العقيدة والزّمن

عندما كنت أبحث عن التّصور الواحدانيَّ للزّمن، انشغلت بمراقبة أثره في السّلوك الإنسانيِّ، غافلا عن تقديم مناسب – على سبيل التّمهيد – لكيفيّة تأليف المنظور العقائديِّ لنظرة الإنسان للعالم، بالطبع تتضمن هذه النظرة رؤية مستقلّة للزّمن.

تنحدر الرؤية الزّمنيّة بشكل مباشر من جوهر العقيدة، ولا تنبع جرّاء الاحتكاك بماهيّة ما للزّمن. وباكتمال كافّة عناصر المنظور العقائديِّ، إلى حدٍّ مّا يقدّمه للإنسان من النّاحية العمليّة، لا يقدّم أيَّ شيء يخصُّ ماهيّة الزّمن، وتُستخلص الرؤية الزّمنيّة ضمنيًّا، ويغدو من العسير الإقرار بموضوعيّة ما للزمن ضمن هذا الإطار.

ينبني المنظور العقائديُّ فوق أساس من المعرفة الّتي تتيحها الأسطورة، والّتي يمكن قصرها على النّص المقدّس. بعبور الأسطورة لحواجز الأجيال، تتدفّق المعرفة من الأسطورة الذّاتيّة إلى البناء العقائديِّ الموضوعيِّ. ومن الوارد في هذا المضمار أن يصطدم المرء بقبيل من المعرفة لا يتّبع سياقا منطقيًّا بغض النّظر عن السّياق الأدبيِّ للحكاية نفسها، فاتحا الباب على مصرعيه أمام التّضارب والتّناقض، مستحيلا في نهاية الأمر إلى مسألة “إيمان”.

يعتبر التّسليم بما يرد في الأسطورة ركيزة أساسيّة للبناء العقائديِّ. من الممكن أن أفترض مجازا أنّه لا توجد طريق لاستيعاب الأسطورة أو النّص المقدّس سوى عن طريق الإيمان بمعناه العام، بخاصّة أنّه يتلاقى والأسطورة لدى عامل الإطلاق، ولا توافر بداخل أي منهما براح لما يمكن تسميته بالعقل إلاّ في ركن ضيّق جدًّا، هو ما يؤسّس بعد ذلك للعقيدة.

تمتاز العقيدة بالصّرامة، على العكس من الإيمان، إذ تقوم فوق بنية موضوعيّة إلى حدّ كبير. ويتقيّد شقّها الذاتي ببسّط الأسطورة لهيمنتها عن طريق التّسليم بها كمعبر وحيد للمعرفة الإلهيّة. هذا التّرابط بين الذّات والموضوع يشيّد صرحا قاسيا تشقّ مجابهته.

لو نظرنا للعقيدة الواحدانيّة، سنجد أنّها تتمحور حول ثلاثة محاور رئيسيّة: وحدانيّة الله المطلقة ذات الجذور الإبراهيميّة، ديمومة الخلق من التّراث اليهوديِّ، والحياة الآخرة المسيحيّة الأصل. تتضمن هذه المحاور خطًّا مستقيما يصل بينها، كما تحتوي على إشارات زمنيّة لإمكانيات مثل التّحكم في أو التّحرر من الزّمن، بالإضافة إلى استعادة الماضي. ما سأركز عليه هو التّقسيم الزّمني بين الأسطورة والعقيدة؛ الزّمن الميطيقي والزّمن الحقيقي.

يمتدّ الزّمن الميطيقي عبر الأسطورة وأخبارها؛ قبل الخلق، عهد الخطيئة الأولى، الطوفان، ويحتلّ الحياة الآخرة من دون شكّ. لا يخضع هذا الزّمن للمقاييس المتعلّقة بفيزيائيّة الكون، وتقفز ماهيته فوق تلك المقاييس للتّحلي بصفات هي في الأساس من صفات الله، كالقداسة، والأزليّة، وعدم الفناء، إلخ.
يُنظر بعين الاعتبار إلى زمننا الحالي باعتباره الزّمن الحقيقي الخارج عن الأسطورة، بحيث يقتطع المسافة بين أيّام الخلق الستّة ويوم القيامة، متمتعا بصفات الخلق من المحدوديّة والفناء، ويخضع بالتّأكيد لكافة التّقلبات الكونيّة.

يلتحم الزّمنان من خلال الأسطورة، عندما يقحم شقًّا منطقيًّا ضئيلا الزّمن الميطيقي في الزّمن الحقيقيِّ. على سبيل المثال، يعارض المسيحيون والمسلمون إدراج يسوع ومحمّد ضمن الزّمن الميطيقي، ويشيرون إلى تواجدهما في تواريخ حقيقيّة قريبة العهد. بالإضافة إلى ذلك تقبع شخصيات لامركزيّة خلف الشّخصيات المحوريّة المميزة لكلّ دين من أديان التّوحيد، مثل إبراهيم، يوسف، وموسى (في المسيحيّة والإسلام)، واصلة مرّة أخرى بين الذّات والموضوع، وداعمة لمصداقيّة الإيمان الدِّينيِّ.

بتكامل المنظور العقائديِّ الواحدانيِّ إلى هذا الحدّ، لا يُصار للعالم سوى نمطا واحدا للكون. يرسي هذا المنظور دعائم النّظرة الكونيّة الّتي تسيّر الخلق من بدايته إلى نهايته في مسار حركي متقدّم. وهكذا يتّخذ الزّمن مجرى مستقيمًا بلا إمكانيّة للانحناء، منطلقا من العماء إلى الفناء.

وفي الهند سرعان ما سنحدّق في تقارب ظاهر بين أديان العقائد المنتشرة في أرجائها. فمثلا يؤمن الهندوسيون بتناسخ الأرواح، ويؤمن البوذيون بعود تكراري للخلق. تحكي الميثولوجيا الهنديّة عن نهاية للعالم قد حدثت من قبل، تماما كميثولوجيا الشّرق الأوسط. إلى جانب الطوفان الّذي أفنى العالم ما عدا أعداد قليلة مختارة، عادة ما ينتهي العالم عن طريق كوارث كونيّة أخرى، مثل الحرائق، الهزّات الأرضيّة، وما إلى ذلك.

يكمن التّباين الجوهريُّ بين عقيدتيْ الشّرق الأوسط والهند في إعادة خلق العالم بصفة دوريّة. في العقائد الواحدانيّة يحدث الخلق مرّة واحدة، ويُقرر بنهاية محدّدة مسبقا. أمّا في الهند يفنى العالم ويتجدّد كلّ فترة، هذا ما يعرف بالعود الأبدي بسبب استحالة نهاية العالم، من ثمّ يتّخذ الزّمن شكلا مقوّسا.

يبقى هذا التّباين جوهريًّا بفعل البيئة، ظروف العيش، المناخ والتّاريخ. وقد تساهم أيضا هذه العناصر في إحداث تفاوت بين العقائد أو الدّيانات ذات العقيدة المشتركة، بحسب جغرافيّة كلّ منها. يمكن رصد هذا التّفاوت بين عقائد الشّرق الأوسط، الشّرق الأقصى، الهند، وفارس على مراحل زمنيّة متفرّقة.

يمكننا إذن أن نخلص إلى التّالي: إذا كانت العقيدة تؤسّس لنظرة الإنسان للعالم، فإنّها بالضرورة تفرض على الإنسان كيف يتعامل مع هذا العالم. سأطرح هذه الكيفيّة بشكل منفصل، من خلال مناقشة التّصور الزّمني المنبثق من قلب العقيدة الواحدانيّة، وكيف يدفع المنظور العقائدي سلوك الإنسان نحو جهة بعينها– على طريقة التّكيّف الطبيعيِّ.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

أضف تعليق