الجسد كقطعة فنية في منحوتات الحضارة الإغريقية / فيء ناصر

حين ولجتُ باب القاعة الأولى لمعرض «تعريف الجمال» في المتحف البريطاني، شعرت كأني أدخل إلى عالم سحري لا يمت بأي صلة إلى العالم خارج هذه القاعات، وكأنما بوابة مغارة جمال منسية قد فُتحت لزوار هذا المعرض المدهش.

يكشف هذا المعرض عن جذور الهوس المعاصر بجمال الجسد وفتوته وتناسق عضلاته في مجتمعاتنا الحديثة، حيث إن منحوتات الجمال الإغريقية تؤكد هذا الهوس التاريخي بالجسد وإبراز مفاتنه في جميع مراحل الحياة وفي شتى تفاصيلها.

150 عملاً فنيًا بين فخاريات ومنحوتات من المرمر والبرونز بعضها من مقتنيات المتحف البريطاني وبعضها من مقتنيات شخصية، مثل تمثال أفروديت، وهو من مقتنيات الملكة إليزابيث الثانية، وكذلك استعارات من متاحف كثيرة. كل الأعمال المعروضة ابتداء من القرن الخامس قبل الميلاد تؤكد قدرة الفنان الإغريقي على تغيير مفاهيم الجمال الجسدي، بل قدرته على القيام بثورة في تمثيل الجسد البشري باعتباره جوهر ومجرى ديمقراطية أثينا (أول مجتمع ديمقراطي في العالم)، كان الإغريق يحتفون بالجسد البشري بتمثيل طبيعته الفطرية المثالية، العري الذكوري دليل على الصفاء والحكمة والقوة، فعندما يخلع رجل إغريقي ثيابه في حلبة المصارعة أو حلبة الألعاب الرياضية فإنه يرتدي لباس الصالحين والمكتملين. وهذا جلي في منحوتات المعرض التي تبرهن هذا السلوك الإغريقي الاستثنائي والأصيل لتمثيل الجسد الذكوري فنيًا، وبخلاف كل الحضارات القديمة الأخرى مثل الحضارة الآشورية والفرعونية التي تقرن العري بالخزي والاستكانة والخضوع، كان الإغريق يقرنون العري الكامل بالبطولة والتباهي والنضوج الإنساني والاستعداد للحرب. لذا فإن التقييم الجمالي للجسد في عصرنا الراهن يرتكز ويستلهم قيمه من منحوتات الفن الإغريقي المرمرية والبرونزية وفخارياته التي أصابت زوار المعرض بالدهشة لدرجة الإتقان التي تمتع بها الفنان الإغريقي، وكذلك أفق الحرية المشرّع لفكره وفنه بلا حدّ، لكي يبدع منحوتات كهذه. الإنسان هو مركز العالم في الحضارة الإغريقية وهو حر باختياراته وفكره وجسده خير تمثيل لهذه الحرية، وكما قال بروتاغوراس الفيلسوف الشكاك اليوناني: «إن الإنسان هو مقياس كل شيء، الموجود وغير الموجود».

أبرز منحوتات المعرض هي:

إفروديت الرابضة وهي تتأهب لحمامها، التمثال بحجم أكبر من الحقيقي، يعود تاريخه إلى القرن الثاني الميلادي وهو تقليد روماني للأصل الإغريقي. التمثال، من المقتنيات الشخصية للملكة إليزابيث الثانية، هو أول تمثال يفتح مغارة الجمال الإغريقي، إفروديت التي تعطي ظهرها لزوار المعرض، تجعل من يقترب منها يشعر بروعة هذه القطعة الفنية واستثناءيتها. ظهرها الصقيل المسطح ورأسها المائل بنظرة قوية من فوق كتفها اليمنى وذراعها اليمنى تستلقي فوق كتفها اليسرى، كأنها تستفزنا وتغوينا بالاقتراب، فندور حولها عدة مرات نتأمل دقة وبراعة النحت الإغريقي، هذه المنحوتة تغوي بالترحيب، لكن بعد تفحص لملامحها ندرك أن نظرتها تحذيرية وليست ترحيبية.

في القاعة الأولى أيضًا يستقبلنا تمثال إغريقي برونزي بالحجم الطبيعي لمبارز عارٍ بالحجم الطبيعي ينظف جسده بأداة معدنية بعد التمرينات الرياضية وقبل الاستحمام، انتُشلَ هذا التمثال عام 1999من البحر على ساحل مدينة (لوشين/ Lošinj) في كرواتيا وهو يعرض لأول مرة في المملكة المتحدة.

تمثال لإله النهر (نهر إيلسيز/ Ilissos) يعود تاريخه إلى (438 – 432) وهو أحد تماثيل معبد البارثينون في إكروبوليس أثينا، وهو تمثال إغريقي أصيل على خلاف أغلب منحوتات المعرض الأخرى التي هي نسخ رومانية عن الأصل الإغريقي المفقود. تمثال بلا رأس، مكتمل الفتوة مستلق كأنه يريد رفع نفسه على صخرة، حركة الجسد والعضلات خير تمثيل على انسياب الماء وموج النهر المراوغ. من يقترب من هذا التمثال، يستنشق حيويته، نحت عجيب، رشيق ولدن من مرمر بارد، حُوِلَ إلى جسد مشدود ينز حيوية ودفئًا وينزلق من ذراعه رداؤه الذي يتحول إلى موجات مياه منسابة للناظر إليه من الخلف.

تمثال من البرونز لـ«زيوس»، كبير آلهة الأولمب بارتفاع عشرين سنتيمترًا يتراوح تاريخه بين القرنين الأول والثاني الميلادي. هذه المنحوتة قطعة استثنائية غنية التفاصيل فهي تصور زيوس بجسد مفتول العضلات وبملامح قائد حكيم وشعر كث، يحمل صولجانًا ويجلس على قاعدة نحاسية. التمثال من مقتنيات المتحف البريطاني، وقبل ذلك كان من مقتنيات الفنان الفرنسي دومينيك فيفان دينون أول مدير لمتحف اللوفر.

وهناك أيضًا، تمثال لفتى رياضي يعود تاريخه إلى القرن الأول الميلادي، وهو من مقتنيات المتحف البريطاني، وهو تمثيل لفكرة التناغم بين الجمال الجسدي والحكمة الأخلاقية والانغماس بتساؤلات الوجود. هذا التمثال هو نسخة عن الأصل الإغريقي الذي يعود تاريخه إلى زمن سقراط، يخيل لي أن هذا الفتى الحالم أحد تلامذة المعلم سقراط، يغرق في تساؤلاته بعد مجادلة مع معلمه. العري في هذه التماثيل يبتعد تمامًا عن الإيروتيكية، فهو فضيلة العودة إلى الذات وارتداء الجسد المجرد، وهذا واضح جدًا من خلال ضمور الأعضاء الجنسية. بخلاف العري الذكوري، كانت النساء الإغريقيات يرتدين الملابس الشفافة غالبًا، التي تحكي عن الجسد وتوحي به أكثر مما تظهره، وهذا ما سيلاحظه الزائر حينما يقترب من تمثال «الراقصة»، وهو تمثال برونزي باذخ التفاصيل لراقصة ملثمة وبرداء فضفاض، لكن انحناءات الجسد والرداء فوقه تظهر دقة ورهافة النحات الإغريقي.

وتطالعنا منحوتة لجذع بشري من مقتنيات متحف الفاتيكان التي يعود تاريخها إلى القرن الأول قبل الميلاد، ويعتقد أنه يمثل جذع البطل الإغريقي هرقل. وكان لهذا التمثال تأثير كبير على مايكل إنجلو نحات عصر النهضة الإيطالي حينما طلب البابا منه تكملة الجذع بإضافة رأس وذراعين، لكن مايكل إنجلو رفض لأنه اعتقد أن التمثال مكتمل بشكل لا يضاهى بوضعه الحالي وهو يحوز كل المفاهيم المثالية لفن النحت الإغريقي، وقد استلهم مايكل إنجلو هذا التمثال الإغريقي في لوحته «خلق آدم».

تمثالان صغيران لسقراط، تمثال لإله النبيذ ديونيس يجتمع فيه بالتساوي جمال الذكر والأنثى، ورأس مرمي للإسكندر المقدوني وفخاريات وأقداح نبيذ مختلفة الأشكال منقوشة من خارجها وباطنها. جمع هذا المعرض منحوتات خالدة لأعظم الفنانين الإغريق مثل فيدس وميرون وبوليكيتوس، كان لها أعظم الأثر على فناني عصر النهضة ولا تزال تشيع الجمال والفن لكل من يراها.

عن جريدة الشرق الأوسط

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق