تراجع دور الإعلام الثّقافيِّ التّقليديِّ

ظلّت وسائل الإعلام الثّقافي التّقليديّة، حتّى مطلع هذه الألفيّة، موائل معرفيّة يهرع إليها المهّتمون بالعمل الثّقافي لتتبّع مساراتها، وتبيّن الجديد في إنتاج الشّعراء، والنّقاد، والصحافيين المتخصّصين، وأخبار السّاحة الثّقافيّة، وغيرها من المهام الّتي يضطلع بها هذا النّوع من الإعلام. بيد أنّ هذا الواقع الموروث سيفقد الكثير من بريقه لا محالة، إن لم يكن هذا عاجلا فآجلا. فذلك الدّور الإعلامي الّذي يقوم به مستنيرون في محطّات الإذاعة، والتلفزيون، والمجلاّت، والدّوريات، الثّقافيّة المتخصّصة، والملاحق الثّقافيّة للصحف، والمجلاّت، يعاني الآن من تراجع في نسبة الاهتمام به، لا تخطئه العين النّابهة. كنّا نحن الجيل الّذي تفتَّح بعض وعيه الثَّقافي، والمعرفيِّ، في ظلِّ احتكار الدَّولة لأنساقها الإعلاميّة التّقليديّة، وهي الّتي كان لها الفضل في رعاية مواهب الرموز الإبداعيّة جميعهم. ولم يشذ مبدع كاتب بالعربيّة في إيجاد وسيلة لإبراز إبداعه خارج هذه الأنساق الإعلاميّة المرتبطة بشكل متين بسياسات الدَّولة القطريَّة، والَّتي كما نعلم تقوم بتوجيه رسالة الأجهزة الإعلاميّة، والثَّقافيَّة كافَّة، لمقتضى أيدولوجياتها، أو أفكارها الشُّموليَّة.

أمَّا اليوم فالأمر جدُّ مختلف عمَّا كان عليه حال الإعلام الثَّقافي قبلا. فالميديا الحديثة فرضت أنماطها في هذا المجال، وصارت، لسهولة الحصول على أدواتها، ومنتجاتها، أسرع في تبليغ رسالة المبدعين كلّهم. فضلا عن ذلك فإنَّ مساحة الحريَّة العابرة للقارات أتاحت الفرصة لكلِّ المبدعين عرض إنتاجهم بغير حذف. وانتهى زمن يقول فيه المشرفون على النَّشر، والبثِّ، بأنَّ هذه المادَّة لا تصلح للنَّشر، سواء لدفوعات تتعلَّق بسياسة التَّحرير، أو الدَّولة، أو الظَّن بخدشها للحياء العام، أو أنَّها لا تصلح لمجرد رمزيتها الَّتي يظنُّ أنَّها تطعن في الحاكم، أو حتَّى للاعتبارات اللُّغويّة، والأسلوبيّة. وهناك طائفة من المسوغات المانعة الَّتي كانت تجابه المبدعين خصوصا الشَّباب، أو ذوي الموقف السياسي المعارض للسُّلطة. إضافة إلى هذا فإن الميديا الجديدة لاتّساع مواعينها، وسرعتها اللاّمتناهية، أفردت للمبدعين من كلِّ الأجناس الفنيّة المجال لمواكبة النّشر، والتَّوسُّع في طرح القضايا، وإبراز المعالجات النَّقديّة الكثيفة بعد أن كانت وسائل الاعلام الثَّقافي القديمة تشكوا من ضعف مساحة الثَّقافي في الصحيفة، أو في البرمجة التلفزيونيّة، والإذاعيّة.

وأذكر أنَّني كثيرا ما جأرت – عندما كنت محررا للملف الثّقافي – بالشَّكوى من رئاسة التّحرير عند مقايضتها الإعلان التِّجاري بالصفحة الثَّقافيّة الأسبوعيّة، فإذا ألغي تضمين الصفحة المتخصِّصة في “ماكيت” الصحيفة في اليوم الَّذي يتوق إليها القارئ ـ بسبب ذلك الإعلان ـ فإنَّ القارئ لا يجدها منشورة إلاّ في الأسبوع الَّذي يلي. وبالتَّالي تغيب المادَّة الثَّقافيّة لأسبوعين بينما تتمدَّد الصفحات السياسيّة، والرياضيّة. ولا شكَّ أن برامجي الإذاعة، والتلفزيون، كانوا يعانون أصنافا من الضيم بسبب إهمال القطاعات الثّقافيّة فيها. فبينما هم يعانون من الحصول على عربة التَّغطية الخارجيّة لمعرض تشكيل، أو أمسية ثقافيّة، وضعف تقييمهم المادي وسط زملائهم، تتقلَّص المادَّة الثَّقافيّة إن لم تضع وسط أولويات سياسة البثِّ. كان ذلك العقد قد ولى بسرعة، وانفتح المجال الآن للمبدعين لمخاطبة القارئ في كلِّ مكان في الأرض، وإذا كان الإعلام التّقليدي يعاني سابقا انحسارا في الرقعة الجغرافيّة الَّتي يغطيها فإنَّ الميديا الحديثة أتاحت لكلِّ مهتم الفرصة لقراءة المادّة الثّقافيّة، أو مشاهدتها يوميًّا، بل إنَّ المبدعين صاروا يتفاعلون مع قرَّائهم المجاملين، والنَّاقدين، عبر الإيميل، والإسكايب، والفيس بوك، وتويتر، والمدوَّنات الخاصَّة، واليوتيوب. الأمر الآخر الَّذي أفرزته الميديا الحديثة هي أنَّها وسعت من أشكال المادَّة الثَّقافيّة، فلم يعد الشّعر، والأدب، والنَّقد فقط، المادَّة الَّتي تقدِّم الثَّقافة الجديدة في قالب. لقد وجد الفنَّانون التَّشكيليون، والمصوِّرون المحترفون، فتحا عظيما في الإعلام الجديد. وصرنا نلمح مسام اللَّوحة عبر عدسات (4K) الَّتي هي آخر صيحات الإجادة في إتقان الصورة الثَّابتة، والمتحركة.

ولقد كانت الطباعة السيِّئة تغيِّب جماليات اللَّوحة، والصورة، عند نشرها في الصحف، والمجلاَّت، بل إنَّ فنَّ التَّشكيل نفسه كان يعاني الإهمال من متخصصي الإعلام الثَّقافي، وذلك لأسباب عضويّة تتعلَّق بانحيازهم للشِّعر، والقصَّة، كون أنَّ أكثرهم ممن لديه علاقة بهذين المجالين. وربَّما تعلَّقت أسباب إهمال التَّشكيل بجدَّة فنِّه المعاصر في المشهد الثَّقافيِّ العربيِّ بالقياس إلى ذينك الفنَّين. لقد آلت التأثيرات القويّة للمركزيات الإعلاميّة إلى هوامشها بفضل ثورة الاتّصال الَّتي أعطت صوتا لمن لا صوت له. ونسبة لفائض قيم الحريّة الَّذي يجده المبدعون في مواقع الانترنت فإنَّ القرَّاء، والمشاهدين، سيزيدون الارتباط بها أكثر من الملاحق الصحفيّة، والبرامج الثَّقافيّة، الَّتي تسير وفق مهتديات سياسيّة، وإعلاميّة، للمؤسّسة المعنية. ولكون أنّ المشرفين على هذه المناشط الإعلاميّة أفراد تتملَّك بعضهم نزعات آيديولوجيّة، ونفسيّة، وانحيازيات جيليّة، ومذهبيّة حتّى، فإنّ سهولة النّشر، والبثِّ الإليكترونيِّ، ستكون أكثر تفضيلاً للمبدعين الَّذين يتوقون لتهديم بناء التَّابوهات الدينيَّة، والفكريَّة، والثَّقافيّة، والشّعوبيّة، والتّذوقيّة، والأسلوبيّة، وغيرها الَّتي كانت تمثِّل حجر عثرة لهؤلاء الَّذين يريدون تحديث شكل، ومضمون، الخطاب الإعلامي.

ومن خلال هذا العقد الأخير شهدنا بروز أصوات إبداعيّة كثيرة في كلِّ المجالات الإبداعيّة، بل وحازت هذه الأصوات الَّتي امتلأ بها الانترنت على جوائز قيمة تعهدتها مؤسّسات، ومراكز ثقافيّة محليّة، وأجنبيّة. وتبع ذلك ترجمة هذا الإبداع لأكثر من لغة، فيما تمكِّن الفرد الأديب من الحصول على عشرات الفرص للاستضافة، والحوار، حول تجربته مع مجاميع من المهتمين. ومع تنامي نطاق الدياسبورا العربيّة تيسر لهؤلاء المبدعين التَّجول في قارات الدنيا للالتقاء بقرَّاء مهتمين في تلك البلدان. إنَّ المادَّة الثَّقافيّة المطروحة في وسائل التّواصل الاجتماعيِّ، فضلا عن تقديمها لأصوات جديدة، نشرت المعرفة بالحقوق السياسيّة، والثَّقافيّة، وكيفيّة انتزاعها، والإبداع وإمكانيّة تحديثه، واختراق حاجز الخوف من السّلطات المهيمنة على المجتمع وما ينبغي علينا التَّعامل معها. إنَّها حوَّلت المتلقي إلى منتج لأفكاره، وزادت تفاعله مع القضايا الوطنيّة، وعرفت بالرموز الوضّاءة في تاريخ الأوطان، والأمم، والَّتي يمكن الاستلهام من تجاربها. وكذلك ربطت المبدعين بالناتج الإنسانيِّ في مضماري الثّقافة، والفنون، ولعلَّ هذا سيكون له انعكاس أكبر في التَّنوير الفكريِّ، والثَّقافيِّ، والسياسيِّ. وبرغم بعض السلبيات الَّتي ترافق استغلال الميديا الحديثة إلّا أنَّ الإيجابيات تطغى على الناتج الثَّقافيِّ، إذ إنّ مرحلة المخاض الَّتي تعايشها هذه الشعوب لا بدَّ من أن تثمر عبر هذا الضَّخ الإبداعيِّ.

والَّذين يتخوفون من أنَّ البناء الثَّقافي الموروث مهدَّد بالتَّقويض بسبب هذه الحريّة الفائقة للخطاب الثَّقافيِّ المطروح في ثقافة الإنترنت، تعتريهم نظرة التَّشاؤم عوضا عن التَّفاؤل، ويحاصرهم الخوف أكثر من الأمل في توظيف هذا العطاء الثَّقافيِّ الجديد، وتحويله إلى مجال لمراجعة هذه المواريث الثَّقافيَّة، وتنقيتها من الشَّوائب الكثيرة الَّتي تعتريها. وما أحوجنا إلى حريَّة الطرح الَّتي تضع كلَّ النتاج العقديِّ، والفكريِّ، والثَّقافيِّ، والفنّيِّ، تحت مبضع النَّقد الَّذي يبيِّن مواطن القصور، ويفتح آفاقا جديدة لترميم وحدة الإطار الحضاريِّ الَّذي نشأنا عليه. صحيح أنَّ وسائل الإعلام الثَّقافيِّ التَّقليديّة استفادت هي ذاتها من الميديا الجديدة، وعملت على توظيفها لزيادة فاعليتها، ومساحة تغطيتها. ولكن المشكلة هنا تكمن في محدوديَّة الحريّة الَّتي تتمتَّع بها هذه المؤسَّسات العامَّة، والخاصَّة، داخل البلدان. ومهما يكن حجم تناول هذه الوسائط التَّقليديَّة للشُّؤون الفكريّة، والثَّقافيّة، فإنَّها لا تستطيع مجاراة الوسائط الجديدة في جرأة الخطاب الثَّقافيِّ. وذلك مرده إلى أنَّ طبيعة الدَّولة تفرض شروطها على الإعلام التَّقليديِّ عموما، ومعايير الضَّبط الَّتي تطبقها على المنشور، والمبثوث، تتقاصر دون طموح المبدعين الَّذين تعلت سقوف حريَّة طرحهم في ظلِّ الإغراءات الَّتي يتيحها الإنترنت في هذا المجال. وبرغم أنَّ الفضائيات والإذاعات حاولت استغلال وسائط الميديا الجديدة لربط المشاهدين بالمادَّة الثَّقافيّة إلاَّ أنَّ الرقابة الرسميَّة والذاتيَّة تؤثر، لا مناص، في المردود العام للمشاهد، والمسموع. إنَّ الَّذين يعيشون في الغرب، حيث بلغ تأثير الإعلام الإليكتروني مداه، يدركون إلى أيِّ مدى أن حروف النَّشر الثَّقافيِّ قد تمدَّدت خارج نطاق القراءة ذاتها. مثلما أنَّ سوق الكتاب وجدت رواجا عبر الإنترنت، وساعدت الناشرين على تطوير استثماراتهم لتشمل مشاريع خلاَّقة في تحويل المقروء إلى مسموع. فكتاب حديث وذائع الصيت مثل (رأس المال في القرن الحادي والعشرين) لمؤلفه الفرنسي الشَّاب توماس بكيتي يمكنك أن تسمعه متلوا من الإهداء إلى الفهارس، والمراجع بكلِّ دقتها، وكلُّ ذلك يتمُّ وأنت قد دفعت مبلغا لا يساوي شيئا كثيرا.

ولكن هناك الملايين من الزبائن يراكمون الثَّروة للنَّاشر، ولهذا المفكِّر الاقتصادي الذي هو في بداية الأربعينات. وكذا كان تأثير الميديا الحديثة في ساحة العلم، والأكاديميا، والفكر هناك. ولعلَّ مدارس الإعلام الثَّقافيِّ التَّقليديّة هناك، بل ومجمل مدارس الإعلام كلُّها لاقت ما لاقته نظيرتها في عالم الجنوب. فقد أنتجت مدارس فكريّة، وفنيّة جديدة في الغرب، وشجعت الكتَّاب، والموسيقيين، غير الكلاسيكيين، على عرض إنتاجهم بعيدا عن الوسائل الإعلاميّة التّقليديّة. فأغنية واحدة للمغني الشَّاب فاريل وليامز قد استمع إليها أكثر من ٤٥ مليون مشاهد في أقلّ من نصف عام، ولك أن تتخيّل كم من الزّمن بوسع الشَّاب المغني الواعد أن يقضيه إلى أن يصل إلى مرتبة تقديم أعماله عبر محطَّات التلفزة التَّقليديّة. وهناك في العالم المتقدّم لم يكن التّأثير الإعلامي الجديد على مستوى توفير مساحات غير متوافرة بكثافة للمبدعين فحسب، فقد جلب الإعلام الحديث المال الوفير لمشاهير الفكر، والأدب، والفنّ، وصارت مدوّناتهم تعرض أعمالهم الَّتي تجد حظها الكبير من التَّسويق. إنَّ تأثير الميديا على مستوى العالم الثَّقافي صار كبيرا، ولا تستوعب طاقته الصحف، والمجلاَّت، والقنوات الفضائيّة، الَّتي تتضاءل مساحات نشرها، وبثِّها. ولهذا كلِّه فإنَّ هذا العالم المعني مقبل على تحوُّلات جوهريّة أعمق سيكون لها تأثيرها القويّ على القيم، والتّقاليد، والأساليب الفنيّة، وتشكيل ذائقة المتلقين، وتنمية إبداعات الشُّعوب الَّتي كانت المركزيات الحضاريّة تعدُّها نوعا من الفلكلوريات، بينما تعدُّ هي إبداعاتها نمطا حداثيًّا لا يقارب على مستوى خياله، وثراء تركيبته الخلقيّة. ليس ذلك فحسب فالميديا الحديثة الَّتي صارت مؤثّرة في كلِّ ركن ثقافيٍّ، وفنّيٍّ، من الأرض ستفرض تغيير معايير التَّنافس الفكريِّ، والإبداعيِّ، وسط الشّعوب وستعيد الاعتبار لمبدعي العالم الثَّالث خصوصا، والَّذين كان تواصلهم مع المتلقين عسيرا في محيطهم القطريِّ، أو الإقليميِّ، ناهيك عن تعريف العالم بمستوى ابتكارهم الفنِّيِّ.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق