أخجل من الاعتراف…

وقفت أسند ظهري إلى جدار المكتبة التي احتضنت حفل توقيع كتاب فتحي بن الحاج يحيى – وهو صديق تجاوزتُ في الكلمة ضيق المتفق عليه – أتابع تقديم الأستاذة لطيفة الأخضر لكتابه “الحبس كذّاب…والحي يروّح” بعنوانه الفرعيّ: “ورقات من تاريخ اليسار التونسي في الزمن البورقيبي”، وأنا أحاول في إجهاد كبير أن لا تفرّ بي – كالعادة- ذاكرتي، استباقا للنسيان واستقداما للضجر خارج مواقيته، مراوحة بين ما طوته بنا السنين وما نطويه بها مسافة فاصلة بين الحلم واليأس والأمل والجنون.

أقلّب النظر في وجوه حضرت الاحتفال، وأتذكّر، في حصّة جماعية للتداعي الصامت والناطق في آن. تحملنا الذكريات خببا ونتكور على الألم، ونبتسم لأمل نراوده ولا يراودنا، وهو بالإغواء أشبه. كنت أتابع تقاسيم وجه لطيفة وهي تقدّم الكتاب اختزالا، احتراما للوقت وللاختلاف… وأرقب وجه فتحي وهو يضج ذكريات وتساؤلا وربما قرفا …قد يكون من بطء التاريخ إلى حد السكون في بلد يستعصي فيه إيجاد الوقع المطلوب في لحظة ما إلا ما ندر. حاولت أن أحصي الوجوه أعمارا، فطالما تحدّثنا عن أهمّية التأريخ لتجربة اليسار في تونس، خصوصا أمام تنامي عُقَد التأسيس عند الكثيرين، وازدهار حركة الذاكرة المبتورة، وانتشار الحديث عن شرعية التضحية والمضحّين (في إحالة على معنى الأضحية في عيد الأضحى)، وكأنّي بأصحابها ومريديها لا يعتبرون التاريخ إلا متى وعوا هم به – إن حصل ذلك فعلا- وقرّروا أن يدخلوه غازين، وأنّ ما كان قبلهم آو معهم أو بعدهم هباء.

تذكّرت بعض ما خالجني وأنا أقرأ الكتاب، شعرت أن الجمل تزدحم والعبارات محمّلة بوجع الذاكرة، مختنقة بما خزنته مقلّبة لما تريد الإفصاح عنه وما لا تريد، وكأنّها ازدحام الأمل والألم بالسّجن..أو السّجون..وجعٌ يتسرّب في خجل وكبرياء تبدّى واضحا من الكلمات والجمل … كان الكاتب يحاول فيها أن لا يبّرر من الأسطر إلا ما كان له علاقة بالموضوعيّ في جدليته مع الذاتيّ، وقد تخترقني ابتسامة أحيانا وأنا أتخيّل رأس فتحي عندما يملّ هذا المجهود لتحقيق التوافق فيقول: حكاية فارغة في النهاية! فما هي الحدود بين الذاتي والموضوعي في مثل هذه الحالات؟ تذكّرت.. عندما كنت في مقتبل العمر طالبة بالجامعة لا زلت أتحسّس طريقا لا أراه بوضوح إلا فيما هيّأ إلى وقتها شرط وجود وتحقّق… كنّا امتدادا، ربّما لا واعيا، لمن وردت أسماؤهم في الكتاب.. لكنّ ما أقنعونا به وقتها أننا كنا امتدادا أساسا لآخرين… كنا نتباهى في معرفة أدقّ المعلومات عمّا يحدث في أقاصي الكرة الأرضية ونتناقل أدقّ تفاصيل ما يحدث في فراش ماركس ولينين وروزا وترتسكي وستالين وماو وغيرهم، لنستلهم نقاوة الفكر الثوريّ وصلابته، وانسحاب الذاتيّ أمام الموضوعيّ من أجل… الثورة وديكتاتورية البروليتاريا. ليس هذا فحسب بل هناك نوعية من الكتابات والكتاب والترجمات لا يجب علينا قراءتها؛ حتى لا تفسد علينا هذا النقاءَ! طالما أنّ الرفاق المؤهّلين لذلك قد استقرّ رأيهم ووجدانهم على ما هو الأصلح لترسيخ صلابتنا وتمكيننا في حقل العمل الثوري. ثمّ إنّ الحديث عمّن سبقونا في تونس كان- عادة – في دائرة الاستهجان والنعت بـ”التحريف” و”الإصلاح” وغيرهما، وهو خطاب لا يخلو منه فصيل في الجامعة، حتى أنني أذكر أنّني توجهت مرّة بالسؤال لأحد الرفاق آنذاك، وكان يكبرني سنّا ومكانة سياسية؛ لماذا نعتبر الاتحاد السوفيتي إمبريالية ونساوي بينه وأمريكا، والحال انه هو الذي يساند فلسطين وكوبا والجزائر وغيرها؟ ألا نكتفي باعتباره شيئا آخر؟. فضحك وقال لي، أجيبك، لكنّ هذا الجواب غير قابل للتداول، نحن نعتقد أننا الأقدر والأفهم والأصحّ، ونكيل السباب للجميع، وإذا ما قدّر لنا يوما ووصلنا إلى اللحظة التي نستحقّ فيها للكفاح المسلّح، فلن نجد من يزوّدنا ببارودة صيد …إننا لا نُحتَمَل. تذكّرت ذلك عندما أثار فتحي السّؤال في معرض ذكرياته عن التجربة في البقاع اللبنانيّة مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وهل كان فعلا في يوم ما مطروحا الانتقال إلى العمل المسلح؟؟؟ اذكر أنّ الحدث الوحيد الذي كانت تلتقي عليه كلّ أطراف اليسار -لأنّه هو الذي يعنيني- هي حركة فيفري 1972- وهي الحركة الاحتجاجية الأشهر في تاريخ الحركة الطلابية التونسية ردّا على تزوير طلبة الحزب الحاكم للمؤتمر18 للاتحاد العام لطلبة تونس، وإصرارهم على تبعية الاتّحاد لحزبهم ـ أما ما عدى ذلك فهو مجال للصراع والتقييم، وهو أمر إيجابيّ في حدّ ذاته، لكنه أيضا مجال للسبّ والاستنقاص، وهو ما لم احتمله لاحقا. عندما مللت أن يرسموا الحدود لي (وأنا بطبعي قلقة قلوقة) أصبحت أبحث بطريقتي عما خفي. وبدأت أعدّل ما مال نتيجة أحادية الرؤية والتقييم. وبدأت بالتالي أصطدم بخجلي كلّما ساقتني أحداث البلاد إلى لقاء شخص كان وقودا لتلك الحقبة، وسبقني في الحلم والتوق إليه بل أكثر. وكنت أزداد حقدا على نفسي كيف أنني ومن معي، وهم كثيرون، انصرفنا إلى الاهتمام بتفاصيل شخوص تبقى تمثّلا ذهنيا، والحال أنّ المنطق يفترض أوّلا البدء بما تمّ إنجازه هنا في محاولة للفهم والتجاوز قبل أن نقيّم ما تمّ هناك، والذي يبقى مطلوبا لكنّه لا يغني عن ضرورة الاهتمام بما تمّ في الحيز الذي يحتوينا ويجمعنا تاريخا وجغرافيا وحلما وقمعا. وكنت كلما ألحّ عليّ السؤال لماذا -رغم كلّ التضحيات – لم نرتق يوما إلى مستوى زخم التجربة؟ لماذا هناك نوع من التقطّع اللامنطقي والجنوني أحيانا وكأننا بشكل لا إرادي نريد أن يبقى الحال على ما هو عليه؟ لماذا لا تتحوّل مثل هذه المناسبات إلى مساحات للنقاش والحوار وللتقييم الجماعي خارج نطاق الوصاية السابقة واللاحقة؟ ما من شكّ أن تجربة اليسار التونسي من أكثر التجارب اليسارية سريالية، حتى لا أقول شيئا آخر، وهذا ما وضّحه فتحي على عجل وخجل، عند تقديمه للكتاب. ذلك أنّ تبنّي بورقيبة لرؤية في مجملها تحديثية وإرساء الدولة التونسية لخيارات في مجالات هامة كالتعليم والصحة وقانون العائلة وحقوق النساء وغيرها، أسهم في توجيه التجربة اليسارية إلى مجالات أخرى، تمحورت أساسا حول مطالب في جوهرها تهمّ المسألة الديمقراطية، دون الفصل بينها وبين تصوّرات لطبيعة الإطار الذي تنجز فيه، ويأتي الربط بالتالي مع طبيعة علاقات الإنتاج وملكيتها وإدارتها، ويتداخل معها بحكم الظرفية التاريخية ما هو محلّي وقومي وأممي، ليتمّ ضبط إيقاع ذلك كلّه في أطروحات تتماسك، ولا تتهاوى إلا إذا اصطدمت بحدودها ومحدوديتها. ثم إنّ دمج بورقيبة لمفهوم الدولة مع مفهوم مؤسّسة رئاسة الجمهورية وشخصنة السلطة، معتبرا نفسه أب الأمّة التونسية، جعل من أيّ محاولة نقد أو ممارسة للمواطنة كما ضبطها الدستور، بمثابة التمرّد على السلطة (سلطة الأب) وتخريب لمشروع الدولة الحديثة وغيره، ولعلّ ما أورده فتحي من تعليق عند التقى بورقيبة في وفد عن المساجين، وتمسّكهم أمامه بحق التنظّم على معنى الفصل الثامن من الدستور لهو الأبلغ، فقد أجاب بورقيبة ببساطة وأظنه يعني ذلك “توّا انّحيه” (سأحذفه هذا الفصل). وما من شكّ كذلك أنّ تجربة اليسار التونسي تبقى من أرقى التجارب السياسية في البلاد من حيث تنوّع وثراء الفكر التنظيري في علاقة بما هو تنظيمي، بل أكثر من ذلك؛ فقد شهد تاريخ تونس الستينات والسبعينات زخما هامّا على مستوى الترابط بين هذين الأمرين، وترجم في تجارب كان من بين ما دفع ثمنا لها، حياةُ وحرّيةُ الكثيرين، منهم من آلوا على أنفسهم أخيرا التأريخ لهذه التجربة.

قرأت الكتاب دفعة واحدة، وراعني أن تكون تواريخ الاعتقال عادة مرتّبة مع قدوم الربيع (شهر مارس غالبا أوقبله أو بعده بقليل) لشباب في ربيع العمر وفي بلد أرادوه زهورا للجميع، فكان أن أعدّت لهم الزنزانات لخنق عبيرهم، لكنهم تمسّكوا بالورد…للجميع. كانت بعض الوجوه حاضرة في تقديم الكتاب، علاها الشيب و..الابتسامة والاعتزاز. تملّكني الحزن، ذلك أنّ عدد الشبان كان ضئيلا، والحال أنّه في فسحة الحلم والأمل، التي ما زلتُ أحاول صيانتها من التآكل، كنت أتوقّع العكس…فطالما تمنّيت أن أعيش لحظات التقاء كالتي عشت يومها، فما أجمل أن تستمدّ قوّتك وإصرارك ممّن يقاسمونك قهوة الصباح، أو ضحكة المساء، عند عبور الذاكرة عسسا أو هاجسا أو هراوة أو سرابا… تمنّيت أن يكون عدد الشباب أكثر وحماسهم يعادل الذي يعيشون عند ترديد بعض الأغنيات أو ارتداء بعض القمصان محمّلة بصور لرموز تبقى كذلك، لكن يفصلنا عنها ما يفصلنا من مسافة بين الفكرة و تجسيدها. تمنيت أن يكونوا معنا هناك؛ حتى لا يشعروا يوما بالخجل مثلي وأنا أتعرّف على وجوه كنت ألتقيها سابقا ولا أراها، والحال أنّ ذاكرة الوطن وشم على وجوههم ونقوش في الذاكرة قد تمنعهم أحيانا حتى من غلق الباب وراءهم، أو الصعود في السلم دون النظر إلى خلف خشية أن يلتبس عليهم اليوم بالأمس، مثلما أشار إلى ذلك فتحي في كتابه… وما أشبه اليوم بالأمس..

(تونس 27 أفريل 2009 )

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق