إقطاع سياسي… رث / نهلة الشهال

كشفت معركة النفايات في لبنان (أو ما ابتدأ هكذا)، خصائص تتعلق ببنية السلطة وبتغيّرات اجتماعية للبلاد قد لا يمكن رصدها في أحوال الهدوء والاعتيادية. أبرزها ما يتعلق بالإنحطاط اللاحق بالطبقة السياسية الحاكمة، بحيث باتت المقارنات برجالات السلطة الغابرين شائعة، إلى حد استذكار مواقفهم وسيرهم كنماذج «ضدية» للوضع القائم، وهو ما يحدث حتى من قبل مناهضي هؤلاء، وبشيء من النوستالجيا!

ويبدو الأمر وكأنه يجري على مستوى تقييم السلوكيات و»الأخلاق»، بين هؤلاء وأحفادهم أو ورثتهم الحاليين. لكن التمسك بذلك يطاول ظاهر الأشياء فحسب.

صحيح أن الانحطاط الحالي وضعية عامة، يقال كمثال عليها أن ديغول أرقى بما لا يقاس من ساركوزي، والحال في العالم كله هكذا… وهذا مرتبط بالتأكيد بتغيير عميق لحق بالمنظومة الغربية المنتصِرة (ليس في الحرب الباردة فحسب بل قبل ذلك بعقود حين هيمنت عالمياً). فهي سادت محمولة على أفكار وقيم متشابكة ومتحفزة للإقناع والسيطرة، أي كمنظومة متكاملة. وينطبق ذلك حتى على مكوناتها العنصرية والاستعمارية، البغيضة تماماً، إلا أنها كانت تُقدِّم نفسها وتدافع عن مسلكها بمطالعات وحجج متماسكة، فانطبقت عليها صفة «العدو الجدير». بينما يصعب التقاط الأرضية القيمية والفكرية للنيوليبرالية الظافرة، فهي سائلة بمقدار سيولة الاقتصاد الذي يخصها، وهي أيضا «جزئية»، بمعنى اكتفائها بتوصيف ما تقوم به باعتبار مجرد وجوده يشكل سنداً لـ»شرعيته».

وهذا فقر معمم عظيم، قد يكون اشد وطأة على الحياة وعلى إمكان تحسينها من الفقر المادي الذي اتسع وتعمّم بشكل كبير.

هذا الاستطراد ضروري لصلته بالإدقاع في كل مكان، ما يسمح بعقد مقارنات والتقاط تشابهات بين معطيات تخص السلطات والمجتمعات في المنطقة العربية مثلاً، على رغم الفروقات الكبيرة بينها.

في لبنان، شكّلت الحرب الأهلية المديدة (1975-1990) ظرفاً ملائما لحصول تجديد في النخب الحاكمة، بفعل آليات ومسارب شديدة التنوع. حدث اجتثاث لرموز الإقطاع السياسي الشيعي القديم مثلا، عَبّر عن التغيير العميق اللاحق بالقاعدة الاجتماعية الشيعية بفضل ظروف موضوعية وشروط إرادية في آن (التهجير والهجرة ونتائجهما الاقتصادية وولوج التعليم العام وقيام حركة المحرومين…). وحدث التجدد الرئيسي في الجانب المسيحي من داخل الإطار السابق عليه هو نفسه (ما مثّله بشير الجميل و»القوات اللبنانية»…)، وهو الإطار الذي تجدد أصلاً في سياق قيام لبنان الكبير، عبر شكل من «الإنابة» عن الزعماء الموارنة التقليديين السالفين، ومن دون اجتثاث لهم ولا قطيعة معهم. بينما التجديد في تمثيل الزعامة السنّية جرى بطريقة «الإسقاط بالمظلة»، ما مثله الحضور القوي والسريع لرفيق الحريري فيما كانت أزمة الزعامة السياسية السنّية في ذروتها لأسباب عدة منها «الانزياح» الذي مثّله وجود المقاومة الفلسطينية في لبنان.

وقد لحقت بالتجديدين، المسيحي والسنّي، ضربات ثقيلة. الأول بسبب اغتيال الجميل وإحباط مشروع استعادة الهيمنة المسيحية (عبّر عنه اتفاق الطائف الذي عَدّل في حيثيات تلك الهيمنة كما وصفها الميثاق الوطني)، والثاني باغتيال الحريري. وقد تمكنت القوات من الحفاظ على بعض قوامها لأنها لم تكن حالة مفتعلة، فلا هي مشخصنة بالكلية ولا هي مُسْقطة من الخارج، بينما تَعزّز التجديد الشيعي بقيام «الثورة الإسلامية» في إيران (1979)، ولحق «حزب الله» بحركة المحرومين («أمل»).

وعلى ذلك، وفي أساسه، يكمن التغيير اللاحق بـ»تعريف» لبنان. فقد قام البلد على «صفقة» امتلكت في حينه مقومات فعلية: دور الوسيط بين الغرب (ممثلا آنذاك بأوروبا أولاً)، والداخل العربي الذي كان يحتاج لذاك التوسط، بما فيه توفير الجامعات العالمية في لبنان، والمستشفيات العالمية كذلك، ودور النشر والمطابع، والأماكن الترفيهية المتقنة والمتنوعة، والسرية المصرفية، وقدر عالٍ من الحريات الشخصية والعامة، بفضل التوازن الهش الذي نُسجت منه الدولة وهندس انسحابها إلى «اقل تدخل ممكن»، وبفضل سهولة شيوع تقاليد بعينها في بلد متناهي الصغر وشديد التنوع. والحالة تخص بالدرجة الأولى العاصمة بيروت وجوارها، في بلد مُصمم ليكون شديد المركزية.

وهذا كله كانت تؤطره شريحة متعلمة، تتقن اللغات الأجنبية ومتآلفة مع الغرب منذ قرون (التبادل التجاري، الإرساليات الخ…) وأخرى مدينية لا تقل تعليما وحداثة، لكنها تنتمي الى عالم الباشاوات والأفندية الذين كرّسهم «العثمانيون» وبالأخص في مرحلة «التنظيمات» المتأخرة، وبعدهم العروبيون…

لكن ما حدث أن الغرب لم يعد أوروبا، وأن العرب لم يعودوا محتاجين لتوسط لبنان ذاك، سواء في استضافتهم في ربوعه أو في بلادهم نفسها. وقد تضافرت هنا أيضا، وكعادة التاريخ، تلك العوامل الموضوعية وأخرى «إرادية» (منها الحرب الأهلية نفسها والاحتلال السوري) في القضاء على العصر الذهبي للبنان، الذي دخل مرحلة من تلاشي الوزن ومن البؤس، ما صَعّد الى السطح شريحة بالغة الطفيلية، سواء بلورها الإثراء (المافيوي بالمعنى الحرفي او المضارِب بكل شيء) الذي أتاحته الحرب بداية ثم التقلبات التي ما زالت قائمة إلى الآن، أو أتاحه شكل من «الزبائنية» او الاستزلام لمراكز نفوذِ في المنطقة. ويمكن لهذه الشريحة ان تبدل ولاءاتها بين الأضداد بلا وجل.

جرى تسييل ذلك كله في القالب نفسه (المنتهَك والمتشقِق والفاقد الأسس، وكل ما تريدون…) للصيغة اللبنانية «الفذة» (إلى الحد الذي تُبدي إعجابها بها الإدارات الأميركية المتعاقبة وكذلك السلطات الأوروبية المختلفة)، فأنتج ذلك شريحة يصعب إيجاد قرين سابق لمقدار ضحالتها وتفاهتها وضياعها في تعيين دورها وفي ممارسته. ولكنها تمسك بالحكم وفق قوانين «الإقطاع السياسي»، أي وفق منطق المحاصصة المذهبية للثروة والسلطة.

لكن محاصصة حول ماذا؟ هكذا يظهر إقطاع سياسي رث تماماً، يقع على سطح الواقع وبالكاد يحافظ على التصاقه الشكلي به. وقد يفسر ذلك بعض التغول الذي شهدناه في ممارسات الأجهزة الأمنية، المتقاسَمة هي الأخرى بين الأقطاب، وقد يفسر تضاربها / تنافسها في ما بينها أثناء تلك الممارسة.

وقد تفسر هذه الهشاشة العالية شعور اللبنانيين بالقلق تجاه كل حالة توتر أو أزمة، إذ يبدو لهم دوماً أن البلد على وشك الانزلاق إلى صراع عام (أو حرب أهلية مجدداً). وبالطبع، يفاقم مثل هذه المشاعر انهيار المنطقة، فغالبا ما كان قادتها يتولون وقف النار في لبنان، بينما تأكلهم النيران اليوم أو تستعر حولهم.

عن جريدة لحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق