أوهام السّاحة العامة (السّوق)

من أشهر أجزاء كتاب الأورجانون الجديد لفرانسيس بيكون إن لم يكن أشهرها هو الجزء الذي يتحدّث فيه عن الأوهام الأربعة الّتي تقيم العقبة في وجه المعرفة الحقيقيّة وهذه الأوهام هي: أوهام الجنس ويعني بها الأخطاء الكامنة في الطبيعة البشريّة. أوهام الكهف؛ ويعني بها الأوهام الفرديّة الّتي يقع فيها الفرد نتيجة لتكوينه الخاصّ. وأوهام المسرح ويعني بها وهم النظريات والمذاهب.

على أنّ أشدّ هذه الأوهام خطرا هي أوهام السّاحة العامّة (السّوق) والاسم مستمد من عملية التّبادل الّتي تحدث في السّوق، الّتي يشبه بها بيكون عملية تبادل الأفكار بين النّاس عن طريق اللّغة؛ ذلك أنّ النّاس “يظنون أنّ عقلهم (هكذا ) يتحكم في الألفاظ بينما الحقيقة أيضا أنّ الألفاظ تعود وتشن هجوما مضادًّا على الفهم (…) لأنّ الألفاظ تكوّنت في معظمها لكي تلائم قدرة العامّة من النّاس، وهي تحدِّد الأشياء بخطوط تقسيم تسهل على الذِّهن العامي (فرانسيس بيكون، الأورجانون الجديد، إرشادات صادقة في تفسير الطبيعة، ترجمة: عادل مصطفى، رؤية ، 2013، ص 42).

ولكي أشغل هذا النّوع من الوهم في موضوع خاص سأورد هذا الخبر.
-ألقى فضيلة الشيخ صالح المغامسي محاضرة بعنوان (نُزُل الأبرار) نظّمها المكتب التّعاوني للدّعوة والإرشاد وتوعية الجاليات بالأحساء. وقد صرَّح الشَّيخ أحمد المهيني منسق البرامج العلميّة في المكتب أنّ عدد الحضور تجاوز (2500) من الرّجال و (700) من النّساء.
http://www.ahsaic.com/galyat/news_details.php?news_id=572

في مقابل هذا الخبر سأورد التّصريح التّالي لرئيس نادي الباحة الأدبي الثّقافي.
-وقد طلب الجمهور توسعة القاعة لعدم وجود أماكن لمن جاؤوا متأخرين، علما أنَّ القاعة تتّسع لأكثر من (180) شخصا، ولم يقل عدد الحضور في أسوأ الأحوال عن (60) مثقّفا.
http://www.sauress.com/alhayat/149057

يمكننا أن نرى في الخبر والتّصريح أعلاه إمكانات فكرة، تنتقل هذه الفكرة من الخبر إلى التّصريح أو العكس. وتعبّر عن نفسها بشكل مختلف تماما؛ فقاعة الألوف يقابلها قاعة المئات، ويقابل حضور الآلاف حضور العشرات، والقاعة الَّتي في وسط سوق شعبيٍّ يقابلها قاعة منزوية وبعيدة عن السّوق.

تفضي بنا الفكرة (الجمهور) إلى موضوع كتاب (نتذكر هنا كتاب غوستاف لوبون سيكولوجية الجماهير)؛ بيد أنّ الصيغة الأقصر للفكرة هو مقالنا هذا الّذي سيتوقف عند كثرة جماهير الدّاعية وقلّة جماهير المثقّف. قد يقال هذا بدهي، لأنّنا إذا تفحصنا التّكوين التّاريخي لهذا النّوع البلاغيِّ (الخطبة/ المحاضرة الدينيّة) فسوف نكتشف أنَّ السبب الرئيس في هذا الحضور الكبير هو ارتباط هذا النّوع البلاغيِّ بأيديولوجيا ينقلها ويروَّج لها.

لكن من قال إنَّ المثقَّف لا ينقل خطابا مؤدلجا؟! ذلك أنَّ المثقَّف مثله مثل الدَّاعية يروِّج لأيديولوجيا، والأيديولوجيا بدورها كالدِّين لا تقتصر على تلقين الأوامر والنَّواهي؛ إنَّما تمنح المؤمن بها ما يجعله يسعد بالحياة من أجلها أو الموت في سبيلها (نتذكر هنا جيفارا)؛ الأيديولوجيا كالدِّين، لا تطالب بالشُّعور أو بالفعل فقط؛ إنَّما تطالب أيضا بالاعتقاد بها.

وعلى أيِّ حال ، وإذا ما تعلَّق الأمر بالإيديولوجيا فلا أحد ينجو منها و” ليس للمرء أن يشعر بالانزعاج أو الحزن إذا ما وُصفت آراؤه بـ“الأيديولوجية” أكثر ممّا شعرت به إحدى الشَّخصيات الشَّهيرة في مسرحيات موليير عند اكتشافه بأنَّه يستعمل النثر طيلة حياته     (نقلا عن كليفورد غيرتز، تأويل الثّقافات، ترجمة: محمد بدوي، المنظمة العربيّة للتّرجمة، الطبعة الأولى، 2009، ص 400).

يساعد التّشبيه المتطرِّف على زيادة توضيح مشكلتنا الَّتي سنناقشها. وإلى هذا التَّطرف ينتمي سؤالنا التَّالي: ماذا لو نُظر إلى المجتمع السعوديِّ على أنَّه المجتمع-الجمهور؟ ربّما يقول قائل إنَّ النظر إلى المجتمع السعوديِّ في ضوء هذا المفهوم يقدِّم من الوعود ما يفوق قدرة المفهوم على أن يفسره لنا؛ ذلك أنَّ من الصعوبة على الباحث أن يجد مفهوما أو يبتكره ليوصف أو يحلِّل حدثا، وأكثر صعوبة من هذا أن يستدلَّ على ملامح هذا المفهوم الجوهريَّة.

ومع ذلك سأجازف في هذا الاتِّجاه وأقترح مفهوم (المجتمع-الجمهور) وهو مفهوم يشرح بعضه مفهوم (التَّدبير الدِّيني) ؛ لهذا يجب أن يكون القارئ على بيِّنة من مدى ما يمثِّله مفهوم (المجتمع –الجمهور) الَّذي يختصر تقريبا تاريخ المجتمع السعوديِّ منذ بداية الدَّولة السَّعوديَّة الثَّالثة. 

يتَّضح الفرق بين الجمهور وبين المجتمع في العلم الَّذي يدرسهما. فالجمهور يدرسه علم النَّفس، والمجتمع يدرسه علم الاجتماع. وكما يقول غوستاف لوبون في كتابه سيكولوجية الجماهير فإنَّ مؤسسي الدُّول علماء نفس على غير وعي منهم، يعرفون روح الجماهير بشكل فطريٍّ، وفي الغالب بشكل دقيق، وبما أنَّهم كذلك فقد أصبحوا أسياد الجماهير. وإذا ما نظرنا إلى المجتمع السَّعوديِّ على أنَّه مجموع ذكرياته فيمكن أن نقاربه بقراءة الظُّروف الَّتي أحاطت بولادته، ورعت نشأته.

من هذا المنظور قد يكون جائزا على ما في هذا من الجواز من مجازفة أن نفكِّر في جماعة (الإخوان) في عهد الملك عبد العزيز على أنَّهم نواة المجتمع –الجمهور. والتَّأثير الحقيقيِّ في تلك الجماعة يكمن في ما أُضيف إلى خصائص البدو الَّذين يتكونون منها من خصائص جديدة من الوهابيَّة.

لقد ترتب علي الإضافة تحوّل في نفسياتهم، وامتلكوا خصائص جديدة انطمس منها الوعي الفردي، وأصبحت عواطف المطوّعة هي المشكلة لروح أولئك البدو، والدَّافعة لها. لقد روي الكثير من الحكايات الَّتي تشير إلى هذه الخصائص الجديدة، سأكتفي منها بما حُكي من أنَّهم باعوا إبلهم وغنمهم، لأنَّ في هذا إخلاصا لله، وتخلّصا ممَّا يذكرهم بما كانوا عليه من جاهليَّة.

إنَّني أظنُّ أنَّه من الوهم أن نعتقد أنَّ هؤلاء شكَّلوا مجتمعا في هجرهم الَّتي هاجروا إليها. ولأنَّني لا أملك مصطلحا يوصف حالة تلك الهجر فسأدعوه بالمجتمع-الجمهور، وبهذه التَّسمية تنتقل دراستهم من علم الاجتماع إلى علم النفس، وتصبح هذه الحالة الفريدة في تاريخ الجزيرة العربيَّة خاضعة لقانون “الوحدة العقليّة للجماهير” كما نعرفها الآن في الدِّراسات المتعلِّقة بعلم نفس الجماهير كما عند غوستاف لوبون على سبيل المثال. وبالنَّظر إلى هذه الهجر على أنَّها مجتمع-جمهور فإنَّ ما يمكن أن يقدمه لنا هذا الوصف هو المجتمع الَّذي ينخفض فيه التَّأمل، والتَّفكير النَّاقد، في مقابل الانخراط في الممارسة والعمل من أجل فكرة مموَّهة بالعاطفة. 

لا يمكن أن أتحدَّث عن هؤلاء الإخوان بمفاهيم جيش التَّحرير الشَّعبيِّ، ولا أن نقارنها بما حدث في الصين أو في إسرائيل مثلما فعل محمد جلال كشك؛ إنَّما يمكن أن أتحدَّث عنهم في إطار جمهور مكوَّن من انفعالات بدائيَّة، ومكرس من قبل عقيدة دينيّة. هؤلاء روح جماهير منوّمة، ينوّمها شخص، ويتحكَّم في اللَّحظة الَّتي يوقظهم فيها لكي يقوموا بالأعمال الاستثنائيَّة الَّتي رُتّب لها.

غير أنَّ مشكلة المجتمع-الجمهور أشدُّ تعقيدا ممَّا قلناه إلى الآن، ذلك أنَّ ما قلناه يخلق شعورا بأنَّ جانبا من جوانب الحديث لم يُفسّر وهو لماذا يتكاثر جمهور الدَّاعية؟ إن من التبسيط الشديد للمشكلة التفكير فقط في الإيديولوجيا فمثل هذا قد يعْتم المشكلة بدلا من أن يضيئها.
لذلك ولكي أتعرّف الجانب الَّذي لم يُفسَّر ، سأتَّخذ ما كان نقطة البداية؛ أعني عنوان محاضرة الشَّيخ المغامسي. فالعنوان هو (نُزُل الأبرار). هذه الاستعارة لا يمكن أن تنقل معناها المقصود إلى مستمع يجهل معناها؛ فما تحتاجه ليس أن يعرف المعنى المعجمي، ولا أن يقدر على استخدامها بمعان غير حرفية إنَّما يعرف بما يسميه ماكس بلانك “نظام الأمور الشَّائعة المرافقة”. 

يعني نظام الأمور الشَّائعة المرافقة فيما يتعلَّق بـ(نُزُل الأبرار) معنى البرّ (التَّقي) وكيف يكون الإنسان بارًّا، وجزاء الأبرار وجزاء ضدِّهم الفجار. ونُزل (فندق، منزل) حين تستخدم استخداما أخْرويا (الجنَّة). ومن وجهة نظر ماكس بلانك “يمكن أن يشتمل نظام الأمور الشَّائعة على أنصاف حقائق أو أخطاء صريحة (كأن نصنف الحوت بين الأسماك)، لكن الشيء المهمَّ لفاعليَّة الاستعارة ليس أن تكون الأمور الشَّائعة صحيحة، بل أن تثار بحريَّة”.

يعلِّق فرانكو موريتي على عبارة ماكس بلانك بأنَّ الشَّكل البلاغيَّ “منسجم مع افتراضات مسبقة خفيّة وعميقة الغور” ويستشهد بعبارة أخرى لباحث أخر هو بورك تتعلَّق بالخطاب البلاغيِّ؛ فالخطاب البلاغيُّ “خطاب موجَّه إلى جمهور خاصٍّ (وأفضل القول إلى جمهور محدَّد) … بعبارة أخرى يبدأ الحجاج البلاغيُّ من افتراضات مسبقة، وكذلك من مشاعر، وانفعالات، وتقويمات-بكلمة من” آراء “يفترض بها أن تكون حاضرة وفاعلة لدى جمهوره (انظر: فرانكو موريتي، علامات أُخذت على أنها أعاجيب: في سوسيولوجيا الأشكال الأدبية، ترجمة: ثائر ديب، مصر، القاهرة، المركز القومي للترجمة، عدد 1294، ص 18).

يتَّضح هذا الاقتراح (الافتراضات المسبقة عند الجمهور) لتفسير لغز الحضور الكبير لمحاضرات الدُّعاة حين نتذكر تعريف أرسطو للبلاغة” البلاغة أشبه بفرع … من العلم يُعنى بسلوك يحقُّ لنا أن نسميه سياسيٌّا ( نقلا عن موريتي، مصدر سابق، ص 17) وهو تعريف يمكن أن يدفعنا نحو الأعراف البلاغيَّة الَّتي توجد من أجل تلبية متطلبات اجتماعيّة. ثمَّ إنَّ تعريف أرسطو الآخر للبلاغة على أنَّها “فنُّ استخدام الأمور الشَّائعة استخداما حسنا”وتعريف بودلير للإبداع بأنَّه“إبداع ما هو مبتذل” (مبتذل يعني شائع) يلقيان ضوءا آخر على ما سمَّاه بلانك نظام الأمور الشَّائعة.

تبدو استعارة “نُزُل الأبرار” استعارة ميّتة، لكن قيمة الاستعارات الميّتة تبرز في السِّجال؛ بسبب “ما تملكه من قوَّة إقناع عظيمة حين تُفعّل من جديد … وتنجم هذه القوَّة عن حقيقة أنَّ تلك الاستعارات تستمدُّ مفاعيلها من مادَّة مماثلة يمكن تقبلها بسهولة؛ لا لأنَّها معروفة وحسب، بل لأنَّها مدمجة من خلال اللُّغة في التَّقليد أو التُّراث الثَّقافي (نقلا عن موريتي، مصدر سابق، ص 23). أمّا مستخدم الأشكال البلاغيّة”فلا حاجة إلى أن يفكّر، أو لأن يدرك على نحو واع في تلك اللَّحظة أنَّه يستخدم ذلك الشَّكل، شأنه في ذلك شأن من يقود سيَّارة دون أن يكون به حاجة إلى أن يفكّر، أو لأن يفكّر في تلك اللَّحظة عدد اسطوانات المحرك أو كيفية عمله (نقلا عن موريتي، مصدر سابق، ص 23).

إلى هنا بإمكاننا القول أنّ نظام الأمور الشَّائعة المرافقة يدفع البلاغة إلى أن تكون ذات طابع اجتماعيِّ، وبالرغم من كون البلاغة كذلك إلاّ أنّها أيضا ذات طابع انفعاليٍّ؛ فـ “الاستعارة هي واحدة من أكثر السُّبل فعالية في نقل انفعال أو توصيله. وجميع الاستعارات تقريبا تعبِّر عن حكم قيمة لأنَّ الصورة الَّتي تنتجها تثير ردَّة فعل وجدانية… والوظيفة الأكثر شيوعا للاستعارة هي أن تعبِّر عن عاطفة تريد للمرء أن يشارك فيها (أرنو ونيكول، نقلا عن موريتي، مصدر سابق، ص 23).

لماذا تنكبّ البلاغة على الشُّعور الإنسانيِّ؟ لأنَّها معنية على وجه التَّحديد”بأن توقظ فينا وتضبط تلك الأجزاء الَّتي تكاد تكون اجتماعيّة صرفا (موريتي، مصدر سابق، ص 22). ومن هذه الزاوية تحديدا تشتغل البلاغة على الشُّعور؛ فالشُّعور كما يقول باسكال “يعمل في لمح البصر، وهو جاهز لأن يعمل” في إشارة إلى العمق الَّذي يحدّد به السياق الاجتماعيُّ والتّاريخيُّ وجود الإنسان الفيزيقي.

إن أبعد من هذا هو ما يُفهم من التعليق التّالي على بعض مقاطع من كتاب منطق رويال. “يبرز هنا شيئان اثنان على وجه الخصوص: أولهما هو الطَّابع الانفعالي الَّذي يشكِّل أساس الضروب من الإقناع غير العقلاني… وثانيهما هو الطابع النّمطيُّ الاجتماعيُّ في ارتباطه بعلاقات الإنسان بسواه من البشر ضمن أمَّة، أو الجماعة الاجتماعيّة أو المؤسّسة. وهذا الطابع الاجتماعيُّ يقف في تضادّ مع الكونيّة الَّتي يتَّسم بها الطابع العقلاني” (نقلا عن موريتي، مصدر سابق، ص 18).

حين تدفع أحدا مَّا إلى أن يقتنع بشيء مَّا لهو أمر مختلف عن أن تقنعه بها عبر إثبات صحَّتها (موريتي، مرجع سابق، ص 18) ولو تفحصنا –بحسب منطق بور رويال –عن كثب “ما يدفع النَّاس إلى التَّعلق برأي مَّا دون سواه، لوجدنا ذلك لا يرجع إلى نفاذ الحقيقة وقوَّة الحجَّة بل بما يتَّصل بحبِّ الذَّات والمصلحة والهوى… نحن لا نحكم على الأشياء بما هي عليه بل بما نراها عليه؛ فالحقيقة والمنفعة شيء واحد بالنسبة إلينا ( نقلا عن موريتي، مصدر سابق، ص 1 ).

يشير الشُّعور (الانفعال. الهوى. حبُّ الذات. المصلحة. المنفعة) إلى ذلك الَّذي لا يجب أن نتجاهله ونحن نفكِّر في كثرة حضور محاضرة الدُّعاة، ذلك أنَّه يعطي الدَّاعية الطَّابع الإقناعي لخطبته أو محاضرته. كما أنَّ الأشكال البلاغيّة بعيدا عن كونها تجميل للخطاب هي آليات داعمة للشُّعور؛ لاسيّما في الخطابات القابلة للتّكرار في مناسبات”جليلة “كما هو حال محاضرة المغامسي.

حتّى لو أنَّ أحدا لم يحضر المحاضرة فإنَّ بإمكانه أن” يتوقَّع “أسلوب التَّفكير والمضمون اللّذين سيغلبان عليها. أمَّا أسلوب التَّفكير فسيكون الجدل اللَّفظي، وهو أمر بدهي لأنَّ عناصر المعرفة في المحاضرة مأخوذة من الكتب القديمة. هناك حجج وبراهين لكنَّها حجج وبراهين لفظيَّة خالصة، يتلاعب فيها المحاضر بالاستدلالات الشَّكلية الَّتي تتَّخذ في ظاهرها صياغة منطقيَّة.

يكمن خلف الجدل والبراهين والحجج اللَّفظيّة فرضيّة هي” إذا استطعت أن تثبت بالكلام البحت شيئا فلا بدَّ من أن يكون هذا الشيء متحقّقا (انظر: فؤاد زكريا، التّفكير العلمي، الكويت، عالم المعرفة، عدد3، مارس 1987، ص 117) ؛ أي إذا اثبت بالكلام البحث أنَّ هناك نُزلا للأبرار فلا بدَّ أن يوجد. أمَّا من حيث المضمون فإنَّ فهم العالم وتفسيره فسيكون مستبعدا من المحاضرة؛ ذلك أنَّ نُزل الأبرار تعني النَّظر إلى الدنيا على أنَّها مرحلة عارضة زائلة.

سيكون كلُّ هذا ملفوفا بالبلاغة. ولقد ناقش كليفورد غيرتز علاقة الأيديولوجيا بالبلاغة؛ فالأيديولوجيا هي بلاغة الاتِّصال. وعدد المنابع الأسلوبيّة الَّتي تستقي منها كالاستعارة والمبالغة والمجاز والتَّشخيص والتَّقديم والتَّأخير، ووصل أخيرا إلى أنّ أسلوب الأيديولوجيا يتَّصف “بالزخرفة والبلاغة والإيحائية المقصودة ( غيرتز، تأويل الثقافات، ترجمة: محمد بدوي، بيروت، المنظمة العربية للترجمة، ط1، 2009، ص 462). وحين تستخدم الأيديولوجيا البلاغة فذلك يجعل منها على الضدِّ من العلم؛ أي أنَّها تستخدم ما يتحاشاه العلم، فعلى الضدِّ من الإيديولوجيا يتَّسم أسلوب العلم بـ”بالتَّحفظ وقلَّة الكلام والتَّحليل الصارم، ويتحاشى الأدوات الأسلوبيّة الَّتي تستعمل بشكل مؤثِّر في صياغة العاطفة الأخلاقيَّة. ينشد العلم الوضوح الفكري إلى أقصى حدّ (المصدر نفسه، ص 462).

إذا حاولنا أن نفهم أكثر، وأن نلخص لاستخدامنا صورة الخطيب الَّذي ترسمه وتكوّنه الخطب القديمة فقد تتبع المفكر المصري حسن حنفي مقدّمات كتب علم الأصول القديمة، ووجدها تخلو من أي مضمون فكريٍّ أو واقعيٍّ، عقليٍّ أو مصلحيٍّ. تعبِّر عن نفسها بأسلوب السَّجع المملوء بالتَّلاعب بالألفاظ الَّتي لا تحمل إلاَّ عواطف إيمانيّة. تعتمد على المحسنات البديعيّة، وعلى الإنشاء الخالص، دون فكر، ودون رؤية، ودون تحليل لشيء. حتَّى الشُّروح والملخَّصات لا تبين الغاية من الشَّرح أو التَّلخيص بل تقود بشرح المقدِّمات الإيمانيّة، واستعاضت عن الفكر بالسَّجع، واللَّفظ بلعبة المترادفات. والخلاصة “الرموز والصور والتَّشبيهات تكرار وسجع لفظي لا يكمن وراءه وعي، ولا يغيّر الواقع قيد أنملة (حسن حنفي، من العقيدة إلى الثّورة، ص 20).

هكذا ومن المنظور الَّذي وضعنا أنفسنا فيه يمكننا أن نفترض أنَّ ما تضمنه الجواب الَّذي عرضناه؛ أعني الطابع الاجتماعيَّ للبلاغة، مع ما يتضمَّنه هذا الجواب من مخاطرة إلاَّ أنَّ المخاطرة ليست قادرة على أن تطمس أن سرّ نجاح الدُّعاة في جذب المتابعين يكمن في الأيديولوجيا الَّتي يتحدَّد شكل تعبيرها في الشَّكل البلاغيِّ وهو نجاح شكليٌّ تحوَّل في الواقع إلى نجاح في المضمون. وبالعكس من شكل التَّعبير عند المثقَّفين الذي لم يسمح بأيِّ احتضان شعبيٍّ واسع وحرمهم من النُّفوذ بين النَّاس؛ فقد توفَّر للدُّعاة والوعَّاظ والمذكرين أشكال تعبير بلاغيّة أتاحت لهم مقدارا عاليا من الاهتمام والاحتضان، ومستوى لا يوصف من النفوذ الشَّعبيِّ العارم. 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق