حين تتحوَّل الترجمة إلى إثم ثقافي

عن ترجمة حمود حمود لكتاب "نيتشه والإسلام" لروي جاكسون

      تقديم:

صدرت السنة الفارطة، عن دار النشر البيروتية “جداول”، كما هو معلوم، وبالاشتراك مع مؤسسة “مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث”، الترجمة العربية لكتاب “نيتشه والإسلام”Nietzsche and Islam  للباحث البريطاني روي جاكسون[1].Roy Jackson  ولكم وددنا أن نتطرق في مقالنا هذا إلى أغراض الكتاب، لولا أننا أفردنا لذلك دراسة نقدية مخصوصة سترى النور قريبا ضمن عمل جماعي. وإنما نود في الأسطر التالية أن ننبه إلى الأخطاء الفادحة التي ارتكبها السيد حمود حمود في ترجمته العربية للكتاب، وأن نهيب ببعض الناشرين العرب إلى مراعاة أبسط قواعد النشر الثقافي الأخلاقية المتعارف عليها كونيا، وإلى تحري الحد الأدنى من الجد والضبط والأمانة العلمية في ما ينشرون.

أما فيما يتعلق بمحتوى الكتاب، فقد تكفي الإشارة إلى أن المؤلف يتقلد في كتابه دعوى عريضة يشيب لها الولدان، ومفادها أن الإسلام يواجه نفس التحدي الذي واجهته أوروبا خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، زمن نيتشه، ألا وهو تحدي “العلمنة” الساحقة، وأن عليه أن يختار أحد أمرين: “فإما أن يسلك من نفس الطريق الذي سلكته المسيحية في أوروبا، فيمسي إلهه “إلها ميتا” Dead God – وهذا ما ينتقده نيتشه بشدة – وإما أن يتعلم من دينية نيتشه، فيعتنق دين “الإله الحي”Living God  الذي لا يرى في العلمنة عدوا”.[2]

وحسبنا أن نتساءل: هل كان من الضروري أن يستوحى نموذج “الإصلاح الديني” الإسلامي المنشود من فكر نيتشه بدلا من أن يستلهم من أنوار القرن الثامن عشر؟ وكيف يعقل أن نطالب المسلمين باستيعاب مكاسب “الحداثة” من طريق نيتشه، حصرا، مع سابق علمنا بأن الأخير صدع بعدائه الشديد للنزعة الإنسانية ولقيم الحداثة الأخلاقية والاجتماعية والسياسية الكبرى بوصفها تركة أفلاطونية-مسيحية لا غبار عليها أي ثقافة عبيد وضعفاء ومرضى ومخنثين؟ وهل يرضى ديونيسوسDionysos  – البريء من صناعة “التدوير”Recycling  الفرنسية – بأن يرتدي عباءة “شيخ الإسلام” ليرشد المؤمنين إلى مهاوي “الانحطاط” و”العدمية” و”الإنسان الأخير”؟ أفلا يحق لنا أن نعتبر عملا من هذا القبيل نوعا من “لعب العيال” – كما يقول إخواننا المصريون – وأن ننزل هذا “اللعب”، نفس منزلة “إرادة القوة” التي يسلم المؤلف بأنها “البرادايم الأقصى”Ultimate paradigm ؟

    الصواب المفقود في “ترجمة” السيد حمود:

لم يصدر المترجم ترجمته العربية بمقدمة يعرف فيها بالكتاب وبمؤلفه وبأغراض الكتاب وبقيمته في الحقل الثقافي العربي والكوني، الخ؛ كما أنه لم يشفع الترجمة بمعجم المصطلحات والأعلام الواردة في الكتاب. وعلى سبيل المثال لا الحصر، يعترف السيد حمود حمود، في صدر الفصل السادس من ترجمة الكتاب، بأنه ينقل عن غيره ترجمة عربية لفقرة من كتاب نيتشه “فيما وراء الخير والشر”، لكنه لا يشير بتاتا إلى اسم المترجم العربي، متنكبا بذلك عن أبسط القواعد المعمول بها في هذا الشأن.[3]

لكن كل هذه الأمور تهون إذا ما قورنت بأخطاء الترجمة التي أنجزها السيد حمود حمود. يقول عبد الله العروي: “كان أساتذتنا الفرنسيون الذين تدربوا هم على النقل من اليونانية واللاتينية إلى الفرنسية، يقولون لنا: في الترجمة لا بد من الاختيار، إما الوفاء للمعنى مع ركاكة الأسلوب، وإما البلاغة والبيان مع خيانة النص شيئاً ما”.[4] ونقولها نحن بصراحة: إن ترجمة السيد حمود حمود تجمع بين الركاكة والخيانة! فعلاوة على الركاكة المفرطة التي وسمت النص المترجم، واستخفاف المترجم بأبسط قواعد اللغة العربية (عبثه بحروف الجر مثلا)، ثم الأخطاء الجسيمة في ترجمة الألفاظ والمصطلحات، جاءت معظم فقرات النص المترجم عبارة عن طلاسم وهيروغليفيات لا يضاهيها في مقدار الغموض والتعسف سوى ترجمات الشيخ غوغل بن شبكة! ونعترف بأننا اضطررنا إلى الرجوع إلى النص الإنجليزي الأصلي مرارا وتكرارا من أجل الفهم! فما الفائدة من الترجمة إذن؟!

وفيما يلي عينات من ترجمة السيد حمود حمود، نقدم لها بالأصل الإنجليزي، ونشفعها بمقترحات تصويب؛ ونقول “عينات”، لأن جرد وإصلاح جميع أخطاء الترجمة يعني عمليا إعادة ترجمة الكتاب كله:

– الأصل الإنجليزي، ص. 1:

Friedrich Nietzsche is not the standard bearer for atheism

ترجمة حمود حمود، ص. 15: “فإن فريدريك نيتشه ليس الحامل المعياري للإلحاد”؛ والصواب: “فإن فريدريك نيتشه ليس حامل لواء الإلحاد”.

– الأصل الإنجليزي، نفس الصفحة:

both the man and his philosophy are imbued with a deep religiosity

ترجمة حمود حمود، نفس الصفحة: “لقد دمج الرجل وفلسفته بدينية عميقة”؛ والصواب: “لقد تشبع الرجل، كما تشبعت فلسفته، بحس ديني عميق”.

– الأصل الإنجليزي، نفس الصفحة:

Israel represents the projection of this center into the East

ترجمة حمود حمود، ص. 16: “.”وتمثل إسرائيل مشروع هذا المركز في الشرق”؛ والصواب: “وتمثل إسرائيل امتدادا لهذا المركز في الشرق”.

– الأصل الإنجليزي، ص. 2:

Running through the work of the great [western] islamic scholars…

ترجمة حمود حمود، ص. 17: “من خلال الاندفاع في أعمال العلماء [الغربيين] الإسلاميين…”؛ والصواب: “عند تفحص أعمال كبار دارسي الإسلام الغربيين…”.

– الأصل الإنجليزي، ص. 3:

Arian monk

ترجمة حمود حمود، ص. 18: “راهب آري”؛ والصواب: “راهب أريوسي”.

– الأصل الإنجليزي، نفس الصفحة:

Until the nineteenth century, the military (as distinct from the commercial) advance of West into the Islamic world was limited to the areas of the Balkans…

ترجمة حمود حمود، ص. 19: “لقد كان التقدم الغربي العسكري (كما هو متميز عن التقدم التجاري)، حتى القرن التاسع عشر، في العالم الإسلامي مقتصرا على مناطق البلقان…”؛ والصواب: “إلى حدود القرن التاسع عشر، ظل التغلغل العسكري الغربي (بخلاف التغلغل التجاري) في العالم الإسلامي مقتصرا على مناطق البلقان…”.

– الأصل الإنجليزي، نفس الصفحة:

Now was obliged to look to the west for inspiration; instead of being Europe’s nemesis…

ترجمة حمود حمود، ص. 19: “قد أجبرت الآن للنظر إلى الغرب بكونه إلهاما؛ وبدلا من أن تكون انتقام أوروبا…”؛ والصواب: “قد اضطرت الآن إلى الاستلهام من الغرب؛ وبدلا من أن تبقى عدو أوروبا اللدود…”.

– الأصل الإنجليزي، ص. 4:

Xenophobic

ترجمة حمود حمود، ص. 21: “رهابي”؛ والصواب: “كاره للأجنبي”.

– الأصل الإنجليزي، ص. 6:

False dichotomy

ترجمة حمود حمود، ص. 24: “انقسامية كاذبة”؛ والصواب: “إحراج مفتعل”، أو عناد مصطنع”.

– الأصل الإنجليزي، ص. 9:

Elements far more important that theological or philosophical speculation…

ترجمة حمود حمود، ص. 29: “إنها عناصر أكثر أهمية في التخمين الثيولوجي والفلسفي”؛ والصواب: “إنها أمور أجل قدرا بكثير من النظر اللاهوتي أو الفلسفي”.

– الأصل الإنجليزي، ص. 10:

and without which their countries’ freedom will remain a distant dream

ترجمة حمود حمود، ص. 31: “ومن دون حرية بلدانهم فإن ذلك سيبقى حلما بعيدا”؛ والصواب: “ومن دون ذلك، فإن حرية بلدانهم ستبقى حلما بعيدا”.

– الأصل الإنجليزي، نفس الصفحة:

Our christianity reeks of humanism

ترجمة حمود حمود، نفس الصفحة: “إن مسيحيتنا تفوح من الإنسانية”؛ والصواب: “إن مسيحيتنا مفعمة بالنزعة الإنسانية”.

– الأصل الانجليزي، ص. 19:

Rousseau did not see the state of nature as a brutal war, as Hobbes did…

ترجمة حمود حمود، ص. 46: “حيث إن روسو يرى حالة الطبيعة على أنها حرب وحشية، كما رأى ذلك هوبز…”؛ والصواب: “حيث إن روسو لا يرى أن حالة الطبيعة بمثابة حرب وحشية، كما رأى ذلك هوبز…”.

– الأصل الإنجليزي، ص. 28:

The truth as will to power, as what enhances the species

ترجمة حمود حمود، ص. 62: “الحقيقة كإرادة إلى القوة، ما يعزز الأنواع”؛ والصواب: “الحقيقة بوصفها إرادة قوة، وما يعزز النوع”؛ ذلك أن لفظ species  الإنجليزي واحد سواء في الإفراد أم في الجمع.

– الأصل الإنجليزي، ص. 30:

Causa prima

ترجمة حمود حمود، ص. 66: “السبب الجذري”؛ والصواب: “العلة الأولى”.

– الأصل الإنجليزي، ص. 31:

supervised by…

ترجمة حمود حمود، ص. 67: “مقادا”؛ والصواب: “مقودا”، من قاد يقود قودا وقيادة، والمفعول مقود وليس مقاد.

– الأصل الإنجليزي، ص. 32:

in truth their [philosophers] thinking is much less an act of discovery than an act of recognising anew, remembering anew, a return back home to a distant, ancient universal economy of the soul from out of which these concepts initially grew…

ترجمة حمود حمود، ص. 70: “تفكيرهم [الفلاسفة] في الحقيقة هو أقل بكثير لفعل اكتشاف من فعل إدراك شيء من جديد، وتذكر جديد، والعودة وراء إلى الأصل البعيد، الاقتصاد الكوني القديم للروح، والتي منها تنمو بداية هذه المفاهيم”؛ والصواب: “قلما يكون فكرهم [الفلاسفة] اكتشافا، بل هو بالأحرى إعادة تعرف وتذكر، ورجوع وعودة إلى مؤونة للنفس واحدة أزلية نائية، مؤونة انبثقت منها تلك الأفاهيم في زمن غابر”.[5]

– الأصل الإنجليزي، ص. 37:

Tertullian was noted for his hostility towards the incursion of philosophy into  theology…

ترجمة حمود حمود، ص. 77: “وقد علق ترتوليان بما يخص عداوته تجاه غزو الفلسفة للاهوت”؛ والصواب: “وقد اشتهر ترتوليان بمناهضته لتدخل الفلسفة في شؤون اللاهوت”.

– الأصل الإنجليزي، ص. 38:

The analysis of existence…

ترجمة حمود حمود، ص. 79: “تحليل الخبرة”؛ والصواب: “تحليل الوجود”.

-الأصل الإنجليزي، نفس الصفحة:

Nietzsche is still, however, in the process of being better understood as scholars brush away the dust of many years of misunderstanding…

ترجمة حمود حمود، ص. 80: “ومع ذلك، ما زال من الأفضل فهم نيتشه بكونه، كما العلماء، في مسلك إزالة غبار سنين عديدة من سوء الفهم”؛ والصواب: “ومع ذلك، فإن فهمنا لنيتشه ما فتيء يتحسن بمقدار ما يعمل الدارسون على نفض غبار سنين عديدة من سوء الفهم”.

-الأصل الإنجليزي، ص. 41:

Eugenic

ترجمة حمود حمود، ص. 84: “تعقيمية”؛ والصواب: “نسالية”.

-الأصل الإنجليزي، ص. 46:

Ressentiment

ترجمة حمود حمود، ص. 93: “الإستياء”؛ والصواب: “الذحل”. ونلاحظ أنه في ص. 108 يترجم كلمة depression  كذلك بلفظ “استياء” أيضا!

-الأصل الإنجليزي، ص. 52:

Idyllic

ترجمة حمود حمود، ص. 103: “رعوية”؛ والصواب: “فردوسية” أو “حالمة”.

-الأصل الإنجليزي، نفس الصفحة:

The Apollonian element was needed to create the illusion

ترجمة حمود حمود، نفس الصفحة: “لقد كان العنصر الأبولوي عنصرا محتاجا حينها لخلق الوهم…”؛ والصواب: “لقد كانت الحاجة ماسة إلى العنصر الأبولوني من أجل خلق الوهم…”.

-الأصل الإنجليزي، ص. 54:

There is…a sense of the term ‘secularism’ which, as it seems to me, has no application to Nietzsche…

ترجمة حمود حمود، ص. 106: “هناك…إحساس في اصطلاح “العلمانية” الذي لم يكن له، كما ما يبدو لي، من تطبيق عند نيتشه…”؛ والصواب: “ينطوي لفظ “العلمانية” على معنى يبدو لي أنه لا يصدق على نيتشه…”.

-الأصل الإنجليزي، ص. 98:

the direction by reason of unreason

ترجمة حمود حمود ص. 178: ” الاتجاه من خلال عقل اللاعقل”؛ والصواب: “قيادة العقل للاعقل”.

الأصل الإنجليزي، ص. 106:

Akel al-Murar

ترجمة حمود حمود، ص. 194: “عقيل المرار”؛ والصواب: “آكل المرار”، وهو لقب ملك كندة المعروف.

-الأصل الإنجليزي، ص. 110:

Ahmed Bin Zayni Dahlan

ترجمة حمود حمود، ص. 200: “أحمد بن زيدان دحلان”؛ والصواب: “أحمد بن زيني دحلان”، مفتي الشافعية المعروف.

-الأصل الإنجليزي، ص. 117:

As Bulaç rightly points out, it is ‘unimaginable’ that Muhammad, sneaking out of Mecca in the middle of the night to migrate to Medina to seek refuge there, would then be in a position to impose a text of agreement…

ترجمة حمود حمود، ص. 211-212: “بولاق، وبحق، يلاحظ أن هذا الدستور “لم يكن خياليا”، ليتسلل محمد من مكة في منتصف الليل للهجرة إلى المدينة لطب اللجوء هناك، ثم يكون في موقف سمح له فرض نص الاتفاق…”؛ والصواب: “وكما يلاحظ [علي] بولاق بحق، فإنه أمر “لا يصدق” أن يكون محمد، الذي تسلل من مكة في منتصف الليل مهاجرا إلى المدينة طالبا اللجوء هناك، في وضع يسمح له  بفرض نص  الاتفاق…”.

-الأصل الإنجليزي، ص. 122:

encountered his ‘brothers’ Jehova, Jesus, Idris, Aaron, Moses, and Joseph…

ترجمة حمود حمود، ص. 220: “التقى محمد ب “أخوته” جيهوفا ويسوع وإدريس وهارون وموسى ويوسف…”؛ والصواب: “لقي محمد “إخوانه” يحيى، عيسى، إدريس، هارون، موسى، ثم يوسف…”. ويلاحظ أن الغلط في اسم يحيى مشترك بين المترجم والمؤلف! أما Jehova  أو يهوه، فهو اسم الإله العبراني المعلوم.

– الأصل الإنجليزي، ص. 92، وفي مواضع أخرى:

Soul as deriving from…

ترجمة حمود حمود، ص. 169، وفي مواضع أخرى: “الروح كاشتقاق من…”؛ والصواب: “الروح مستلهمة من…”.

********

إحالات:

[1]–  روي جاكسون (2007)، نيتشه والإسلام، ترجمة حمود حمود، (دار جداول للنشر والترجمة والتوزيع بالاشتراك مع مؤسسة مؤمنون بلا حدود: بيروت-لبنان، ط. الأولى، 2015)، 285 صفحة. وهذه معطيات الأصل الإنجليزي:

Jackson, Roy. Nietzsche and Islam, (Routledge : London  & New York, 2007), p. 194.

[2]نفسه، ص. 34.

[3]نفسه، ص. 199.

[4]– عبد الله العروي، الإيديولوجيا العربية المعاصرة، (المركز الثقافي العربي: الدار البيضاء، 1995)، ص. 9.

[5]– هذه ترجمة جيزيلا فالور حجار: فريدريك نيتشه، ما وراء الخير والشر، (دار الفارابي: بيروت-لبنان، ط. الأولى،  2003)، ص. 45.

 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق