“عمُّـو” ادوارد سعيد

عمُّو ادوارد سعيد يخرج من بيته المستعار صحبة هواء عفيف
ويرجع إليه محفوفًا بدون عفّة الهواء
الشَّوارع ليست غفلاً من أوبئتها
لقد اعترضته في مكتبه أتربة مجنَّحة
استعجلته خطواته قائلة: سعيد دعك من شمس عرجاء
تحرّف بك سبل ظلالك
لحظة خروجه لم يره أحد
كان ثمَّة رعد يردد ساخطًا: إلى متى يخاتلني السَّحاب ؟

*******
عمّـو ادوارد سعيد زمجر في شوكة استوطنت حلقه
أكان لك أن تقطعي عليَّ طريق روحي
استمرت الشَّوكة في صفاقتها وهي تزيد في كرب تنفُّسه
استمر عمو ادوارد سعيد في حفر أنفاق لبلوغ مشارف روحه
كان يبصر النُّور الباهت للشَّرق من وراء البحر
مدى اعتداد ظلّ الغرب بنفسه
ذهبت جهوده سدى في زحزحة الشَّوكة الآثمة
خاطبته الشَّوكة بتهكم: أردت حلقك لتبر وهمك أكثر
أنت يا سعيد سمّيت الكثير لمن لم يرك سوى إدوارد

*********
عمّو ادوارد  سعيد لديه معجون “أفكار” خاصٌّ به
إن “فرشاة” الاستشراق، الثّقافة والامبرياليَّة، خارج المكان، تصدح باسمه
شركات المعاجين العربيَّة المتصرفة متذمرة من الاثنين
زبائنها قلَّة، وهي لا تحسن التَّصرف بهما
لأنَّ نسبة التَّسوس في أسنانهم لا يصلح لها سوى قلعها
أدرك عمو ادوارد سعيد أنَّ الشَّرق لا يصلح لاقتنائهما
أراد أن يكون طبيب أعشاب ليكسب زبائنه هناك
تناولته شبهات كثيرة
طالته شبهات نالت من شرف اسمه بالذَّات
لاذ ببيته المستعار والنَّاطق بانكليزيَّة مؤمركة
تردد صوت في الجوار:
احمد ربك أنَّك بجوار المسيسبي وليس النيل أو الفرات

********
عمُّــو ادوارد سعيد صادق زيتونة فلسطينيَّة
سكنتها عصافير بلون الرَّماد
تبًّا! قالها صدى روحه بعد أن تقاعد ظلُّه جرّاء تعب أنفاس أوقيانوسيَّة
إنَّها شجرتي الَّتي تسمّي ميلادي الماثل أمامي ببلاغة “تأمّلات في المنفى”!
صوت برز من “صور المثقَّف” ملوِّحًا بصليبه الدَّامي:
لقد أخطأت في الاتِّجاه
كان عليك أن تلوّح بالعوسج، لتستقطب مدائح سماسرة مائدة الوطن

********
عمُّــو ادوارد سعيد نهرني بخفض قلبه الزَّعلان :
دارين الكردي ما صلتك بي وأنت تحبِك هذه الإشاعات ؟
أنا بخير، انظر إلى ظلِّ ألمي الصريح
لكن أنامله كانت تبكي بصمت
مادَّة بأضمومة من الود
صلتي بك هي صلتك بما يعني حلقي أنا أيضًا
إذ أسمِّي متاهة رغبتك وسط من يمنحونك مرآة تشاكس سيمياء أنفاسك
لو سألت المسيح نفسه لأسبغ عليك عظة تري بؤس حواريك المستحدثين من شرقك
عمُّــو سعيد أشار إلى شوكته العنيدة حتَّى آخرتها مرددًا:
تصوَّر يا ابن أخي أنَّ بيتي المستعار يرأف بي أكثر ؟!

********
عمُّــــــو ادوارد سعيد اشتهى “أكلة” برغل
تهكَّم عليه زميله الأميركي في الكليَّة:
ها أنت ذا تلوِّح بالشماخ والعقال وتدَّعي الأنوار ؟
كان يحمل ملعقة مرحة بين أصابع يده اليسرى
تجاوب مع الصوت ذاك صوت شرقيّه بمزيد من السُّخرية:
أرأيت كيف تتكلَّم من وراء قناع وأنت تأكل بيدك اليسرى
وتشوِّه سمعة “برغلنا”، وتنسى مدى تحالفك مع دجاجة “كنتاكي” ؟
بكت يمين عمُّــو سعيد، وحنت عليه حيطان مكتبه الأمريكيِّ.

**********
عمُّــــــو ادوارد واقف في منتصف ظلِّه
طريقه يسائله عمَّا أنجزه في “طباقه” الَّذي اتكأ عليه كثيرًا
كانت الشَّوكة تضطرد وقاحة في إيلامه
استدعى أفكاره
جاءت إليه كتبه
مقالاته
خربشاته الَّتي كانت تعيش مخاض أفكار
ظلال هواجسه
أسئلة عالقة في فضاء الحيرة
شرقه وغربه وقد تقاسما روحه
ثيابه الأكاديميَّة
البيجامة الأخيرة تلك الَّتي لم يلبسها بعد
كرافتته الَّتي أرسلت إليه هديَّة من صديقه اليهوديِّ
بطاقة معايدة من إحدى طالباته المعجبة بفراسة عينيه
جورباه النَّاظران إلى نحول رجليه بقلق
ضوء طاولته الذَّاهل عمَّا يجري
العنوان الأخير لبحث خطَّط له ولم يسترسل فيه
خيالات خصومه وأعدائه وأصدقائه
كنت هناك منشطرًا بين شرقه وغربه
شاهدًا على مذبحة أشرِك فيها عمُّــو سعيد
وكلّ ما نشده هو تآخي البرّ والبحر
تردَّد صدى عبارة أخيرة على وقع نفاذ فعل الشَّوكة الصفيقة:
كان عليَّ أن أكتب“الاستعراب”
رحل عمُّــو سعيد وقلبه مغروز في قلبه المنتفض طي قفصه الصدري المتهالك
“هولير”

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق