سيروان باران: اعتراض جمالي على فضيحتنا الإنسانية / خالد مطلك

لم تعد تعبيرية ما بعد الحرب العالمية الثانية، تعبيرية ذات خصوصية محلية او ثقافية محددة، كما هي الحال مع التعبيرية الروسية والتعبيرية الألمانية مثلاً. لقد أصبحت وبحق تعبيرية كونية، تعبيرية عالمية على وجه الدقة، فإنك تصادف روح عالم «ما بعد الحداثة» في كل مرة تقترب فيها من الفن المعاصر، سواء في اللوحة التقليدية بإطارها وغرائبية مضمونها وموادها، أو في العمل الفني الذي غادر الإطار وإلى الأبد، باتجاه الفنون التركيبية والمفاهيمية وسواها. أن تفقد المدارس الفنية قدرتها على فرض توجهاتها على زمننا، أن نعيش عصر اللاتصنيف والتراتبية، عصر اللامركزية الفنية، هذا ما يحدث الآن أمام أعيننا. لم تعد باريس وبرلين وفينيسيا ونيويورك وحدها تصنع المهيمنات الجمالية بالمكانة السابقة ذاتها التي تناوبت عليها. ففي هذه اللحظة تحديداً، العالم كله ينهل من العالم كله. أن تكون «ما بعد حداثياً» عليك أن تعيش لحظة هذا الحفل الكوني الشاسع، وتتفاعل معه، من دون حياء محلي يتعلق بجذورك وهامشيتك وحداثة مجتمعك بالفن الحديث.

من هنا، ومن هنا فقط، يمكنني التفاهم مع مقترحات سيروان باران في معرضه الأخير (حوار خاص لعالم بلا حدود بين ثقافتين – دبي – قاعة موغو) بوصفه فناناً غير محلي، وسأقول «فنان عالمي» وهذا ليس امتيازاً اعتبارياً انها ممارسة توصيفية. وإذا كانت قد أُتيحت لك فرصة كافية في العقدين الماضيين لزيارة قاعات العروض العالمية، فستقف أمام لوحات سيروان وتقول لنفسك: «هذه الأعمال أعرفها». ليس لأنها تكرار مباشر لأعمال سواه، ولكن لأنها تسبح في مياه النهر نفسه الذي يخترق خارطة العالم. وهذه ملاحظة خارجية، من خارج متن الأعمال نفسها. فمن الداخل، من داخل الإطارات العريضة لأعماله، فأنت إزاء فنان متفرد، له إضافته الشخصية المهمة في تعبيرية ما بعد الحداثة، إذا اتفقنا مع الرأي الذي يقول: إن هذه «الما بعد» في الفن والعمارة، تخص لحظة بحد ذاتها، لحظة صادف مرورها في بداية السبعينيات من القرن الماضي، كما يسخر تشارلز جينيك، وهو يضع اليوم والشهر والسنة بل حتى الساعة والدقيقة التي ظهرت فيها.

سيروان باران، هو الفنان الأكثر حرية من بين مجايليه العراقيين في أقل حصر تصنيفي، هو الأكثر شجاعة في الوقوف أمام بياض اللوحة الشاسع كما يريده ويخطط له متعمداً، حيث يقترح أعمالاً بأحجام غير معروفة نسبياً في تجربة الرسم، حتى على صعيد «عالمي». إنه يذكّر بتلك الانفعالات التي كان يبديها جاكسون بولوك أمام أعماله، ولكن حرية سيروان «حرية مشروطة» (حرية التعبير ليست نفسها مع التجريد) التزم بموجبها هذه المرة، بصناعة تشخيصيات مشوهة، خلق كائنات غير أليفة تستمد حضورها من تشوهات عالمنا اليوم، عالم الحروب والمآسي والجوع والهجرات والنزوحات والاغترابات الروحية متعددة الاتجاهات، التي يعيشها الإنسان الآن، وفي هذا الجزء من العالم على وجه التحديد. إنه يأخذ بكل ذلك ويلقيه بوجه الوجود كاعتراض جمالي على تلك الفضيحة الانسانية، التي تتسبب بشعور بارد من الخجل لدى انسان القرن الحادي والعشرين.

إننا، إذن، بصدد فنان عالمي، يمسح آثار محليته بهدوء، ويتقدم نحو مرآة الكوكب بسطوعها المريب. إننا بإزاء ظاهرة غير مألوفة نوعاً ما، أن يتشارك منجزنا الفني ويتشابك مع العالم، من دون أي شعور بالتبعية والدونية الجمالية. ظاهرة أن نقف مع العالم قدماً بقدم، ونزاحمه كتفاً بكتف، ان نتحدث بلغة الآن، بلهجة هذه اللحظة، وأن لا ننتظر ممارسة التبعية الجمالية إلى الأبد، كما هو حالنا في واقع الأمر .

باعتقادي، أن منجز سيروان بطاقته التعبيرية الخاصة، تأتي أهميته من هذا الاندماج في الفن العالمي، والدخول إليه من الباب العريض من دون ارتباك. من دون حياء هامشي. إنه موجود وبقوة في الرسم الذي ينجزه فنانو ما بعد الألفية الثانية.

حسناً فعلت إدارة القاعة، التي نظمت هذا المعرض المشترك لسيروان باران مع النحات السنغالي جيكوهو. اذ ان خارطة الفن الحديث لا تعرف فواصل جغرافية ولا حدوداً أكاديمية او مدرسية، ولا مركزية تحتكر الخطاب الجمالي كما أسلفت، هي بالضبط فكرة أن يقيم فنان عراقي – كردي مقيم، في بيروت، معرضاً مشتركا في دبي مع فنان سنغالي، ليقدما أعمالهما إلى جمهور من كل جنسيات العالم، جمهور جاء ليعمل ويتبضع ويقضي إجازته في مدينة كوزموبوليتية.

استخدام الكولاغات والرسوم الهندسية ودفع الكتل في زوايا ضيقة من فراغ اللوحة الهائل، هي ميزات اسلوبية لطرائق صناعة اللوحة السيروانية، والتي تتبدى للوهلة الأولى كما لو انها آتية من مصادفات واجراءات اعتباطية، ولكنها في الواقع تأسست على حس تصميمي عميق، ينهل من تجربة تمتد لأكثر من ثلاثين سنة، لفنان خبر الأساليب الفنية بكل أشكالها ومدارسها، رساماً ومصمماً وملوناً متفرداً. وهو يعرف قبل غيره ماذا سيفعل بهذه الفتنة التي يتسبب بها وهو يعالج الفراغ، الذي لم يعد أبيض على الإطلاق، بل من المجازفة أن نسميه فراغاً حتى. إنه المحيط المتحرك الساكن الذي يمنح ديناميكية اللوحة، كل تلك الطاقة البهيجة من الجمال. أما عن شخوص سيروان فهم نحن بالضبط، ولكن بطبعتنا العالمية الساخنة. بكل تشوهات المآسي التي تركت آثار عجلاتها على أرواحنا.

شخوص سيروان هم نحن التائهون وسط أسئلة هذا العالم، المحبطون والمعلقون في الهواء بلا جذور، ترسمنا أقدار هذا الفنان، بخطوطه الملتوية الحادة، وألوانه التي لم نألفها في غبار أيامنا.

في الواقع، لست – من الناحية المزاجية – مستعداً للتفريط بهذه الجرعة الجمالية، لصالح كتابة شكلانية، لأن الكتابة عن معرض من هذا النوع، هي ورطة نقدية، تشبه الاستحالة، إذ أن أعمال هذا المعرض تعمل على انفراد بعيداً عن سواها، رغم المشتركات الشكلية المخادعة. لذلك، اكتفيت بتأمل النسق الذي ولدت فيه الأعمال، على أمل ان أتناول تلك اللوحة المكثفة الدلالة بخلفيتها الخضراء، حيث مصطبة لشخص واحد يحمل طفلا في لحظة سكون أبدي، وتسيح حوله المأساة على هيئة أشكال غرائبية… يا لهذا اللثام الأحمر، وتلك النظرة المخيفة، وهذا العالم الكافكوي المروع. إنني أرتجف ذعراً من هذا الجمال.

عن ملحق نوافذ

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق