من الرّسالة الشّافية للجرجاني

في الّذي يلزم القائلين بالصرفة

 – اعلم أنّ الّذي يقع في الظّن من حديث القول بالصرفة، أن يكون الّذي ابتدأ القول بها ابتدأه على توهّم أنّ التّحدي كان إلى أن يعبّر عن أنفس معاني القرآن بمثل لفظه ونظمه، دون أن يكون قد أطلق لهم وخيرا في المعاني كلّها. ذاك لأنّ في القول بها على غير هذا الوجه أمورًا شنيعة، يبعد أن يرتكبها العاقل ويدخل فيها. وذاك أنّه يلزم عليه أن تكون العرب قد ترجعت حالها في البلاغة والبيان، وفي جودة النّظم وشرف اللّفظ وأن يكونوا قد نقصوا في قرائحهم وأذهانهم، وعدموا الكثير ممّا كانوا يستطيعون وأن تكون أشعارهم الّتي قالوها، والخطب الّتي قاموا بها، وكلّ كلام احتفلوا فيه، من بعد أن أوحي إلى النّبي صلى الله عليه وسلّم، وتحدّوا إلى معارضة القرآن قاصرة عمّا سمع منهم من قبل ذلك القصور الشديد، وأن يكون قد ضاق عليهم في الجملة مجال قد كان يتّسع لهم، ونضبت عنهم مواد قد كانت تعزر. وخذلتهم قوى قد كانوا يصولون بها، وأن تكون أشعار شعار النّبي صلى الله عليه وسلّم الّتي قالوها في مدحه عليه السّلام وفي الرّد على المشركين ناقصة متقاصرة عن شعرهم في الجاهليّة، وأن يشكّ في الّذي روي في شأن حسّان من نحو قوله عليه السلام: “قل وروح القدس معك”، لأنّه لا يكون معانًا مؤيدًا من عند الله، وهو يعدم ممّا كان يجده قبل كثيرًا، ويتقاصر أنف حاله عن السّالف منها تقصيرًا شديدًا.

 – فإن قالوا: إنّه نقصان حدث في فصاحتهم من غير أن يشعروا به.
قيل لهم: فإن كان الأمر كذلك، فلم تقام عليهم حجّة، لأنّه لا فرق بين أن لا يكونوا قد عدموا شيئا من الفصاحة الّتي كانوا يعرفونها لأنفسهم قبل التّحدي بالقرآن والدّعاء إلى معارضته، وبين أن يكونوا قد عدموا ذاك، ثمّ لم يعلموا أنّهم قد عدموه. ذاك لأنّ الآية بزعمهم إنّما كانت في المنع من نظم ولفظ قد كان لهم ممكنًا قبل أن تحدّوا، ولا يكون منع حتّى يرام الممنوع، ولا يتصوّر أن يروم الإنسان الشّيء ولا يعلمه، ويقصد في قوله له وفعل إلى أن يجيء به على وصف وهو لا يعرف ذلك الوصف ولا يتصوّره بحال من الأحوال. وإذا جعلناهم لا يعلمون أنّ كلامهم الّذي يتكلمون به اليوم قاصر عن الّذي تكلّموا به أمس، وأن قد امتنع عليهم في النّظم شيء كان يواتيهم، وسلبوا منه معنى قد كان لهم حاصلًا استحال أن يعلموا أنّ لنظم القرآن فضلًا على كلامهم الّذي يسمع منهم، وعلى النّظم الواهن الباقي لهم، ذاك لأنّ عذر القائل بالصرفة، أن ّكلامهم قبل أن تحدوا قد كان مثل نظم القرآن، وموازيًا له، وفي مبلغه من الفصاحة.

 – وإذا كان كذلك، لم يتصور أن يعلموا أنّ للقرآن مزية على كلامهم، وعندهم أنّ كلامهم باق على ما كان عليه في القديم لم ينقص ولم يدخله خلل. وإذا لم يتصور أن يعلموا أنّ للقرآن مزيّة على ما يقولونه ويقدرون عليه في الوقت، لم يتصور أن يحاولوا تلك المزيّة، وإذا لم يحوّلوها لم يحسّوا بالمنع منها والعجز عن نيلها، وإذا لم يحسّوا بالعجز والمنع لم تقم عليهم حجّة به. فالّذي يعقل إذن مع هذه الحال، أن يعتقدوا أنّهم قد عارضوا القرآن وتكلّموا بما يوازيه ويجري مجرى المثل له، من حيث أنّه إذا كان عندهم أنّ كلامهم باق على ما كان عليه في الأصل وقبل نزول القرآن، وكان كلامهم إذا ذاك في حّد المثل والمساوى للقرآن، فواجب مع هذا الاعتقاد أن يعتقدوا أنّ في جملة ما يقولونه في الوقت ويقدرون عليه، ما يشبه القرآن ويوازيه.

 – واعلم أنّه يلزمهم أن يفضوا في النّبي صلى الله عليه وسلّم بما قضوا في العرب، من دخول النقص على فصاحتهم، وتراجع الحال بهم في البيان، وأن تكون النبوّة قد أوجبت أن يمنع شطرًا من بيانه، وكثيرا ممّا عرف له قبلها من شرف اللّفظ وحسن النّظم. وذلك لأنّهم ذا لم يقولوا ذلك، حصل منه أن يكون عليه السّلام قد تلا عليهم: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَاتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَاتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء: 88]، في حال هو يستطيع بها أن يجيء بمثل القرآن ويقدر عليه، ويتكلّم ببعض ما يوازيه في شرف اللّفظ وعلو النّظم. اللّهم إلاّ أن يقتحموا جهالة أخرى، فيزعموا أنّه عليه السّلام قد كان من الأصل دونهم في الفصاحة، وأنّ الفضل والمزيّة الّتي بها كان كلامهم قبل نزول القرآن في مثل لظفه ونظمه، قد كان لبلغاء العرب دون النّبي صلى الله عليه وسلّم. وإذا قالوا ذلك، كانوا قد خرجوا من قبيح القول إلى مثله، فلم يشكّ أحد أنّه صلى الله عليه وسلم لم يكن منقوصًا في الفصاحة، بل الّذي أتت به الأخبار أنّه صلى الله عليه وسلّم كان أفصحَ العرب.

 – وممّا يلزمهم على أصل المقالة أنّه كان ينبغي لهم لو أنّ العرب كانت منعت منزلة من الفصاحة قد كانوا عليها أن يعرفوا ذلك من أنفسهم، كما قدّمت، ولو عرفوا لكان يكون قد جاء عنهم ذكر ذلك، ولكانوا قد قالوا للنّبي صلى الله عليه وسلّم: “إنّا كنّا نستطيع قبل هذا الّذي جئتنا به، ولكنّك قد سحرتنا، واحتلت في شيء حال بيننا وبينه”، فقد نسبوه إلى السّحر في كثير من الأمور، كما لا يخفى، وكان أقلّ ما يجب في ذلك أن يتذاكروه فيما بينهم، ويشكوه البعض إلى البعض، ويقولوا: “ما لنا قد نقصنا في قرائحنا، وقد حثّ كلول في أذهاننا” ففي أن لم يروا ولم يذكر أنّه كان منهم قول في هذا المعنى، لا ما قلّ ولا ما كثر، دليل [على] أنّه قول فاسد، ورأى ليس من آراء ذوى التحصيل.

 – هذا، وفي سياق آية التّحدي ما يدلّ على فساد هذا القول، وذلك أنّه لا يقال عن الشيء منعه الإنسان بعد القدرة عليه، وبعد أن كان يكثر مثله منه: “إنّي قد جئتكم بما لا تقدرون على مثله ولو احتشدتم له، ودعونهم الإنسان والجنّ إلى نصرتكم فيه”، وإنّما يقال: “إنّي أعطيت أن أحول بينكم وبين كلام كنتم تستطيعون وأمنعكم إيّاه، وأن أقحمكم عن القول البليغ، وأعدمكم اللّفظ الشّريف”، وممّا شاكل هذا. ونظيره أن يقال للأشدّاء وذوي الأيد: “إنّ الآية أن تعجزوا عن رفع ما كان يسهل عليكم رفعه، وما كان لا يتكاءدكم ولا يثقل عليكم”.

ثمّ إنّه ليس في العرف ولا في المعقول أن يقال: “لو تعاضدتم واجتمعتم جميعكم لم تقدروا عليه”،  شيء قد كان الواحد منهم يقدر على مثله، ويسهل عليه ويستقلّ به، ثمّ يمنعون منه وإنّما يقال ذلك حيث يراد أن يقال: “إنّكم لم تستطيعوا مثله قطّ، ولا تستطيعونه البتّة وعلى وجه من الوجوه، حتّى إنّكم لو استضفتم إلى قواكم وقدركم الّتي لكم قوى وقدرًا، وقد استمددتم من غيركم، لم تستطيعوه أيضًا” من حيث إنّه لا معنى للمعاضدة والمظافرة والمعاونة، إلاّ أن تضمّ قدرتك إلى قدرة صاحبك حتّى يحصل باجتماع قدرتكما ما لم يكن يحصل.

فقد بان إذن أن لا مساغ لحمل الآية على ما ذهبوا إليه، وأن لا محتمل فيها لذلك على وجه من الوجوه، وظهر به وسائر ما تقدّم أنّ القول بالصرفة، ولا سيّما على هذا الوجه، قول في غاية البعد والتهافت، وأنّه من جنس ما لا يعذر العاقل في اعتقاده. ولم أقل: “ولا سيّما على هذا الوجه”، وأنا أعني أنّ للقول بها على الوجه الأول مساغًا في الصحّة، ولكنّي أردت أنّ فساده كأنّه أظهر، والشناعة عليه أكثر، وإلاّ فما هما، إن أردت البلاطن، إلاّ سواء.

 – فإن قلت: فكيف الكلام عليهم، إذا ذهبوا في “الصرفة” إلى الوجه الآخر، فزعموا أنّ التّحدي كان أن يأتوا في أنفس معاني القرآن بمثل نظمه ولفظه؟ وما الّذي دلّ على فساده؟ فإن على فساد ذلك أدّلة منها قوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فأتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَات [هود: 13]، وذاك أنا نعلم أنّ المعنى: فأتوا بعشر سور تفترونها أنتم وإذا كان المعنى على ذلك، فبنا أن ننظر في الافتراء إذا وصف المعنى، وإذا لم يرجع إلاّ إلى المعنى وجب أن يكون المراد: إن كنتم تزعمون أنّي قد وضعت القرآن وافتريته، وجئت به من عند نفسي، ثمّ زعمت أنّه وحي من الله، فعضوا أنتم أيضًا عشر سور وافتروا معانيها كما زعمتم أنّي افتريت معاني القرآن. فإذا كان المراد كذلك، كان تقديرهم أنّ التّحدي كان أن يعمدوا إلى أنفس معاين القرآن فيعبروا عنها بلفظ ونظم يشبه نظمه ولفظه، خروجًا عن نصّ التنزيل وتحريفًا له.

وذاك أنّ حقّ اللّفظ إذا كان المعنى ما قالوه أن يقال: “إن زعمتم أنّي افتريته، فأتوا أنتم في معاني هذا المفتري بمثل ما ترون من اللّفظ والنّظم”. يبيّن ذلك أنّه لو قال رجل شعرًا فأحسن في لفظه ونظمه وأبلغ، وكان له خصم يعانده، فعلم الخصم أنّه لا يجد عليه مغمزًا في النّظم واللّفظ، فترك ذلك جانبًا وتشاغل عنه، وجعل يقول: “إنّي رأيتك سرقت معاني شعرك وانتحلتها وأخذتها من هذا وذاك، فقال له الرّجل في جواب هذا الكلام:”إن كنت قد سرقت معاني شعري، فقل أنت شعرًا مثله مسروق المعاني“لم يعقل منه إلاّ أنّه يقول:”فقل أنت شعرًا في معانٍ أخر تسرقها كما سرقت معاني بزعمك“ولم يحتمل أن يريد:”أعمد إلى معاني فقل فيها شعرًا مثل شعري“, وإنّما يعقل ذلك إذا هو قال:”إن كنت قد سرقت معاني شعري، فقل أنت في هذه المعاني المسروقة مثل الّذي قلت، وأنظم فيه الكلام مثل نظمي لكلامي، وخبره تحبيري“.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This