبيعةُ عنه … نبوةَ السمعِ عن شنيعِ الكلامِ
وقول السري:
اشربْ فقد شرَّدَ ضوءُ الصّبح عنّا الظُلَما
وصَوَّبَ الإِبريقُ في الكأس مُدامًا عَنْدَما
كأنّه إذ مَجَّهُ … مقهقهٌ يبكي الدّما
وقول الخالدي:
قامَ مثلَ الغُصُنِ الميادِ من لينِ الشّبابِ
يمزجُ الخمرَ لنا بالصفوِ من ماءِ السّحابِ
فكأنّ الرّاحَ لما … ضحكتْ تحتَ الحبابِ
وجنةٌ حمراءُ لاحت … لكَ من تحتِ النّقابِ
وقول ابن المعتز:
وأمطرَ الكأسُ ماءً من أبارقِه … فأنبت الدُرَّ في أرضٍ من الذّهبِ
وسَبَّحَ القومُ لما أن رأوْا عجبًا … نورًا من الماءِ في نارٍ من العِنَبِ
وقال أبو الفتح البستي:
إذا خمدتْ أنوار نفسك فاعتمد … لإِشعالِها خمسًا غَدَتْ خير أعوانِ
ولا تعتمد إلاّ بهنَّ فإنّها … لمن يعتريه الهَمُّ أوثقُ أركانِ
براحٍ وريحانٍ وساقٍ مهفهفٍ … ونغمةِ ألحانٍ ولطعةِ إخوانِ

السّاقي

من أحسن ما قيل في وصفه قول البحتري يصف الشّراب وهو في غاية الإطراب:
سقاني كأسَه شَزْرًا … وولّى وهْوَ غضبانُ
وفي القهوةِ أشكالٌ … من السّاقي وألوانُ
حبابٌ مثل ما يضحكُ عنه وهو جذلانُ
وسكرٌ مثل ما أسكر طرفٌ منهُ وسنانُ
وطعمُ الرّيقِ إذ جادَ به والصبُّ هيمانُ
لنا من كفّه راحٌ … ومن ريّاه رَيْحانُ
وأحسن منه قول ابن المعتز:
قد حثَّني بالكأس أوَّلَ فجرهِ … ساقٍ علامةُ دِينهِ في خَصْرِهِ
فكأنَّ حمرةَ لونها في خدِّه … وكأنّ طيبَ نسيمها من نشرِهِ
حتّى إذا صُبَّ المزاجُ تبسمتْ … عن ثغرِها فحسبتهُ منْ ثغرِهِ
وأحسن منه قوله أيضًا:
تدورُ علينا الكأسُ من كفِّ شادنٍ … له لحظُ عينٍ يشتكي السّقمَ مدنَفُ
كأنّ سلافَ الرّاحِ من كأسِ خدِّهِ … وعنقودَها من شعرِه الجعدِ يُقْطَفُ
ومن مطربات الخالدي قوله:
أهلاً بشمسِ مدامٍ من يدي قمرٍ … تكاملَ الحسنُ فيه فهْوَ تيّاهُ
كأنّ خمرتَه إذ قامَ يمزجُها … من خدّه عُصرَتْ أو مِنْ ثناياهُ
إذا سقتكَ من الممزوجِ راحتُه … كأسًا سقتك كؤوسَ الصرفِ عيناهُ
في وجههِ كلُّ ريحانٍ تراحُ به … منّا قلوبٌ وأبصارٌ وتهواهُ
النّرجسُ الغضُّ عيناه وطُرَّتُه … بنفسجٌ وذكيُّ الوردِ رَيّاهُ

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This