دفاتر الحرب 1975ـ 1976 / «لا رفيقات في القيادة!» / دلال البزري

الرفاق في مكتب الطريق الجديدة، حيث المركز الرئيسي لمنظمتنا، أرسلوا الينا صحافية فرنسية من جريدة تأسست منذ عامين برعاية الفيلسوف جان بول سارتر، واسمها «ليبراسيون»، وتمثل اليسار الفرنسي المتطرف. والصحافية جاءت إلى لبنان لتستكشف إمكانيات اليسار المتطرف اللبناني في بناء قدرات نسائية جديدة، تستجيب لنظريات تحرر المرأة. أنا والرفيقة زينب، «وجه السحّارة»، كما يقول الرفيق أشرف، مكلفتان بمهمة الإجابة عن أسئلتها. الصحافية الفرنسية واسمها كارين، معجبة بـ»تجربتنا»؛ قيل لها اننا، نحن الإثنتين نقوم تماماً بالمهام التي يقوم بها الرفاق، واننا نتولى قيادة مجموعة عسكرية نسائية تابعة لمنظمتنا. خلال المقابلة، نشعر ان اسئلتها تتضمن الإجابات عليها، واننا نكابد معها عملية ذهنية شاقة: فنحن من جهة نريد أن تبدو منظمتنا على أفضل وجه، خصوصاً مع صحيفة تنتمي إلى عائلتنا الفكرية نفسها، فنؤكد بابتسامات مرتابة، وبقليل من التردّد، اننا فعلا «نخوض المعارك»، نحمل السلاح مثلنا مثل الرفاق، بدليل تصدّينا لشائعة الغزو الكتائبي على مركزنا… فتكبر في رأسنا، وبغفلة من أمرنا، نصدق هذه الصورة عن أنفسنا، كما تصدقها الآنسة كارين. نفعل كل ذلك حباً بمنظمتنا، وتقديرا للفرصة التي منحتنا اياها بالصعود إلى رتبة «قائدة فصيل عسكري نسائي»، أمام الصحافية الفرنسية. ولكن في سريرتنا، في أعماق سريرتنا، نعلم اننا نلوي قدرا هاماً من الحقيقة؛ لا نروي لها مثلا الساعات الطويلة التي نقضيها في المطبخ يوميا، نطبخ ونجلي ونكنِّس ونمسح، من أجل الرفاق الذين لا يكونون منشغلين كل الأوقات بالمهام الحزبية، بل منكبّون على جلسات الثرْثرة السياسية. وخْزة ضمير قليلة، سوف يكون لها مستقبل فيما بعد؛ أما الآن، فلا يعلو، لا يجب أن يعلو على معركة تلميع صورتنا أمام الصحافية الصديقة، أي صوت آخر؛ حتى صوت الضمير. المقابلة مع الآنسة كارين هي مثال لنوع من المقابلات، أو التحقيقات التي ستنتشر لاحقاً في الصحافة الأجنبية، وكلها تزِّين للقارئ عيوبنا وتعظِّم شموخنا. التواطؤ بيني وبين زينب ليس له حدود، في هذه المسألة بالذات. ففي الوقت الذي علينا ان نكتم في ما بيننا إثمنا هذا، القائم على مديح زائف لفضائلنا اليسارية والتحررية، لا نقاوم رغبتنا المشتركة في الضحك على أنفسنا، بصفتنا حزبيات، عليهن بالدرجة الاولى صقل كلامهن، تهذيبه، تشذيبه كلما تعلق الموضوع بصورة منظمتنا في الخارج، أي خارج. وذلك باسم مبدأ تنظيمي معروف، موروث عن الحزب الشيوعي، يقول بأن «النقد»، أي «نقد منظمتنا»، لا يجب ان يخرج من الأطر التنظيمية، وإلا ضعفت منظمتنا؛ ذلك ان قوة منظمتنا من قوة «خطها». وعندما وصلتنا نسخة عن التحقيق، بعد ذلك بشهرين، وأخذنا نتأمل صورنا فيه، ونحن واقفات على ظهر المتراس الواقع في مدخل المركز، وحاملات الكلاشينكوف، وكأننا نتأهب لخوض معركة، ونقول فيه كلاما، لا يشبه واقعنا، خصوصا اننا، انا وزينب، كنا نتصفحه ونحن منشغلات بتقشير البصل وفرْمه… تأخذنا نوبة ضحك مجنونة، مكتومة، يرفع من منسوبها كوننا نتقاسم وحدنا سرّ «الخديعة»؛ فالتحقيق دغدغ غرورنا بالطبع، وقدمنا بصفتنا كائنات أسطورية، لا تنتظر غير التاريخ ليسجل مآثرها. ولكنه أيضا، لا يشبهنا، لا أنا ولا زينب، ولا الصور تلخص واقعنا، أو تعكسه.

سبب آخر ضاعف من سخريتنا هذه، هي حادثة «تنظيمية» حصلت مع الرفيقة زينب بعد المقابلة الصحافية وقبل وصول نسختها إلى أيادينا. ففي أحد الأيام، يحضر الرفيق نديم، وهو أعلى مسؤولية من الرفيق أشرف، ويبلّغ الرفيقة زينب بأنها «ترقّت» إلى رتبة «هيئة قطاع»، وهي الرتبة الأعلى من «خلية»، وقبلها «حلقة»؛ وطلب منها ان تحضر اجتماعها الأولى مع الهيئة في الشقة السرية لمنظمتنا، الواقعة في شارع مارون مسك، والمخصَصة لتجميع التبرعات من الأدوية والأدوات الطبية المختلفة. تفرح زينب طبعاً، فها هي تحصد ثمار إخلاصها وتفانيها ودأبها على مواصلة مهامها الموكلة إليها، بل مبادراتها إلى تحسينها، وابتداع غيرها… الإجتماع هو في اليوم التالي: تتحضر جيدا، تمشط شعرها، ترتب هندامها وتتأهب، مرتجفة من شدة حماستها، مستهولة هيبة الهيئة «القيادية» التي ستنضم إليها بعد قليل. في طريقها إلى الشقة، تطير الرفيقة زينب، لا تمشي، تكاد تقع مرات على الأرض. حتى هذه اللحظة لا تصدق: هي الآن في المنظمة منذ أربع سنوات، بدأت مثلي أنا، عضو في حلقة، ثم خلية، والآن «هيئة قطاع»؟! مع انها مستعجلة دائماً، ترى ان الأربع سنوات كانت ضرورية، مثل تدريب عسكري إلزامي. تمرر في ذاكرتها قصة الرفاق الآخرين الذين لازموا بدايتها: هناك طبعا من هرب ومن تقاعس ومن هاجر… ولكن أيضا هناك من بقي، وكانت ترقيته أسرع من ترقيتها: هل لأنهم رجال؟ فقط؟ تسأل نفسها، وتشرد، متابعة طريقها نحو الشقة… تصل إليها، تقرع بابها، فيطلّ عليها الرفيق أشرف، المسؤول السابق عنها، مندوب خليتها إلى هيئة قطاع. يفاجأ بها هذا الأخير: «خير…! ما الذي أتى بكِ إلى هنا؟»، كأنه يرمي بوجهها قنبلة. تتلعثم، تحبس كلماتها، تكرر أصواتا غير مفهومة، «الرفيق… نديم»، «إجتماع…»، «هيئة قطاع…» فلا يفهم الرفيق أشرف ما تقصد؛ يتوتر، الشقة سرية، وأعضاء هيئة القطاع سريون أيضاً، حتى على الرفاق القاعديين مثلها. يبقى واقفا على عتَبة الشقة، مستنفراً، يريد ان يغلق بسرعة، يريد تجنّب انكشاف أمرنا امام الجيران ونحن نتشاجر، وعلى أمر غير واضح. زينب تفهم كل هذا، وهي واعية بأن تأتأتها المطوّلة هذه سوف تتسبّب بفضيحة تنظيمية كبيرة. تستجمع ما لها من شجاعة وفصاحة، فتتلو عبارتين دفعة واحدة، بصياغة واضحة صريحة: «الرفيق نديم أبلغني بأنني عُينت في هيئة قطاع ساحل المتن الجنوبي، وبأن عليّ الحضور إلى هنا للمشاركة في اجتماعها، في هذه الشقة». فتكون ردة فعل الرفيق أشرف مباشرة، لا سؤال قبلها ولا استفسار: «لا يوجد مكان للرفيقات في هيئة القطاع! عودي إلى المركز، وسوف أعالج الأمر عند حضوري إلى هناك». كيف؟ والقرار الأعلى؟ والتعيين؟ والقرار الذي تبلغته من الرفيق نديم…؟ والرفيق أشرف مثل لوح من الخشب، لا ترمش له عين، ولا يرخى له جَفْن، يكرّر تعليماته، يختصرها، يأمر زينب بالإبتعاد عن ناظرَيه. تذعن زينب للأمر الحزبي، وتعود الى المركز، باكية، بقوة وصمت. لا تفهم شيئا من الذي حصل لها: «أليس تعليما حزبيا؟ ألم أبلغ بالترقية الحزبية؟ قولي لي يا رفيقة! لربما توهمت لشدة رغبتي بها…! ما الذي حصل؟ وكيف يجرؤ الرفيق أشرف على قول أشياء مناقضة لمبادئنا؟ من أن لا مكان للرفيقات في هيئة القطاع….؟! كيف يجرؤ على عدم تنفيذ تعليمات الرفيق نديم؟». بعد يومين، يحضر الرفيق أشرف معتذرا عن «سوء تفاهم حصل بينه وبين المكتب السياسي»، وهي الدرجة الأعلى التي أتى منها الرفيق نديم، ويدعوها الى الاجتماع المقبل، مرحبا بها.

تستنتج الرفيقة زينب، وهي تقارن بين الرفاق والرفيقات، بأن الرفيقة، إذا ارادت ان تتدرَّج في الرتَب الحزبية المختلفة، عليها ان تكون بقيمة رفيقين، وأحيانا ثلاثة، ملخصة فكرتها هذه بالقول «ثلاث رفيقات مقابل رفيق واحد! ناقص رفيقة إضافية، ويكون الوضع مشابهاً للزوجات الأربع!». ولكن زينب تقول هنا نصف الحقيقة؛ أما نصفها الآخر، وخصوصاً في غياب الإنتخابات الداخلية في منظمتنا، وفي اعتماد التعيين طريقة للترفيع الحزبي، فالمواصفات الضرورية لتحقيق حلم الترقي هذا تقوم على صفات مختلفة تماما عما كانت تتصوره في سنوات سعادتها الثورية، السابقة : إذ كانت تتخيل وقتها ان الترقي الحزبي يحصل أوتوماتيكياً عندما يكون الرفيق دؤوباً نشيطاً مخلصاً مبادراً… الخ، وهي تفهم الآن انه، ليصبح الرفيق قياديا في منظمتنا، عليه التخلي عن عفويته، والتحلّي بنوع محدّد من الذكاء، ذاك الذي يساعده على جس أنباض موازين القوى الفردية داخل كل هيئة، فيشغل عقله السري لدراسة هذه الموازين؛ ذكاء، يسخره ايضا لتوفير وقته الثمين، وعدم اضاعته كله في النضال المتواصل، بل تخصيص جزء منه لـ»تعزيز» علاقاته مع الرفاق القياديين، أصحاب القرار بالتعيين. وكل هذا لا شيء تقريباً أمام تمتع الرفيق بنوع من الوجاهة، نوع من الميل العميق، موروث أو بالفطرة، للترؤس والإستحواذ والسيطرة… ما يرشحه تلقائياً، ومن دون نضال استثنائي، كما هو نضال زينب، إلى رتبة أعلى بقرار أعلى. وبما أن الرفيقة زينب مجبولة بغير هذه الطبائع، فسوف تكتفي في بقية حياتها الحزبية بـ»هيئة القطاع»، لا تنتظر من التعيينات الحزبية غير ما تكون قد توقعته، أو لم تتوقعه، في «لعبة الإحتمالات»، كنا نمضي الليالي ونحن نلهو بتحريك أحجارها.

عن ملحق نوافذ

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق